صفقه الخمسين مليون ندى الجمل

صفقه الخمسين مليون ندى الجمل

في الليلة اللي وافقت فيها ليلى إنها تتجوز ابن واحد من أغنى رجال الأعمال في مصر مقابل خمسين مليون جنيه… أول حاجة العريس عملها، إنه طلب من الأمن يطردها برا الأوضة.
ماكانش بيزعق… وده اللي خلى الموقف أبشع.
كان قاعد في ضلمة أوضة أوسع من شقة ليلى كلها في شبرا، إيده سايبة على دراع كرسي جلد، ونص وشه مستخبي ورا ستاير تقيلة والمطر بيخبط في الإزاز وراه. صوته كان هادي جدًا… هدوء واحد اتخذل كتير لدرجة إنه بقى يشوف أي أمل تهديد.
قال ببرود: — “نزّلوها تحت… وقولوا لأبويا إني مش فاتح سوق شراء الليلة.”
رجل الأمن بص لليلى بتوتر، والممرضة اللي جنب جهاز الأوكسجين سكتت… لكن ليلى ما اتحركتش.
فضلت واقفة عند الباب، البالطو الرخيص بتاعها لسه مبلول من المطر، وشعرها لازق في رقبتها، وجزمتها القديمة متبهدلة من المشي بعد ما العربية وقفتها عند البوابة الكبيرة للقصر.
كانت متوقعة من أدهم المنياوي كل حاجة: العصبية… القسوة… المرارة… لكن ماكنتش متوقعة عينيه. عينيه كانوا لسه مليانين حياة بشكل يخلي الأوضة كلها تبان أغمق.
قالت بهدوء: — “الأمن ممكن يفضلوا… بس أنا مش همشي عشان أنت حافظ الجملة دي قبل ما أدخل.”
رجل الأمن بص لها كأنها اتجننت. الممرضة اتخشبت مكانها. أما أدهم… فصوابعه شدت على الكرسي للحظة.
وبعد ثواني سألها: — “أبويا قالك إني صعب؟”
ردت: — “قال إنك عيان.”
ضحك بسخرية خفيفة: — “كان لطيف وهو بيقولها.”
— “وقال كمان إن واحد وأربعين بنت رفضوا الجواز قبلي.”
طرف شفايفه اتحرك بحاجة شبه ابتسامة: — “اتنين وأربعين… لو حسبنا اللي أغمى عليها قبل ما تدخل.”
قالت بسرعة: — “دي ما تتحسبش… دي ضغطها واطي.”
لأول مرة… ملامحه اتغيرت. مش ابتسم… بس كأنه اتفاجئ.
وكأنها وقفت ترس جوه غضبه للحظة.
بصلها بتركيز وقال: — “إنتِ مين؟”
— “ليلى.”
— “قصدي… إنتِ إيه؟”
هي فهمت السؤال.
والده، فؤاد المنياوي، سأله بطريقة مختلفة تحت… ورا مكتب خشب ضخم تمنه ممكن يشتري عمارتهم كلها.
كان قاري ملف حياتها بالكامل: ٢٨ سنة… أهلها متوفين… كانت شغالة مساعدة تمريض… عليها ديون علاج أمها… الإيجار متأخر… وأختها ماتت بالسرطان من ٣ سنين.
لا عيلة كبيرة… لا نفوذ… ولا اسم له قيمة في عالمهم.
لكن أدهم ماكنش بيسأل عن الورق. كان بيسأل: إيه نوع البنت اللي توافق تدخل أوضة واحد بيموت مقابل خمسين مليون؟
ردت بعد لحظة: — “أنا واحدة عارفة شكل الإنسان لما يبطل يقاوم.”
الأوضة سكتت.
المطر برا كان بيخبط في الإزاز… الممرضة وطّت عينها… ورجل الأمن بقى باصص للأرض.
أما أدهم… ففضل يبصلها بنظرة خلتها عايزة تهرب بعينيها… بس ما عملتش.
هي اتعلمت من المستشفيات والعزا والبيوت الضيقة… إن الحقيقة لازم تدخل الأوضة كاملة عشان تتصدق.
أخيرًا قال للممرضة: — “سيبونا.”
— “يا فندم بس—”
— “قولت سيبونا.”
الممرضة اترددت… فقالت ليلى بهدوء: — “مش هلمس حاجة… ومش هفتح الستارة غير لما يطلب.”
طلع من أدهم ضحكة قصيرة من غير روح: — “واضح إنها متدربة أحسن من نص اللي هنا.”
خرجوا… والباب اتقفل وراهم بهدوء مخيف.
فضلت ليلى واقفة.
أدهم كان بيبصلها من وسط الضلمة. عنده ٣٢ سنة… بس المرض كان سايب تحت عينيه تعب أكبر بكتير.
شعره طويل شوية… ولابس سويتر رمادي فوق قميص أبيض، وكأنه كان ناوي يعمل حاجة ونسيها.
الدكاترة قالوا قدامه كام شهر… يمكن أقل.
لكن ليلى كانت شافت المرض قبل كده. وعارفة إن الإنسان أوقات بيبدأ يموت من جواه… قبل جسمه.
قال أخيرًا: — “اقعدي… أو كملي وقفة المحاكمة دي.”
قعدت قدامه من غير ما تستأذن.
قال بسخرية: — “جريئة أوي بالنسبة لواحدة جاية تبقى زوجة بالإيجار.”
ردت: — “أنا مش جاية أقدم على الوظيفة.”
رفع حاجبه: — “لا؟”
— “أنا وافقت خلاص تحت.”
عينيه ضاقت: — “يبقى إنتِ أخطر مما توقعت.”
— “ممكن.”
سألها: — “محتاجة الفلوس للدرجة دي؟”
قالت من غير كدب: — “آه.”
واضح إن صدقها ضايقه أكتر.
قال: — “على الأقل معترفة.”
ردت: — “أنا محتاجة الفلوس فعلًا… بس ده مش السبب الوحيد اللي خلاني أقول آه.”
ضحك بمرارة: — “مريح جدًا الكلام ده.”
— “بس حقيقي.”
قال: — “الحقيقة دايمًا مريحة للي بيقولها.”
بصتله بثبات: — “واليأس كمان مريح للي مستخبيه وراه.”
لثانية… افتكرت إنه هيطردها.
لكن المفاجأة إنه هو اللي بص بعيد الأول.
حركة صغيرة… بس فهمتها كل حاجة.
أدهم المنياوي ماكانش إنسان ميت من جواه… كان واحد لسه بيتوجع لأنه لسه بيحس.
وده معناه… إن لسه فيه أمل.
تحت في الدور الأرضي…
كان فؤاد المنياوي واقف في المكتب الكبير قدام المدفأة، حوالينه صور قديمة لرجالة ببدل فخمة ووشوش كلها سلطة ونفوذ. المكان كله ريحته فلوس وقدرة وسيطرة.
أول ما ليلى دخلت، بص لها وقال بهدوء: — “قعدِك فوق سبعة وعشرين دقيقة… رقم جديد.”
ردت وهي بتفك أزرار البالطو: — “واضح إنك كنت بتحسب.”
قال من غير ابتسامة: — “أنا بحسب كل حاجة.”
الإضاءة الصفراء كانت مدياله شكل مرعب أكتر… راجل اتعود إن الناس تخاف منه قبل حتى ما يتكلم.
قرب منها شوية وقال: — “ابني مش سهل.”
— “عارفة.”
— “لا… إنتِ لسه ما تعرفيش.”
سكت لحظة، وبعدين كمل: — “أدهم بقاله سنتين بيطرد أي حد يحاول يقرب منه. ممرضين، دكاترة، أصحاب… حتى أنا.”
ليلى بصت ناحية السلم اللي نازل منه صوت المطر البعيد وقالت: — “هو مش بيطرد الناس… هو بيبعدهم قبل ما يسيبوه.”
أول مرة… ملامح فؤاد اتغيرت فعلًا.
كأنه سمع جملة ماحدش قدر يوصف بيها ابنه قبل كده.
لف وراح ناحية البار الصغير، صب لنفسه مشروب وقال: — “إنتِ فاهمة إن الجواز ده مش حقيقي، صح؟”
— “الحاجة الوحيدة الحقيقية فيه إن ابنك بيموت.”
قبض على الكوباية جامد… لدرجة إن عروقه ظهرت.
واضح إن الكلمة وجعته مهما حاول يستخبى.
قال بعدها: — “هو عنده تليف نادر في الرئة. أحسن دكاترة العالم ماقدروش يعملوا حاجة. والعلاج الجديد نسبته ضعيفة.”
— “وعشان كده عايزه يتجوز؟”
رفع عينه عليها مباشرة: — “عايزه مايموتش لوحده.”
الجملة نزلت تقيلة جدًا.
ليلى ما ردتش فورًا.
لأنها فهمت فجأة إن الراجل ده، رغم قسوته وفلوسه ونفوذه… مجرد أب مرعوب.
قال بصوت أوطى: — “أمه ماتت وهو عنده ١٤ سنة… ومن يومها بقى يتعامل مع الحب كأنه خسارة مؤكدة.”
— “فقرر يسبق الكل ويبعدهم بنفسه.”
هز راسه ببطء.
بعدها حط فؤاد ظرف كبير على المكتب ودفعه ناحيتها.
— “فيه خمسة مليون مقدم… والباقي بعد الجواز.”
ليلى بصت للظرف… لكن ما لمستوش.
وده كان أول تصرف خلا فؤاد المنياوي يتوتر فعلًا.
قال باستغراب: — “مش هتعديه؟”
— “أنا ما اتفقتش معاك عشان الفلوس بس.”
— “كل الناس عندهم تمن.”
رفعت عينيها بثبات: — “أختي ماتت وأنا معيش حق علاجها… لو كنت بدور على الفلوس وبس، كنت بعت نفسي من زمان.”
الصمت ملأ المكتب.
وفؤاد لأول مرة حس إنه مش واقف قدام بنت فقيرة… كان واقف قدام واحدة شافت وجع كفاية يخليها ما تخافش من أي حد.
وفجأة…
صوت تكسير جامد جه من فوق.
كلهم اتلفتوا.
وبعدها مباشرة… صوت سعال عنيف جدًا.
السعال اللي يخوف… اللي يطلع من صدر شخص جسمه خلاص بيستسلم.
ليلى اتحركت قبل أي حد.
طلعت السلم بسرعة… ووراءها الحراس وفؤاد.
فتحت باب أوضة أدهم فجأة…
ولقته واقع على الأرض جنب الكرسي، جهاز الأوكسجين متشدود من مكانه، ودم خفيف نازل على إيده.
الممرضة كانت بتحاول تقرب… لكنه كان بيزعق فيها بعصبية: — “اطلعوا برا!”
لكن أول ما عينه وقعت على ليلى… سكت.
ثانية كاملة.
بس بيبصلها وهو بيتنفس بالعافية.
قربت منه بهدوء، ونزلت على ركبتها قدامه.
وقالت بصوت ثابت: — “لو هتموت… مش لازم تعملها لوحدك.”
الأوضة كلها سكتت.
حتى صوت المطر برا بقى بعيد… كأن القصر نفسه واقف مستني رد أدهم.
كان بيتنفس بصعوبة، صدره بيطلع وينزل بعنف، والدم على إيده بيكبر نقطة نقطة. الممرضة قربت بسرعة، لكن رفع إيده بعصبية يمنعها.
عينيه كانت على ليلى بس.
كأنه بيحاول يفهم… هي خايفة ولا لأ؟
لكن ليلى ما بعدتش.
مدّت إيدها بهدوء وسحبت أنبوبة الأوكسجين اللي وقعت، ثبتتها مكانها بحركة متعودة عليها من سنين الشغل في الرعاية.
قال بصوت متقطع: — “إنتِ… غبية.”
ردت بهدوء: — “دي مش أول مرة أسمعها.”
ضحكة خافتة خرجت منه بالغصب… وبعدين اتقلبت لسعال موجع خلا جسمه كله يترعش.
فؤاد اتحرك أخيرًا: — “هاتوا الدكتور حالًا!”
لكن أدهم رفع عينه لأبوه وقال بحدة مرهقة: — “اطلعوا… كلهم.”
— “أدهم—”
— “قولت اطلعوا!”
المرة دي كان صوته أضعف… بس الوجع اللي فيه خلّى الكل يسمع.
الممرضة خرجت مترددة، والحراس بعدها. فضل فؤاد واقف ثواني، باصص لابنه بعجز عمره ما حسه قبل كده.
وبعدين… خرج هو كمان.
اتقفل الباب.
ليلى فضلت قاعدة على الأرض قدام أدهم.
قال بعد دقيقة طويلة: — “إنتِ المفروض تكوني مرعوبة.”
— “أنا مرعوبة فعلًا.”
بصلها باستغراب بسيط.
كملت وهي بتعدل البطانية على رجله: — “بس مش منك.”
سكت شوية… وبعدين قال بسخرية تعبانة: — “يبقى من الفلوس؟”
هزت راسها بالنفي.
— “من فكرة إن الإنسان ممكن يقرر يموت قبل ما يحاول يعيش آخر مرة.”
الكلام ضربه في مكان واضح.
بان في عينيه فورًا.
لف وشه بعيد ناحية الشباك وقال: — “إنتِ ما تعرفيش حاجة.”
— “يبقى احكيلي.”
ضحك بخفوت: — “دي أسوأ جملة ممكن تقولها لواحد بيموت.”
— “ليه؟”
— “لأن الناس عادة بتبقى عايزة تهرب من حكاياتنا.”
ليلى سكتت شوية… وبعدين قالت: — “أختي كانت عندها سبعتاشر سنة لما السرطان وصل للرئة.”
أدهم بص لها ببطء.
كملت: — “في آخر شهر… الناس بطلت تزورها. أصحابها، قرايبنا، حتى الناس اللي كانوا بيقولوا بيحبوها.”
بلعت ريقها بصعوبة وهي بتفتكر.
— “كلهم كانوا بيخافوا يشوفوا حد بيختفي قدامهم.”
الصمت بينهم بقى أهدى.
مش مريح… بس صادق.
قال أدهم أخيرًا: — “وإنتِ؟”
— “أنا فضلت.”
سألها: — “لحد النهاية؟”
ردت من غير تردد: — “لحد آخر نفس.”
العتمة خبّت تعبيره لحظة… لكن صوته اتغير.
بقى أوطى. أهدى. وأضعف.
— “وده ما كسركيش؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة: — “كسرني… بس علمني.”
— “إيه؟”
بصتله مباشرة: — “إن اللي بيموت محتاج حد يعامله كإنه لسه عايش.”
الجملة فضلت معلقة بينهم.
وأدهم لأول مرة من بداية الليلة… ماكانش بيبصلها كأنها صفقة.
كان بيبصلها كأنها خطر.
لأنها كانت أول شخص من سنتين… يخليه يحس بحاجة غير الغضب.
وفجأة…
رن تليفونه اللي على الترابيزة.
أدهم ضاق عينه بضيق أول ما شاف الاسم.
ليلى لاحظت التغيير.
— “مش هترد؟”
قال ببرود: — “دي خطيبتي السابقة.”
رفعت حاجبها: — “السابقة؟”
ابتسم بسخرية مريرة: — “أول ما عرفت إني هموت… اتخطبت لواحد تاني بعد أسبوعين.”
التليفون فضل يرن.
وبعدين وصلت رسالة.
أدهم فتحها ببطء… لكن أول ما قرأها، ملامحه اتجمدت تمامًا.
ليلى قلبها انقبض.
— “في إيه؟”
رفع عينه ليها… وقال بصوت خالي من أي إحساس:
— “هي جاية هنا.”
ليلى حسّت إن الجو في الأوضة برد فجأة.
أدهم رمى التليفون على الترابيزة بعصبية خافتة، وسند راسه لورا وهو مغمض عينيه كأنه فجأة بقى مرهق أكتر من المرض نفسه.
سألته بهدوء: — “مين هي؟”
اتأخر شوية قبل ما يرد: — “سارة.”
الاسم خرج من بقه بطريقة غريبة… مش حب. ولا كره.
حاجة أخطر… بقايا وجع لسه ما ماتش.
ليلى قامت بهدوء وعدلت ياقة البالطو بتاعها: — “طيب… واضح إن الوقت مناسب أمشي.”
لكن قبل ما تتحرك، صوته وقفها: — “إنتِ بتهربي بسرعة.”
لفت تبصله: — “وأنت متعود تخلّي الناس تمشي.”
ابتسم ابتسامة تعبانة: — “النقطة ليكي.”
وقبل ما أي حد يتكلم تاني… الباب اتفتح من غير استئذان.
ودخلت سارة.
كانت طويلة، شيك بشكل مبالغ فيه، لابسة معطف كشمير أبيض وشعرها متظبط كأنها طالعة من إعلان مجوهرات، والمطر على كتافها عاملها منظر سينمائي أكتر ما هو حقيقي.
لكن أول ما عينيها وقعت على ليلى… ابتسامتها اختفت.
بصت لأدهم بسرعة: — “هي مين؟”
أدهم رد ببرود قاتل: — “مراتي المستقبلية.”
الصمت اللي حصل بعدها كان ممتع بشكل مرعب.
سارة ضحكت… ضحكة قصيرة متوترة: — “إيه؟”
ليلى نفسها حسّت إن الجملة أغرب من إنها تتقال بصوت عالي.
لكن أدهم كمل وهو بيبصلها مباشرة: — “هنتجوز خلال أسبوع.”
لون وش سارة اتسحب بالتدريج.
— “أنت بتهزر.”
— “أنا شكلي بيهزر؟”
عينيها اتحركت ناحية ليلى من فوق لتحت… نظرة واحدة كفاية تقول كل اللي جواها: الجزمة القديمة. البالطو الرخيص. البنت اللي جاية من عالم عمرهم ما يبصوا له.
قالت باحتقار واضح: — “دي؟”
ليلى كانت متعودة على النوع ده من النظرات. النظرات اللي بتقيس قيمة الناس بسعر لبسهم.
لكن أدهم… ملامحه اتقفلت فورًا.
قال بصوت بارد جدًا: — “خدي بالك وإنتِ بتتكلمي عنها.”
سارة بصتله بصدمة حقيقية.
واضح إنها أول مرة يشوفها بيدافع عن حد من بعد مرضه.
قربت منه خطوة: — “أدهم… أنا جيت عشانك.”
ضحك ضحكة صغيرة مؤذية: — “بعد ما سمعتِ إن حالتي استقرت شوية؟”
سكتت.
وده كان كفاية.
أدهم هز راسه بمرارة: — “مذهل إزاي الأخبار الطبية بتصل أسرع من الاعتذار.”
— “أنت ظلمتني.”
— “لا… أنا أخيرًا فهمتك.”
الكلمات ضربتها فعلًا.
بان في عينيها للحظة… قبل ما ترجع تبص لليلى تاني.
— “إنتِ فاهمة هو بيعمل إيه؟”
ليلى ردت بهدوء: — “غالبًا لأ.”
— “هو بيعاقبني.”
أدهم قاطعها فورًا: — “لا… أنا بختار.”
سارة ضحكت بسخرية موجوعة: — “تختار إيه؟ واحدة قابلة تتجوز راجل بيموت عشان الفلوس؟”
وقبل ما ليلى ترد…
أدهم قال بهدوء صادم: — “على الأقل هي صريحة.”
الصمت اتقل تاني.
وسارة بصتله كأنها اتلطمت.
— “يعني إيه؟”
رفع عينه ليها: — “هي قالت إنها محتاجة الفلوس… لكنك إنتِ الوحيدة هنا اللي باعت حبها بأغلى سعر.”
سارة شهقت بخفوت.
واضح إنه جرحها في أكتر مكان مستخبي.
لكن ليلى… كانت مركزة في حاجة تانية.
إيد أدهم.
كانت بتترعش.
بشكل خفيف… بس مستمر.
واللون بدأ يختفي من وشه تاني.
قربت منه بسرعة: — “أدهم؟”
حاول يرد… لكن نفسه اتقطع فجأة.
السعال رجع بعنف أسوأ من الأول.
وفجأة…
بقعة دم نزلت على كفه.
سارة اتجمدت مكانها بخوف حقيقي.
أما ليلى… فاتحركت فورًا.
مسكت كتفه بثبات ونادت على الممرضة، بينما أدهم كان بيحاول ياخد نفسه بالعافية.
وفي وسط الفوضى دي كلها…
فتح عينه بصعوبة… وبص لليلى وحدها.
وقال همس متقطع خلّى قلبها يقف ثانية:
— “ما تسيبنيش…”
الكلمة خرجت منه ضعيفة جدًا…
لكنها خبطت في قلب ليلى بعنف.
“ما تسيبنيش.”
مش طلب من راجل متكبر. ولا أمر من ابن ملياردير متعود الناس تنفذ.
كانت كلمة واحد خايف.
خايف بجد.
ليلى مسكت وشه بإيديها بثبات وقالت بسرعة: — “بصلي… خد نفسك… أنا هنا.”
الممرضة دخلت تجري، وراها دكتور القصر، وسارة كانت واقفة بعيد كأنها مش قادرة تستوعب المنظر.
أدهم حاول يتحرك، لكن جسمه خانه.
السعال كان بيمزق صدره، وكل نفس خارج منه كأنه معركة.
الدكتور قال بحدة: — “لازم ننقله حالًا.”
لكن أول ما قربوا منه… أدهم شد على إيد ليلى بعنف مفاجئ.
— “هي… تيجي.”
الدكتور بص لفؤاد اللي كان داخل للتو، وفؤاد هز راسه فورًا: — “أي حاجة هو عايزها.”
سارة بصتلهم بصدمة.
واضح إنها أول مرة تشوف فؤاد المنياوي نفسه ينفذ رغبة حد بالصورة دي.
بعد دقائق…
كانوا في الجناح الطبي الخاص بالقصر.
الأجهزة حوالين أدهم بتطلع أصوات منتظمة باردة، والأطباء بيتحركوا بسرعة، لكن ليلى كانت الوحيدة اللي واقفة جنبه بهدوء.
وفجأة… وسط كل التوتر…
أدهم فتح عينه نص فتحة وقال بصوت مرهق: — “إنتِ لسه هنا.”
ردت وهي بتحاول تخفي خوفها: — “للأسف.”
طلع منه نفس أقرب لضحكة.
الدكتور قرب من فؤاد وهمسله بحاجة… لكن ليلى لاحظت التغيير فورًا في وشه.
لون فؤاد اختفى.
إيده شدت على طرف الباب.
الأب المرعب اللي شركات كاملة كانت بتترعب من مكالمته… كان باين عليه الذعر.
ليلى قربت: — “في إيه؟”
فؤاد بص للدكتور لحظة… وبعدين قال بصوت منخفض: — “العلاج وقف يستجيب.”
الكلمة نزلت كأنها حجر.
حتى الأجهزة حسّت أبرد بعدها.
الدكتور قال بحذر: — “لازم نبدأ التجربة الجديدة فورًا… بس نسبة نجاحها ضعيفة جدًا.”
ليلى سألت: — “ولو ما نجحتش؟”
الصمت جاوب قبل الدكتور.
فؤاد لف وشه بعيد.
أما ليلى… فبصت لأدهم.
كان نايم دلوقتي تحت تأثير المهدئ، ملامحه هادية بشكل يوجع أكتر من تعبه.
وفجأة افتكرت حاجة.
قبل ساعات بس… كان بيحاول يطردها من البيت.
ودلوقتي… متمسك بيها وهو بينهار.
خرجت من الأوضة بهدوء عشان تاخد نفس…
لكن أول ما الباب اتقفل، سمعت صوت سارة وراها.
— “إنتِ مبسوطة؟”
ليلى لفت ببطء.
سارة كانت واقفة في آخر الطرقة، عينيها حمرا بس كبريائها لسه ماسكها.
— “أنا مش داخلة مسابقة.”
سارة قربت خطوة: — “إنتِ فاكرة إنه حبك؟”
ليلى ردت بهدوء: — “لا.”
— “يبقى عارفة إنه بيستخدمك.”
ابتسمت ليلى بتعب: — “والناس اللي بتتوجع ساعات بتستخدم أي حد يمنعهم يقعوا.”
سارة سكتت لحظة… وبعدين قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة:
— “أدهم ماكانش بيموت لما سبته.”
ليلى تجمدت.
— “إيه؟”
سارة بلعت ريقها وقالت: — “كان تعبان… آه. بس مش بالشكل ده.”
قلب ليلى بدأ يدق أسرع.
— “قصدي إيه؟”
سارة بصت حواليها قبل ما توطي صوتها: — “حالته ساءت فجأة بعد ما بدأ ياخد علاج جديد من ٦ شهور.”
— “وده طبيعي، صح؟”
لكن سارة ما ردتش فورًا.
وده كان مرعب.
قربت أكتر وهمست: — “في ناس جوه شركات فؤاد المنياوي كانوا مستفيدين إن أدهم يختفي.”
ليلى حست ببرودة في ضهرها.
— “إنتِ بتقولي إن حد بيقتله؟”
وفي اللحظة دي…
صوت فؤاد المنياوي طلع من آخر الطرقة، هادي جدًا… وخطير جدًا:
— “أعتقد إن الحوار ده انتهى.”
الطرقة كلها سكتت.
سارة اتخشبت مكانها أول ما شافت فؤاد واقف في آخر الممر، إيده في جيبه، ملامحه هادية بشكل يخوف أكتر من العصبية.
كان بيبصلهم بنفس النظرة اللي رجال الأعمال بيبصوا بيها قبل ما شركة كاملة تنهار.
قال بهدوء: — “سارة… عربيّتك مستنياكي.”
سارة حاولت تتمالك نفسها: — “أنا بس كنت—”
— “عارف إنتِ كنتِ بتعملي إيه.”
الجملة اتقالت بنبرة خلتها تسكت فورًا.
أما ليلى… فكانت مركزة في حاجة تانية.
فؤاد ما أنكرش كلامها.
ما قالش إنها بتخرف. ولا قال إن الكلام مستحيل.
وده لوحده كان كفاية يخوف.
سارة بصت لليلى بسرعة، كأنها عايزة تقول حاجة أخيرة… لكن خوفها غلبها.
لفت ومشيت.
وصوت كعبها اختفى بالتدريج في الطرقة الطويلة.
فضلت ليلى واقفة مكانها.
وفؤاد قرب ببطء لحد ما بقى قدامها مباشرة.
قال: — “الفضول أحيانًا بيبقى مؤذي.”
ردت من غير ما ترجع خطوة: — “والسكوت أحيانًا بيقتل.”
عينيه ضاقت.
واضح إنه مش متعود حد يكلمه بالطريقة دي.
لكن بدل ما يغضب… بص ناحية أوضة أدهم من خلال الإزاز.
ولأول مرة… بان عليه التعب الحقيقي.
قال بصوت أوطى: — “ابني طول عمره كان أذكى شخص في أي أوضة يدخلها.”
سكت لحظة.
— “وده السبب إن ناس كتير كرهوه.”
ليلى سألت بهدوء: — “مين؟”
ضحك ضحكة قصيرة بلا فرحة: — “ناس بتبتسم في الاجتماعات… وتحسب المكاسب وقت الجنازات.”
بدأت الصورة تتجمع في دماغها.
شركات بالمليارات. ورثة. مجلس إدارة. ناس مستنية الإمبراطورية تقع في إيديهم.
