الهوي راي آخر ١

الهوى راي آخر ١

حرك قاسم رأسه، كمال يملك معدنًا طيبًا لم يتلوث من عالم رجال الأعمال، ومعرفته به منذ سنوات أدرك مبادئ وإنسانية يملكها كمال تجعله، ورغم فارق العمر بينهما، إلا أنه في مكانة مميزة لدى قاسم.
قال قاسم بهدوء دون أن يرد عليه بإجابة تريحه:
_ أول مرة أعرف إن ليك أخ، عمري ما سمعتك بتتكلم عن قريب ليك في مصر
التف كمال حول مكتبه حتى أصبح قبالة قاسم وقال من بين أسنانه:
_ وأنا من إمتى بتكلم عن حياتي الشخصية في الشغل، وماتغيرش الكلام يا قاسم
استقام قاسم وظهره جسده العضلي وحلته السوداء المتناسقة عليه، أغلق زر بدلته فاردا قامته بكبرياء:
_إنت تعرف إني شخص بطبعي مؤذي يا كمال

أجابه كمال مخترقًا شيئًا ما بداخله:
_ إنت شخص هادئ وبتعرف كويس تتحكم بأعصابك ببرود معتاد منك، وده من أهم الأسباب اللي وصلتك لمكانتك في السوق…
لكنك جواك نار يا قاسم، نار خامدة لو طلعت هتأذي اللي حواليك وإنت أولهم
كانت عيني قاسم قاتمتين وجامدتين، ولم تهتز، لكن شيئًا ما تحرك بداخله وكأن حديثه لامس جرحًا قديمًا، تاركًا أثرًا مشوهًا في روحه، أثرًا لم يره أحد إلى الآن..
قال له بوجه جامد خالٍ من التعبير:
_ناري أنا أدري واحد بيها، لكن جنتي لسه محدش دخلها، سيب الأمور تمشي لوحدها يا كمال، مين عارف يمكن يجي اليوم وهي اللي تقف وتقول أنا عايزة جنته.
…………………
نفخت أسيل بملل وهي عاقدة يديها أمام صدرها، تنظر لفيروز بغيظ، وهي تجلس على كرسي مكتبها الشخصي، وتدور به لليمين واليسار حول نفسها عدة مرات ضاحكة، ثم تتنحنحت هي وتجلس عليه بوقار مُمثلة أنها تحدث شخصية هامة وهمية ثم تضحك بعدها، فقالت أخيرًا غير منتبهة لأسيل الواقفة أمامها وكأنها منتظرة إلقاء الأمر منها:
_ الله، أنا عايزة كرسي زي ده والنبي يا أسيل، بيلف كده ويمرجحني
قضمت شفتيها غيظ وقالت:
_لا الحقيقة الموظفين هنا بيقعدوا على كراسي خشب ومكاتب خوص.
نظرت لها فيروز ضاحكة قائلة:
_ حلوة يا سوسو
ابتسمت أسيل رغمًا عنها قائلة بمهادنة:
_يا بنتي هتفضلي تلفي بالكرسي، قومي خلينا نشوف هتقعدي فين
استجابت لها فيروز واستقامت مهندمة من ملابسها الرسمية، وفي الممر كانت أسيل تشير لها على أهم المكاتب وأشغالها واختصاصها، استوقفتها أسيل أن تنتظرها هنا لحين عودتها، فقد نسيت حقيبة يدها في مكتبها وبها هاتفها، أومأت لها فيروز ووقفت في انتظارها، تنظر للموظفين الذين يعملون كالآلات هنا وهناك، تتمنى بداخلها أن تصبح يومًا ما مثلهم، تعرف وتتعلم ما يقومون به، تكون ذات خبرة ومكانة تصل إليها بمجهودها الشخصي..
اتسعت عينيها فجأة عائدة من أحلام يقظتها على رؤيتها لقاسم عمران آتيًا من آخر الممر، التفتت حول نفسها لتداري نفسها عنه، فلم تجد سوى المصعد من خلفها فدخلت به وأغلقت بابه، وضعت يدها على صدرها مرتاحة لتجنبها لقاء آخر معه، شخص مثله وبمكانته لا يريد سوى العبث، وهي أهم ما تملكه احترام ذاتها.
ضاعت لحظاتها المريحة عند توقف المصعد وفتحه على مصراعيه وأصبحت أمامه مباشرة، لم ينتبه لها للحظة الأولى لانشغاله متحدثًا بهاتفه، لكن بمجرد ما وقعت عينيه عليها، ابتلع بقية حديثه واستمر هاتفه على أذنه وعينيه ثابتة عليها، أغلق الهاتف بوجه المتحدث ووضعه في جيب بنطاله، وابتسامة جانبية دخل، وانزوت هي بركن في المصعد حتى أغلق الباب قبل أن يسعفها عقلها و يلهمها الخروج، التفت لها قاسم واضعًا يديه في جيب بنطاله قائلًا:
_إنتي عارفة إن دي تاني مرة أفكر فيكي وفجأة ألاقيكي قدامي
انتبهت لصوته الرجولي الهادئ في سكون المصعد، ورغم حديثه لم ترفع رأسها إليه، تنتظر بفارغ الصبر وقوف المصعد
_ إنتي بتعملي إيه هنا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *