عادت لتاخد حقها مشيرة محمد
عادت لتاخد حقها مشيرة محمد
قالت لي أمي بعد نبطشية ليل في المستشفى: “يا تدفعي إيجار البيت يا تمشي”… فمشيت، وبعد خمس أيام بس حياتهم اتهدت لأنهم اكتشفوا إني مكنتش عبء، أنا كنت العمود اللي شايل البيت كله.
في العراق كان اسمي زهراء، ممرضة في مستشفى حكومي ببغداد، بشتغل اتناشر ساعة وسط التعب والدموع والخوف، وبعدين أرجع لبيت أمي عشان أبدأ نبطشية تانية محدش بيدفع لي فيها مليم.
كان عندي تمانية وعشرين سنة، بس كنت بحس إني عشت خمسين، لأن بقالي خمس سنين كاملة بربي ولاد أختي سارة، علي وحسن، أكتر ما أمهم نفسها ربتهم.
في الصباح ده، دخلت المطبخ ببلوزة المستشفى المتبهدلة، رجليا ورمة، وعينيا قايدة نار من قلة النوم، لقيت أمي أم علي واقفة قدامي بكوباية عصير وبتقول ببرود: “من النهاردة تدفعي بدل سكن، يا تلمي هدمك وتطلعي برة بيتي”.
بصيت لها كتير، مفهتمش في أول لحظة هي بتتكلم معايا أنا فعلاً؟ أنا اللي بنظف البيت، بطبخ، بغسل، بذاكر للأولاد، وبارعاهم كل يوم في الوقت اللي الكل عايش حياته طول وعرض.
أختي سارة كانت قاعدة على الترابيزة ومبلمة في تليفونها، ضحكت وقالت: “بصراحة يا أمي، كان لازم تاخدي منها إيجار من زمان”.
وبعدين كملت من غير ما ترفع راسها: “ورعاية علي وحسن مش تضحية كبيرة يعني، دي بتقعد معاهم وهم بيلعبوا وخلاص”.
في الصالة، العيال كانوا بيبهدلوا الأنتريه بالأكل اللي لسه منطفاه من ساعة، وأنا واقفة جنب البوتاجاز بحاول أستوعب إني بقيت غريبة في البيت اللي ضيعت فيه عمري.
خمس سنين كنت برجع من الطوارئ الساعة سبعة الصبح، نفسي بس في ست ساعات نوم، ألاقي المواعين مكومة في الحوض، اللعب في الطرقة، والتلفزيون صوته جاعورة، وأمي تقولي: “زهراء، خدي بالك من العيال شوية”.
و”الشوية” دي كانت بتقلب بيوم كامل، في حين إن سارة خارجة لمشوار، أو رايحة الكوافير، أو بتفطر مع صاحباتها، أو بيطلع لها مشوار ضروري فجأة كل ما عيالها يحتاجوا أم.
محدش فيهم سألني أكلت؟ نمت؟ تعبت؟ أو حتى بكيت في حمام المستشفى لأني مش قادرة أتحمل!
علشان كده لما أمي قالت إني عبء ولازم أدفع إيجار، حسيت بحاجة جوايا انطفت بهدوء.
مبكتش، بالعكس ابتسمت، ودخلت أوضتي، طلعت الشنطة السودة اللي كنت مخبياها تحت السرير من تلات شهور، لأني كنت عارفة إن اليوم ده جاي جاي.