وعد وعلي الجزء ١٨
وعد وعلي الجزء ١٨
كان علي ماشي في الشوارع من غير هدف.
الليل خلص…
ونور الصبح بدأ يطلع.
سأل هنا، وسأل هناك.
سوبر ماركت… موقف… شارع جانبي.
ولا حد شافها.
قعد على طرف ديسك قديم قدام محل مقفول.
إيده على راسه، صوته خرج مبحوح:
— يا رب…
قلبه كان مرعوب.
حاسس إن في حاجة غلط…
غلط قوي.
رنّ التليفون فجأة.
انتفض علي، بصّ للشاشة.
رقم المستشفى.
رد بسرعة:
— ألو؟
— في أخبار عن منى؟
سكت الطرف التاني ثواني.
ثواني كانت أطول من عمر علي كله.
وجاله الصوت أخيرًا…
قال الدكتور— منى… منى لسه جاية حالًا على المستشفى.
اتجمد علي مكانه، عينه لمعت بفرحة مفاجئة:
— بجد؟!
— طب كانت فين…؟
وقف الكلام في حلقه فجأة.
علي لمّح شاشة التلفزيون المعلقة في ركن الكافيه الصغير داخل المستشفى.
الصوت كان شغال…
المذيع بيتكلم…
والصورة معروضة.
جسد شبه عارٍ…بل لا يوجد ما يخفيه، أعين الناس تنهشه
جسد ملقى جوار مكب قمامة…
ملامح شاحبة، مشوهة، لكن مألوفة حد الوجع.
عين علي اتسعت في رعب.
القلب دق دقة واحدة عنيفة…
وبعدها كاد يتوقف.
دي…
منى.
أخته.
الدكتور كان لسه بيتكلم:
— إسعفوها هنا بسرعة… لان الحالة خطيرة—
لكن علي مكنش سامع.
كان واقف قدام الشاشة،
حاسس إن الأرض بتنسحب من تحت رجليه.
الفزع شد صدره،
والرعب كان أكبر من أي قدرة على الاستيعاب.
وصل علي المستشفى وهو بيجري، أنفاسه متقطعة،
المكان كله في حالة هياج.
صحافة متجمعة عند الباب،
كاميرات، ميكروفونات، أصوات عالية.
كلهم بيتكلموا عن الفتاة اللي اتسعفت إمبارح.
وعلي…
كان بيشق طريقه وسطهم
زي واحد بيجري جوه كابوس مش عارف يصحى منه.
وصل عند الأوضة أخيرًا.
وقف مكانه وهو بيلهث.
سمع صوت ممرضتين واقفين جنب الباب،
واحدة فيهم قالت بقلق:
— حالة اغتصاب عنيفة…
— من واحد…
— حيوان من الشارع.
علي حس إن الكلمة خبطت في دماغه.
الهواء اختفى من حواليه.
إيده اترعشت…
وعينه اتعلقت بالباب المقفول.
ورجليه…
مش قادرة تتحرك.حسّ علي إن الزمن نفسه وقف…
أو يمكن قلبه هو اللي وقف من كتر السكاكين اللي كانت بتغرز فيه واحدة ورا التانية.
وقف قدّام أوضة منى.
الباب اتفتح ببطء،
وخرج الدكتور…
نظرته لوحدها كانت كفاية تقول إن في كارثة.
قال بصوت هادي تقيل:
— حالتها صعبة.
— اديتلها حقنة مهدئة، بس مش بتتكلم مع حد.
سأل علي وهو بيحاول يطلع صوته من تحت الركام:
— مين جابها هنا؟
تنهد الدكتور:
— عامل نظافة…
— لقاها موجودة جنب الزبالة،
— وعليها علامات اعتداء.
ابتلع علي ريقه،
وحس كأن ضلوعه كلها اتهشمت مرة واحدة.