قالت: — “وأنت شاكك في حد؟”
فؤاد بص لها مباشرة.
— “أنا متأكد.”
قلبها دق بعنف.
— “مين؟”
لكن قبل ما يرد…
صوت جهاز الإنذار طلع فجأة من جوه الأوضة.
حاد. مرعب.
ليلى وفؤاد جريوا فورًا.
الدكاترة كانوا متجمعين حوالين السرير، والشاشة قدامهم الأرقام عليها بتنزل بسرعة.
أدهم كان بيختنق.
الدكتور صرخ: — “الأوكسجين بينهار!”
ممرضة ردت بتوتر: — “الجرعة الأخيرة كانت من عشر دقايق بس!”
وفجأة…
الدكتور وقف لحظة، وبص لحقنة الدوا المعلقة.
ملامحه اتغيرت فورًا.
— “مين علّق المحلول ده؟!”
الأوضة كلها اتجمدت.
الممرضة قالت بسرعة: — “ده المفروض علاج الرئة—”
الدكتور قاطعها بعصبية: — “لا… ده مش علاجه!”
فؤاد قرب بعنف: — “يعني إيه؟!”
الدكتور بصله بصدمة حقيقية: — “الحقنة دي كانت هتوقف قلبه.”
الصمت بعدها كان مرعب.
ليلى حسّت الدم اتسحب من وشها.
حد… حاول يقتل أدهم فعلًا.
وفجأة وسط الفوضى…
أدهم فتح عينه بالعافية.
تعبان. شاحب. لكن واعي.
بص مباشرة لفؤاد…
وقال همس بالكاد اتسمع:
— “قولتلك… هما مش هيستنوا أموت لوحدي.”
الكلمات وقعت على الأوضة كلها كأنها حكم إعدام.
فؤاد اتجمد مكانه.
أما الدكتور، فشد المحلول بسرعة من الجهاز وهو بيزعق: — “هاتوا الأمن! محدش يخرج من القصر!”
الحراس اتحركوا فورًا، والأوضة قلبت فوضى… لكن ليلى ما سمعتش أي حاجة بعد جملة أدهم.
“هما مش هيستنوا أموت لوحدي.”
يعني هو كان عارف.
عارف إن حد بيحاول يقتله.
قربت منه بسرعة: — “أدهم… مين؟”
فتح عينه بصعوبة، نفسه متقطع، وكأنه كل كلمة بتطلع من روحه بالعافية.
— “مش… هنا.”
وفجأة شد على إيدها.
ضعيف… لكن متعمد.
قال: — “ما تثقيش… في حد.”
فؤاد قرب من السرير بانفعال لأول مرة: — “أدهم! مين اللي عمل كده؟!”
أدهم بص لأبوه طويل… وبعدين لف عينه ناحية باب الأوضة.
كأن حد معين في دماغه.
لكن قبل ما ينطق…
جسمه ارتخى فجأة.
الأجهزة علت بصوت مرعب.
الممرضة صرخت: — “النبض بيقع!”
الدكاترة اتحركوا بسرعة، وفؤاد اتراجع خطوة كأنه اتضرب في صدره.
أما ليلى… ففضلت ماسكة إيده.
رغم إن إيده كانت بتبرد.
الدكتور بدأ الإنعاش، والأوامر بتطلع بسرعة، لكن ليلى كانت مركزة في حاجة واحدة بس…
الخاتم.
خاتم فضة قديم في صباع أدهم، كانت حافته مفتوحة شوية من الجنب.
وهو بيترعش، ضغط بإصبعه على الخاتم ناحية كفها.
حاجة صغيرة وقعت في إيدها.
قطعة معدنية دقيقة جدًا… أصغر من ظفرها.
خبّتها فورًا قبل ما حد يلاحظ.
وفجأة…
الأجهزة رجعت تنتظم تاني.
الدكتور أخد نفس طويل: — “استقر.”
فؤاد غمض عينه للحظة… كأن رجليه أخيرًا هتخونه.
لكن ليلى كانت باصة للقطعة اللي مستخبية في كفها.
فلاشة صغيرة جدًا.
صغيرة لدرجة تتخبى جوه خاتم.
قلبها بدأ يدق بعنف.
ليه أدهم اداها ليها؟ وليه قبل ما يغمى عليه؟
بعد نص ساعة…
كان القصر كله تحت الحراسة.
الأمن بيحقق مع الموظفين، والدكاترة متوترين، وفؤاد قفل جناح أدهم بالكامل.
أما ليلى…
فكانت واقفة لوحدها في أوضة الضيوف اللي جهزوها ليها.
المطر لسه شغال برا.
والفلاشة الصغيرة محطوطة قدامها على الترابيزة.
