وعد وعلي الجزء ١٨

وعد وعلي الجزء ١٨

الصحافة اشتعلت.
صورت الفتاة انتشرت في الجرائد بعدما تعرّف عليها أحد الصحفيين،
وتحوّل اسمها إلى قضية رأي عام.
بيانات متضاربة خرجت من المستشفى:
اختفت ليلًا…
البعض قال خُطفت،
والبعض قال هربت خوفًا من القانون.
لكن الحقيقة الأقسى كانت واحدة:
الطرقات لم ترحمها،
والذئاب البشرية وجدت فريستها،
وانتهى بها الحال مرمية قرب مكب قمامة.
كان بدران واقفًا أمام التلفاز،
يتابع الأخبار بصمت ثقيل.
نظرت إليه رانيا وقالت:
— بدران… وبالنسبة ليوسف؟
رد من غير ما يلف:
— متذكريش اسمه قدامي.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— كده الموضوع انتهى؟
لف بدران ببطء،
ونظرة عينيه كانت أبرد من أي رد،
وقال:
— لا…
— ما انتهيش يا رانيا.
قاطعه دخول طفلة صغيرة وهي تنادي ببراءة:
— بابا.
التفت بدران، وفي لحظة انحنى وحمل وعد بين ذراعيه بهدوء محسوب.
قال — اتأخرتي ليه؟
ردّ المحامي الذي جاء بها:
— الطريق يا بدران بيه.
أومأ بدران برأسه:
— شكرًا إنك وصلتها لحد هنا.
قالت رانيا بنبرة هادئة:
— اطلعها أوضتها.
لفّت وعد ذراعيها الصغيرتين حول عنق أبيها بقوة، وكأنها تعاقبه على الغياب.
قال بدران— هتطلع كمان شوية.
أومأت رانيا بتفهم.
رفعت وعد عينيها الطفوليتين، تطلّعت في أرجاء البيت كأنها تبحث عن شيء ناقص،
ثم همست لأبيها:
— يوسف؟
في تلك اللحظة، فهم بدران من يكون الغائب الذي تشعر به الطفلة…

كان عليّ جالسًا خارج المستشفى، في الحديقة،
رأسه بين كفّيه،
وعيناه محمرّتان من السهر والقهر.
عقله يعيد المشهد ذاته بلا رحمة:
منى…
وهي تنظر إليه وتقول: بكرهك.
لم يكن يتخيل أن تأتيه الطعنة من أخته،
كانت أقسى مما يحتمله.
اقترب الطبيب وقال بهدوء:
— عارف إن اللي انت فيه صعب… بس لازم تعرف إن أختك محتاجاك.
رفع عليّ رأسه،
تنفّس بعمق كأن صدره كان محبوسًا منذ أيام،
وقال بصوت مبحوح:
— هي فعلًا محتاجاني.
سكت لحظة، ثم أكمل وكأنه يحاسب نفسه:
— لو فضلت ضعيف كده… هتستقوى بمين؟
— ولو عايزها تثق فيّ تاني…
لازم أرجّع ثقتها.
لازم أجيب لها حقها.قال الطبيب بصوت مُنهك:
— قضية أختك معقّدة قوي يا ابني… ودي تاني مرة تتعرّض فيها لاعتداء جنسي، كأن ولاد الحرام حالفين ما يسيبوهاش.
نظر إلى عليّ نظرة مباشرة، ثم أكمل بهدوء موجع:
— انت مش مذنب.
بس براءة منى وعدم نضجها مخليينها فريسة سهلة.
الدنيا دي متوحشة…
ولو شافت شعاع نور، تحاول تطفّيه.
خفض عليّ رأسه، وصوته خرج مكسور:
— حاولت أحميها وفشلت.
حاولت أشيل مسؤوليتها…
ودلوقتي بقيت عبء.
بس مش هقف.
مش ههدى غير لما أعرف مين اللي عمل فيها كده، ومين اللي وصلها للحال ده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *