وعد وعلي الجزء ٢٠
وعد وعلي الجزء ٢٠
في الفيلا، كان الصمت تقيل… تقيل لدرجة إن النفس نفسه كان مسموع.
بدران قاعد، ساكت، بس الصدمة كانت فـ عيونه قبل وشه، كأن الدنيا اتقلبت تحت رجليه فجأة، وكل حاجة كان فاكرها ثابتة طلعت وهم.
نادين كانت أول واحدة كسرت الصمت، صوتها طالع مهزوز:
— أخوهااا؟!!!… علي يبقى أخوها؟
رانيا قامت من مكانها بعصبية، الكلام طالع منها من غير ما تفكر:
— مستحيل!
وبصت لبدران:
— إنت قولت وقتها إن ملهاش حد، لو ليها أخ كان فين وقت اللي حصلها؟
بدران رفع عينه ببطء، صوته كان واطي بس قاطع:
— كان معاها… بس كان مستخبي عن عينينا.
سكت لحظة وكمل:
— لأن في حد أوهمنا إنها ملهاش حد
يوسف قال — بابا… أنا لما عرفتها، والله مكنش معاها حد، كانت لوحدها.
بدران — أنا مش بتكلم عليك يا يوسف…
وسكت ثانية قبل ما يقول الاسم:
— أنا بتكلم عن حسن.
يوسف اتجمد:
— حسن مات.
— مات…
قالها بدران وهو بيهز راسه:
— وإحنا افتكرنا إن بموته قفلنا باب الخطر كله، افتكرنا إن مفيش حد تاني ممكن يطلع، بس مكنّاش نعرف إن منى ليها أخ…
شد نفس طويل:
— هو كان يعرف.
رانيا قربت خطوة:
— إنت واثق ليه إنه كان يعرف؟
بدران رد من غير تردد:
— لأنه هو اللي كان ماسك قضيتها.
والكلمة وقعت تقيلة:
— وهو اللي كان متابع معاها خطوة بخطوة… لحد اليوم اللي انتهت فيه.
الصمت رجع يبلع المكان.
يوسف كان أول واحد يتكلم، بس بصوت مليان حيرة وغضب:
— طب لو علي منتقم… منتقم بحق، ليه مستنى كل السنين دي؟
— ليه سايبنا لحد دلوقتي؟
— وليه دلوقتي بس يفتح ملفها ويطلع اسمها للنور؟
نادين قالت وهي حاطة إيدها على صدرها:
— هو عمره ما نسيها اصلا
رفعت عينها لبدران:
— ده كان مستني لحظة معيّنة… وقت مناسب.
رانيا سألت، والخوف واضح في صوتها:
— مستني إيه؟
قال بدران بصوت واطي، لكن كل كلمة كانت سكينة:
— يبقى مستعد ينهينا.
الكل بص له، الصدمة باينة في عيونهم قبل ما يفهموا قصده.
بدران كمّل وهو بيضغط على فكه:
— علي كان مستني اللحظة اللي يبقى فيها قد المواجهة.
شد قبضته بعصبية:
— لو كان ظهر وقتها…
وسكت ثانية، صوته نزل أكتر:
— كان زماني خلصت منه بإيدي، ومبقيناش هنا دلوقتي… ومبقاش هو التهديد اللي واقف فوق دماغنا.
يوسف قال بتوتر مكتوم:
— ممكن يعمل إيه أكتر من اللي عمله؟
نادين رفعت عينها، صوتها كان ثابت بس مليان قلق:
— علي مش سهل.
— اللي قدامنا ده واحد عنده نفوذ، وسلطة، وقوة…
— يعني مش مجرد خصم، ده منافس تقيل، ولو ناوي على انتقام فعلاً، يبقى لازم نخاف.
رانيا قالت باستنكار:
— انتقام؟
يوسف كرر الكلمة وهو غايب بعقله:
— انتقام…
وفي لحظة، رجعتله الذكريات تقيلة.
افتكر اللي عمله بنفسه…
افتكر اللي عمله في واحد بس كان شاكك إن ليه يد في ظلمها.
وقتها افتكر إنه بينتقم لها،
بس الحقيقة ضربته زي الصفعة:
— أنا أكتر واحد أذاها.
— أنا السبب الأكبر في اللي حصلها.
نادين بصت له وقالت بهدوء مخيف:
— يعني هدفه إحنا… ينتقم مننا كلنا.
وحطت إيدها على رقبتها لا إراديًا، الخوف طالع منها من غير ما تتكلم.
رانيا قربت منها بسرعة:
— في إيه يا نادين؟ متخافيش…
نادين قطعتها، ونبرتها كانت مرتعشة بس حاسمة:
— إنتِ متعرفيش علي.
رفعت عينها ليهم:
— إنتِ مشوفتيش اللي شوفناه…
— مشوفتيش إزاي قطع راس بني آدم ببرود، من غير ذرة تردد
رانيا ارتبكت، ملامحها شحبت.
نادين كمّلت، وصوتها واطي بس قاطع:
— ده أكبر دليل إننا مش بنتعامل مع إنسان طبيعي ده مختل، ده واحد عاميه الانتقام، ومش هيقف غير لما يحس إننا ذقنا نفس الوجع.