بصتلها بتردد طويل.
وبعدين أخيرًا… فتحت اللاب توب.
وصلت الفلاشة.
ثانيتين… وظهر ملف واحد بس.
عنوانه خلّى قلبها يقف:
“لو أنا مت… يبقى القاتل من العيلة.”
إيدها بدأت ترتعش.
ضغطت على الملف.
وفجأة…
ظهر فيديو لأدهم.
كان قاعد في نفس أوضة المكتب، أهدى شوية، لكن التعب واضح في عينه.
بص مباشرة للكاميرا وقال:
— “لو إنتِ بتشوفي الفيديو ده يا ليلى… يبقى يا أنا مت… يا قريب جدًا.”
ليلى حسّت إن نفسها وقف.
أدهم في الفيديو كان أهدى من أي وقت شافته فيه… وده كان أخوف شيء.
كأنه واحد أخيرًا بطل يجري.
بص للكاميرا مباشرة وقال:
— “عارف إنك مستغربة ليه إنتِ بالذات.”
ابتسامة خفيفة تعبانة ظهرت على طرف شفايفه.
— “الحقيقة؟… أنا كمان.”
عين ليلى دمعت من غير ما تحس.
كمل: — “أول ما دخلتي الأوضة… عرفت إنك مش شبههم.”
الفيديو اهتز شوية، واضح إنه كان مصوره لوحده.
— “الناس طول عمرها كانت تبص لاسمي قبل ما تبصلي… لفلوسي، لمرضي، لمين هيرث إيه بعد ما أموت.”
سكت لحظة، وكأنه بياخد نفسه.
— “إنتِ أول حد بصلي كإني بني آدم.”
ليلى غمضت عينها للحظة… تحاول تمنع قلبها يتعلق بصوت واحد ممكن يموت في أي ثانية.
أدهم كمل: — “أنا اكتشفت من شهور إن في حد جوه المجموعة بيزوّر تقارير العلاج.”
قلبها دق بعنف.
— “الدواء اللي كنت باخده كان بيبطّأ شفائي… مش بيساعدني.”
ظهر ملف على الشاشة تلقائيًا… أسماء. تحويلات مالية. تقارير طبية.
وفي النص… اسم واحد متكرر.
“ياسين المنياوي.”
أخو أدهم الأكبر.
ليلى شهقت بصدمة.
هي أصلًا ماكنتش تعرف إن عنده أخ.
في الفيديو، أدهم ضحك بمرارة: — “آه… حتى إنتِ ماحدش قالك إنه موجود.”
كمل بعدها: — “ياسين عمره ما اهتم بالشركة… بس اهتم جدًا بالميراث.”
ليلى افتكرت فجأة نظرة فؤاد المتوترة… وكلام سارة.
كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها.
قال أدهم: — “أبويا كان شاكك… لكنه ماقدرش يثبت حاجة. لأن ياسين ذكي.”
سعل بعنف في الفيديو، واضطر يوقف التسجيل ثانية قبل ما يكمل.
— “بس أنا كنت محتاج حد يثق فيا… حتى لو لآخر يوم.”
عينه ثبتت على الكاميرا.
على ليلى.
— “ولو لسه عايش بعد ما تشوفي الفيديو… يبقى ساعديني أعيش.”
دموعها نزلت أخيرًا.
لكن قبل ما ترد على شاشة مستحيل تسمعها…
الباب اتفتح فجأة.
ليلى قامت بخضة.
ولقت فؤاد واقف.
ملامحه جامدة… لكن عينه راحت فورًا للابتوب.
شاف الفيديو.
وشاف اسم ياسين.
الصمت بينهم كان تقيل جدًا.
وبعدين… فؤاد قفل الباب وراه بهدوء.
وقال الجملة اللي قلبت كل حاجة للمرة الأخيرة:
— “ياسين مات من خمس سنين.”
الدم اتسحب من وش ليلى.
— “إيه؟”
فؤاد قرب ببطء، وصوته بقى أوطى:
— “الكل فاكر إنه مات في حادث عربية.”
سكت لحظة… وعينه مليانة ذنب لأول مرة.
— “بس الحقيقة… أدهم هو اللي كان سايق العربية.”
ليلى حست الأرض بتميل تحتها.
وفؤاد كمل بصوت مكسور: — “ومن يومها… ابني عايش وهو مقتنع إنه قتل أخوه.”
ثانية صمت مرعبة عدت…
قبل ما يطلع صوت هادي جدًا من باب الأوضة:
— “لأنه فعلًا قتلني.”
ليلى لفّت ببطء…
ولأول مرة… شافت الراجل اللي المفروض ميت.
واقف في الضلمة. حي.
ويبتسم.
بقلم ندى الجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *