عادت لتاخد حقها مشيرة محمد
عادت لتاخد حقها مشيرة محمد
ابتسمت بمرارة وقلت لأمي: “الآن تذكرتِ أننا أهل يا أمي؟ عندما كنت أعود من مناوبة مدتها اثنتا عشرة ساعة، وجسدي يرتعش من التعب، لم تري فيّ ابنتكِ. كنتِ ترين خادمة مجانية وصرافًا آليًا يدفع الفواتير ويشتري العلاج. عندما طردتني من أجل الإيجار، لم تفكري أين سأنام، أو هل أملك ثمن رغيف الخبز. فكرتِ فقط في زيادة دخل البيت الذي كنت أحمله وحدي.”
أمسكت سارة بياقة قميصي وهي تصرخ وتستجدي في آن واحد: “لن تأخذي علي وحسن! سأموت قبل أن يحصل هذا! أمي، قولي لها شيئًا! هذه خطة منها لتنتقم منا لأننا طلبنا حقنا!”
أبعدت يدها عني برفق ولكن بحزم، وفتحت الملف الأزرق مجددًا: “هذه ليست خطة انتقام يا سارة، هذه خطة إنقاذ. انظري إلى هذه الورقة.. هذا تقرير من مستشفى الأطفال الحكومي من الشهر الماضي، عندما أصيب حسن بنزلة معوية حادة وكنتِ أنتِ في رحلة مع صديقاتكِ إلى أربيل. من الذي وقع على إذن الدخول؟ من الذي سهر بجانبه حتى الصباح وهو يتقيأ؟ أنا. المحكمة لا تعترف بالدموع والصراخ، المحكمة تعترف بالأفعال.”
في تلك اللحظة، خرج حسن الصغير البالغ من العمر أربع سنوات من الغرفة الداخية، يجر قدميه ويبكي بصوت خافت. بمجرد أن رآني، جرى نحوي وارتمى في حضني وهو يردد: “خالة.. لا تذهبي وتتركينا مجددًا. جدتي تصرخ طوال الوقت، وأمي ليست هنا، ونحن جائعون.”
حملته بين ذراعي، وشعرت بوزنه الثقيل ودفء جسده الصغير، والملابس المتسخة التي كان يرتديها منذ أيام. التفت إلى أمي وسارة وقلت: “انظرا إليهما. خمسة أيام فقط كانت كافية لتهديم ما بنيته في خمس سنوات. البيت اتسخ، الأطفال جاعوا، الدراسة تعطلت، وأنتِ يا أمي سقطتِ في المطبخ لأنكِ لم تتحملي رعاية طفل لعدة ساعات. هل عرفتم الآن من كان العبء ومن كان العمود؟”
سادت حالة من الصمت الرهيب في الصالة، لم يكن يقطعه سوى شهقات سارة المكتومة. جلست أمي على الأريكة المتهالكة، ووضعت وجهها بين كفيها وبدأت تبكي بنحيب حقيقي. قالت بصوت متقطع: “سامحيني يا زهراء.. سامحيني يا بنتي. أعمى الله بصيرتي وظلمتكِ. كنا نرى طيبتكِ وعطاءكِ ضعفًا، وظننا أنكِ لن تتخلي عنا أبدًا مهما فعلنا. ارجعي للبيت، ولكِ كل ما تريدين، لن تدفعي فلسًا واحدًا، وسنكون نحن تحت أمركِ.”
نظرت إلى أمي، وشعرت بغصة في حلقي. رغم كل ما فعلته، تظل أمي، ورؤيتها مكسورة هكذا أوجعت قلبي، لكنني تذكرت الليالي الطويلة التي بكيت فيها وحيدة في حمام المستشفى، وتذكرت شعور الإهانة عندما طردتني من بيتها. علمتني الحياة أن العودة إلى مكان أُهينت فيه كرامتي هي انتحار بطيء.