قال بدران — لو علي ناوي ينتقم… ليه مقربش من يوسف لحد دلوقتي؟
يوسف رفع عينه ببطء، صوته كان هادي بس تقيل:
— ممكن مستني لحظتي.
بدران هز راسه نفيًا:
— لا… مش ده إحساسي.
بص ليوسف بنظرة فاحصة:
— يا إما مستبعدك مؤقتًا،
— يا إما علي لحد دلوقتي مش عارف مين اللي اغت.صب منى.
رانيا بصّت له بذهول:
— تقصد إيه؟
نادين قربت خطوة، نبرتها مشدودة:
— أمال هينتقم من إيه؟
بدران رد بوضوح مخيف:
— من القضية.
— من اللي حصل فيها.
— علي كلمني عشان يبرّئ اسم أخته من تهمة السرقة…
— واعترف بالجريمة من أولها لآخرها.
وسكت لحظة، وبص في وشوشهم واحد واحد:
— علي يعرف قضية منى كويس.
— عارف دخلت الحبس إزاي، ومن مين.
— عارف كل تفصيلة،
— لأن اللي كان ماسك الملف ده هو حسن…
— وهو اللي كان بيدير قضيتها قانونيًا.
نادين قالت بحدة:
— يعني حسن كان عارف إن منى ليها أخ اسمه علي؟
— وسكت؟
— وهو اللي نقل له كل اللي حصل؟
يوسف ضغط على أسنانه وقال:
— ما احنا قولنا حسن مات.
— هيصحى إزاي ويقوله؟
بدران رد بهدوء تقيل:
— علي اتحول من أربع أيام بس.
— اختفى، وبعدين رجع…
— بس المرة دي بوشه الحقيقي.
رفع صوته شوية:
— وده معناه إنه عرف تفاصيل القضية دلوقتي.
وسكت، كأن في حاجة ناقصة في الصورة.
ثم قال ببطء، وكأن الكلمة طالعة غصب عنه:
— عدى حاجة واحدة…
— حاجة حسن نفسه مكنش يعرفها.
بصت نادين لبدران بعينين مليانين قلق:
— إيه هي؟
يوسف سبق الكل وقال بهدوء مريب:
— أنا.
اومأ بدران براسه، وصوته كان ثابت بس جواه نار:
— حسن عرف كل حاجة تقريبًا.
— كان شاكك فينا…
— في اللي حصل لمنى، وفي دخولها المستشفى،
— بس مقدرش يثبت حاجة، ولا يوصل لدليل.
نادين ضربت كف بكف:
— أمال علي عرف إزاي؟!
— عرف إزاااي؟
— مستحيل يكون حسن…
— أكيد في حد بلّغه.
يوسف فضل ساكت.
لاحظ إن أبوه مركز نظره عليه.
قال بدران بنبرة مباشرة:
— يوسف…
— إنت متأكد إنك مسحت كل أثر؟
يوسف — بابا أنا محيت أي حاجة ممكن توصلنا لهنا.— كل حاجة.
بدران قرب خطوة:
— يبقى ازاي وصلنا؟
يوسف اتلخبط:
— يعني إيه؟
بدران قالها ببطء، كلمة كلمة:
— إنت متأكد…
— إن الفلاشة اتخلصت منها؟
يوسف رفع صوته شوية:
— والله حرقتها!
— خلصت عليه وعلى كل اللي معاه.
— وأنا واثق إن مكنش معاه أي حاجة وسهير أكدتلي كده.
بدران قطّب جبينه:
— سهير؟
— الرقاصة اللي في الكباريه؟
— اللي استغلتها عشان توصل له؟
يوسف رد من غير تردد:
— أيوه.
— بتسأل ليه؟
بدران قال ببرود يخوف:
— خلصت عليها هي كمان وقتها…
— زي ما قلتلك.
سكت يوسف.
ثواني عدّت تقيلة.
وبعدين قال بصوت واطي:
— أيوه…
السكوت نزل عليهم كلهم زي حمل تقيل.
ولو الفلاشة اتحرقت،
وحسن مات،
وسهير اختفت…
يبقى السؤال الوحيد اللي بيصرخ في الهوا:
مين اللي فضّل؟
ومين اللي فتح القبر القديم من تاني؟قالت نادين وهي حاطة إيدها على راسها:
— كده الحيرة زادت…
— معقول الفلاشة كان معاه غيرها؟
— وعلي قدر يوصلها؟
يوسف ما استحملش يكمل الجلسة.
قام فجأة، شد جاكته، ومشي من غير ما يبص لحد.
طلع تليفونه ورن على رقم…
الرد جه في نفس الثانية، بصوت فيه لهفة:
— يوسف؟
قال بحدة مكتومة:
— إنتي فين؟
سهبر— في الشغل.
— روحي الشقة.
سهير— بس…
— حالًا.
قفل المكالمة كأنها ما عندهاش حق تناقش.
خد مفاتيح عربية السواق،
قال وهو بيطلع:
— مش عايز حد معايا.
وانطلق بالعربية،
سواقته سريعة، عصبية،