دخل خطوة…
الدكتور مد إيده يوقفه:
— منصحكش—
على وقف لحظه على الباب أخته نايمه شبه المقتو،له،لكنها صاحيه عينها مفتحه وباصه لضوء النهار
دخل.
أول ما شافها…
دمعة نزلت غصب عنه.
— م… منى.
ما التفتتش.
ما اتحركتش.
ولا حتى لما صوتُه وصل لها.
قرب منها بخطوات بطيئة،
كأنه خايف يكسرها لو اتحرك بسرعة.
قعد جنبها،
صوته طلع مبحوح:
— منى…
بلع الغصة اللي كانت خانقاه، وقال:
— أنا آسف.
— آسف إني اتأخرت…
— بس أوعدك، مش هسيب حقك.
مد إيده ناحيتها بحذر،
وقال وهو بيتمسك بأي كلام يخفف عنها… أو عنه:
— هتكوني بخير.
— كل ده هيتـمحى.
كان عارف إن كلامه مالوش معنى.
بس كان محتاج يقول حاجة…
أي حاجة.
وبص لها بعين مكسورة، وختم بهمس:
— المهم إننا مع بعض
.أول ما إيده قربت تلمسها…
ابتعدت منى فجأة.
كانت دي ردّة الفعل الوحيدة على كل كلامه.
رد واحد، بس كفيل يهد كل اللي قاله.
علي اتجمد.
عمره ما شافها تبعد عنه بالشكل ده.
— منى…
قرب خطوة.
هي رجعت خطوة،
وعينيها ضاقت بغضب وكره…
كره عمره ما تخيل يشوفه في عيونها.
مد إيده تاني،
فاتحاشته كأن لمسته خطر.
قالت بصوت مبحوح، لكنه قاطع:
— كدّاب.
اتشلّ.
الكلمة وقعت عليه زي سكينة.
رفعت عينيها له،
مليانة اتهام وخذلان،
وقالت:
— إنت السبب…
— إنت كدّاب.
حس إن السكاكين بتترمي على قلبه واحدة ورا التانية.
دي أول مرة يسمع منها الكلام ده…
وأول مرة يشوف المشاعر دي موجهاله.
قرب منها، صوته كان بيتكسر:
— منى…
— أنا عارف إنك زعلانة مني، بس—
ما كملش.
لما قرب، بعدت أكتر.
البغض زاد.
ما بقتش حاسة بالأمان معاه…
وجوده زي عدمه،
الأذى واحد.
قال بصوت موجوع:
— منى…
ردّت من غير تردد:
— شرير.
اتسعت عينيه.
كملت وهي بتنزف كلام:
— أخ شرير…
— بكرهك.
الكلمة قتلتُه.
مش مرة…
ألف مرة.
الدموع تحجرت في عينه.
ليته مات قبل ما يشوف العيون دي،
وقبل ما يسمع الكراهية دي طالعة منها…
وبكل الصدق ده.
دخل الدكتور بسرعة:
— لو سمحت، اخرج… سيبها لوحدها.
رد علي بلهفة:
— مش هتكون كويسة لوحدها—
قاطعه الدكتور بحزم:
— بقولك اخرج.
— هي دلوقتي مش شايفة الأمان غير وهي لوحدها.
وقف علي مكانه…
ومفيش حاجة في الدنيا وجعته
قد الكلمة دي.
بصّ علي لمنى…
وهو فهم.
حتى هو…
أخوها.
اللي كانت شايفاه بطلها طول عمرها،
بعد اللي حصل لها،
وبعد ما فشل إنه ينقذها،
بقى في عينيها شخص بلا قيمة.
مش حامي.
مش سند.
مش أمان.
أخته…
وابنته قبل ما تكون أخته…
أصبحت تراه إنسانًا غير مسؤول،
عاجزًا عن حمايتها وحماية عرضه.
لم تعد تشعر بالأمان قربه.
تراه كاذبًا.
ضعيفًا.
غير جدير بثقتها.
منى…
أصبحت تكرهه.