وعد وعلي الجزء ١٨

وعد وعلي الجزء ١٨

كانت رانيا واقفة قدّام شاشة التلفزيون، متسمّرة مكانها.
قالت بصوت واطي: — “إيه ده؟”
دخلت نادين، وما إن شافت علي ظاهر على الشاشة، وقفت مصدومة: — “علي…؟ علي في العرض؟”
قالت رانيا وهي بتحدّق في الشاشة: — “أيوه، مع بدران… بس في حاجة غريبة.”

في القاعة، كان الارتباك مالي المكان.
حتى الوزير نفسه مكنش فاهم اللي بيحصل.
قال بعصبية: — “إنت بتقول إيه؟”
ردّ علي بهدوء تقيل: — “إنتوا شفتوا الصورة اللي اتعرضت، صح؟ كلكم مش فاهمين دي إيه ولا إزاي اتعرضت كده قدّام الكل… وقدّام الشعب.”
اتصدم الوزير واللي حواليه: — “الشعب؟”
لفّ بسرعة ناحية فريق الإعلام: — “إنتوا وصلتوا البث لشاشات العرض؟!”
كلهم كانوا باصين له بحيرة، محدش فاهم حاجة.
الوزير ابتلع ريقه.
قال علي بصوت مسموع: — “الصورة دي… فيها اتناشر عامل ماتوا في سفينة غرقت وهي في نص طريقها.
أشار علي ناحية الشاشة.
اتبدّلت الصورة، وبدأت أسماء العمال تظهر واحد ورا التاني…
اسم، كنية، رقم هوية، وتاريخ وفاة.
قال بصوت ثابت: — “هامنحهم حق إن الناس كلها تعرفهم… علشان مايبقوش مجرد أرقام في جرايم مجهولة لشركة كبيرة بيتم التستّر عليها من سنين.”
رفع إيده شوية، وكمل: — “وأنا أولهم… بس أنا كان عندي سبب، سبب يخلّيني ما أسمحش لحد يدمّر الشركة دي ولا صاحبها… غيري أنا.”
القاعة غرقت في همهمة واستغراب.
ولا واحد فاهم هو بيقول إيه بالظبط… غير بدران.
كان بدران باصص لعلي بنظرة حادة: — “إنت بتعمل إيه بالظبط يا علي؟”
رد علي وهو ثابت مكانه: — “الشركة دي معانا هنا… مؤسسة كبيرة، اسمها أكبر منكم كلكم. ده لأن صاحبها اشتغل على نفسه سنين علشان يبقى رمز دولي.”
وفجأة، اتغيّرت الصورة على الشاشات.
ظهرت رسومات بيانية، مستويات شركات، ترتيب عالمي.
كل شركة كانت بتطلع درجة، وبعدها تيجي اللي فوقها.
لكن كان في شركة واحدة…
بتطلع، وتطلع، وتطلع…
وتعدّي الجميع.
مش شركة علي.
اسم واحد هو اللي ثبت في القمة.
شركة بدران ويوسف.
ساد القاعة صمت مشحون.
بدران مدّ إيده بهدوء لجيبه، وابتسامة ثقة على شفايفه: — “ده وقت العرض؟ ولا لسه بنكمّل نقاش محدش فاهمه؟ أكيد ده هزار.”
الوزير كان لسه هيتكلم: — “علي، اتفضل وقف، خلّينا…”
لكن علي شاور له بإيده… إشارة صريحة إنه يسكت.
القاعة كلها اتجمدت.
الوزير نفسه اتفاجئ.
مين يجرؤ يعمل كده؟
قال علي بصوت نازل زي المطرقة: — “أنا لسه ما خلصتش نقاشي. الترتيب اللي شايفينه ده هو التسلسل اللي إنتوا هتسلّموا بيه مؤسسة النهارده… نفس الشركة اللي ارتكبت جرايم وبتخفيها زي الشعرة في العجين.”
نظره كان ثابت: — “بس أنا هنا علشان أطلعها… واحدة واحدة.”
الشاشة اتقلبت فجأة.
اسم واحد ظهر كبير، مضيء.
شركة بدران.
علي أشار عليها: — “الشركة دي هي المرشحة للجريمة النهارده.”
اتسعت عيون بدران.
يوسف اتصدم.
الماس، ورجال الأعمال، كلهم بصّوا لبدران وكأن الأرض سحبت من تحته.
يوسف قرب من أبوه وهمس بفزع: — “هو بيقول إيه ده؟ اتكلم يا بابا… وقفه.”
لكن بدران انفجر: — “إنت اتجننت يا علّي؟! إنت شارب إيه؟!”
علي قرب خطوة، رفع صباعه في وشه، وصوته دوّى في القاعة قدّام الكاميرات:
— “إيّـــاك… تذكر اسمي على لسانك.”
بدران بصّ لعلي بنظرة حادة،
وعين علي كانت بتطلع نار.
قال علي بهدوء أخطر من الصراخ: — “إنت فاهمني.”
الهمهمة انفجرت في القاعة.
إزاي دول إخوة؟
إزاي يوصلوا للكلام ده؟
وفجأة…
الشاشات اتقلبت.
فيديو.
قال علي بصوت مسيطر: — “أنا جاي أفتحلكم قضية البوليس فشل فيها… أو خلّينا نقول اتدفنت. علشان كده، هسيبكم إنتوا تحكموا بنفسكم.”
فرقع بإصبعه.
ظهر على الشاشة رجل شاحب، عيناه مذعورتان.
محمود… قائد السفينة.
يوسف شهق: — “إيه ده؟ إنت بتقول إيه؟!”
بدران التفت لمحمود، وصوته خرج مجنون: — “افصل الكهربا يا محمود! افصلها حااااالًا! ولو القاعة تولّع!”
محمود ارتبك: — “بس يا بدران بيه… في شاشات عرض في البلد كلها! الناس بتتفرج علينا!”
بدران صرخ، عروقه بارزة: — “افصل الكهربا عن الدولة كلهاااا!”
طرقع علي بأصابعه، فاشتغل الفيديو.
ظهر الرجل على الشاشة، صوته مبحوح ومرعوب:
— “أنا قبطان سفينة الميناء اللي غرقت من سنين. حاليًا أنا مستقيل من عملي بعد ما أخدت راتب يكفيني سنين كاملة… طبعًا من مالك الشركة، علشان يتأمَّن عليّ وأختفي، لأني دليل كبير على الجريمة وكنت مشارك فيها.”
بلع ريقه وتابع:
— “طلعت أتكلم دلوقتي علشان أنا مهدد بالقتل. الحادثة اللي حصلت كانت بسبب ضغط الأحمال والتعبئة على السفينة. جالي اتصال إن الشحنة كبيرة ولازم تتسلِّم، وبحكم معرفتي بمقاييس التحمل قلت لهم إن ده مش هينفع… بس محدش سمع لي.”
تنفسه كان متقطعًا:
— “قالوا إن مفيش أي خطر على حياة حد، وإن لازم أطلع بالسفينة. عملت حسابي، وخدت معايا اللي ينقذني، وأنا عشت… والباقي كله مات.”
سكت لحظة، ثم قال بصوت مكسور:
— “بس كان معايا إثبات كبير على الجريمة، لأني أنا نفسي اللي بلّغت شركة التأمين باحتمالية الغرق. هما كانوا عارفين… بس كأنهم تعمّدوا، أو ما اهتموش بحياة حد.”
أخرج القبطان ورقة ورفعها في مواجهة الكاميرا:
“دي تقارير السفينة، وتقارير الأحمال، واحتماليات الشحنة اللي كانت زايدة عن المسموح.
مواصفات السفينة: 30 ألف طن.
الحمولة الفعلية: 32 ألف طن.
احتمالية الغرق أو الميل في أي لحظة: 7%.
يعني إن طريق الرحلة، بكل تقلباته، كان مؤكد إنه يؤدي لانهيار السفينة وغرق كل اللي عليها…
دي ما كانتش حادثة.
دي كانت شروع في قتل.”
صوته ارتعش وهو يكمل:
“وأنا كنت متواطئ معاهم… لأن تم إسكاتي بمبلغ كبير من مالك الشركة: الأستاذ بدران.”
انتهى الفيديو.
سرت في القاعة موجة ذهول خانقة، عيون الناس اتسعت وصدورهم انقبضت.
اتجهت النظرات فورًا ناحية بدران، كأنه بقى مركز الاتهام كله.
العرق سال من جبينه، وملامحه فقدت ثباتها.
صرخ يوسف بانفعال:
— “اقفلوا الهري ده! كلكم هتتحاسبوا على تشويه سمعة بدران بيه من غير دليل!”
تحرّك علي بضع خطوات للأمام وقال بصوت حاسم:
«ارجع خطوتين لورا.»
تحركت الشاشة، وظهرت صور الـ12 عامل الذين ماتوا… صور وجوههم، وأسماؤهم، وتفاصيل حياتهم.
بدأ علي يقرأ وهو يحدّق في عيني بدران:
«أحمد سيد… عمره 42 سنة.
اشتغل في شركة بدران 3 سنين.
عنده عيلة مكوّنة من 3 أفراد.»
تبدّلت الصورة.
«العامل التاني… حامد رهوان.
عمره 30 سنة.
كان مقبل على الجواز…
ومات قبل فرحه بشهرين.»
خارج القاعة، الناس كانت واقفة قدّام الشاشات في الشوارع،
في الكافيهات، في المطاعم، في البيوت…
الكل مصدوم،
الكل حاسس إن في نار بتولع في قلبه من اللي بيسمعه.
أم حضنت ابنها بقوة،
عينيها دمعت من الخوف…
ومن الظلم.
كمل علي بصوت ثابت لكنه مليان نار:
«العامل التالت… خالد عبد الرحمن.
شاب 20 سنة،
كان بيصرف على علاج أمه مريضة القلب.»
اتغيّرت الصورة.
«فهمي ضياء…
عمره 45 سنة.
مراته متوفية،
وساب وراه خمس بنات… بقوا أيتام من بعده.»
الناس اللي بتتفرج كان في حرقة بتاكل قلوبهم.
رجالة شدّوا قبضاتهم،
كل واحد فيهم شايف نفسه مكان واحد من اللي على الشاشة.
نور القاعة اشتعل فجأة،
والكاميرا اتجهت على علي.
قال بصوت تقيل:
«نكمل يا بدران؟
ولا إنت عارفهم واحد واحد؟»
الوزير اندفع ناحية فريق الإعلام وهو بيصرخ:
«اقفلوا الشاشات حالًا!
اقفلوا أي بث شغال في الشوارع!»
رد المصوّر وهو متوتر:
«مش إحنا اللي متحكمين في الكاميرات يا سيادة الوزير!»
قال الوزير بعصبية وهو بيشاور لفريق الإعلام:
«مش إنتوا فريق الإعلام؟!»
كانوا باصّين لبعضهم بنفس الصدمة.
لفّ الوزير بعينه ناحية علي، وبص للأمن:
«هاتوه فورًا… وقّفوا المهزلة دي!»
الأمن اتحرّك ناحيته…
لكن فجأة، رجالة في القاعة قلعوا الجواكت السودة،
وطلع تحتها سلاح وحمايات،
ووقفوا صف واحد قدّام علي.
القاعة اتجمدت.
واضح إن كل حاجة كانت محسوبة…
علي كان متوقع كل خطوة،
ومحضّر لكل لحظة.
الإعلام مش متحكم.
الوزير مش قادر يوقف.
حتى المراقبة خرجت برّه السيطرة.
بدران لفّ حواليه مذهول.
العرض… القاعة… الشاشات…
كلها كانت تحت إيد شخص واحد.
علي.
هو صاحب العرض الحقيقي.
يوسف بص لأبوه بارتباك:
«بابا…»
لكن بدران كان مش شايف غير علي،
اللي كان من شوية دراعه اليمين،
دلوقتي واقف ضده،
بيسلمه للقانون،
وقالب المنظومة كلها عليه.
ليه؟
إزاي علي اتحول لكده؟
الوزير صرخ بعصبية:
«جايب رجالة يحمّوك؟
فاكر نفسك كده فوق القانون؟
ده تصرف رئيس عصابة!»
قال علي، والنار مولّعة في عينه:
«قانون؟!… أنا مش شايف قانون هنا!»
القاعة كلها اتصدمت.
الكلام ده لوحده كفاية يهدّ أي حد…
اتهام مباشر.
كمل علي بصوت تقيل:
«أنا فتحتلك يا سيادة الوزير قضية باشر.
يلا… حقّق فيها.
ولا إنت كمان متواطئ معاهم؟»
الوزير اتجمد مكانه.
بدران حاول يمسك زمام الموقف، صوته مليان غضب وتهديد:
«أخيرًا…
أيًا كان اللي بتعمله يا علي،
إنت كده بتعلن عداوتك معايا.
وربنا يكفيك شر عداوة بدران.»
عيون علي اتحولت،
ونزل من على المسرح بخطوات تقيلة،
ووقف قدّامه مباشرة.
قال بهدوء أخطر من أي صريخ:
«بُصلي يا بدران كويس…
شايف مين واقف قدّامك؟»
بدران بلع ريقه، التوتر بان عليه:
«شايفك… علي.»
قرب منه علي أكتر،
صوته واطي لكن قاطع:
«لأ.
إنت شايف عدوك الحقيقي.
من البداية… أنا هو علي الحقيقي.»
بدران اتلخبط:
«عدوي؟!
أنا عملتلك إيه؟
عملتلك إيه غير إني اعتبرتك أخويا؟!»
علي حرّك راسه ببطء،
كأنه بيحبس الوحش اللي جواه:
«أخويا؟
دي كلمة حقيرة أوي…
وأنا بكره أي حد يقولها لي.»
قرب أكتر،
نظراته غرقت في عيون بدران:
«عايز تعرف يا بدران…
عملت إيه؟»
قال بدران بصوت متلخبط، شبه المكسور:
«فهّمني…
إزاي تتقلب كده؟
إزاي كنت عدوي كل ده؟
إزاي سنين كنت معايا و…»
قاطعه علي بصوت ثابت مرعب:
«مش معاك…
أنا دايمًا كنت عليك.
لا إنت…
ولا عيلتك…
عمري ما كنت واحد منهم.»
يوسف اندفع:
«اتكلم عدل!
إنت نسيت إنت مين وبتكلم مين؟!»
علي لف له بعين مليانة نار:
«اخررررررررس.»
يوسف اتسمّر مكانه.
في النبرة دي كان في حاجة تخوّف أكتر من أي تهديد.
قال علي بهدوء مريب:
**«لسّه دورك ماجاش…
بس دوركم كلكم جاي.
إنت يا بدران،
ورانيا،
ونادين…
واحد واحد.
هتدفعوا تمن أفعالكم.
إنت وعيلتك اللي بتتباهى بيها
هتعيشوا الموت…
واحد واحد.»**
الكلمات نزلت زي حكم إعدام.
القاعة كلها حبست نفسها.
بدران بص له،
لأول مرة…
مش شايف تابعه،
مش شايف شريكه،
شايف غريب.
قال بصوت مهزوز:
«إنت… إنت مين؟»
علي قرب خطوة.
ظلّه غطّى بدران.
قال بصوت واطي لكن كأنه جاي من قبر:
**«أنا ماضيك الأسود.
أنا الشيطان اللي هيخلّيك تكفر بوجود ربّك.
أنا علي الحقيقي…
اللي قتلتله عيلته الوحيدة،
وسرقت منه حياته.»**
اتفزع بدران وقال بصوت عالي:
«إنت بتقول إيه؟!»
ردّ علي وهو بيبعد عنه خطوة:
«اقعد واتفرّج…
ده دوري أنا.»
لفّ ومشي.
بدران صرخ وراه بغضب هستيري:
«اِقففف يا علي!
وقول إنك غلطان!
إنت بتلعب بالنار…
إنت مش قدّها!»
علي وقف.
لفّ ببطء.
نظرة عينُه كانت نار باردة، شر صافي.
قال بهدوء قاتل:
«أنا النار.»
القاعة انفجرت ضوضاء.
رجال الأعمال، أصحاب الشركات، الوزراء الصغيرين،
كلهم بيتكلموا في نفس الوقت.
«دي مهزلة!»
«إحنا في قاعة رسمية مش سجن!»
«لازم البوليس يتدخل فورًا!»
كام واحد اندفع ناحية الباب عشان يخرج.
إيدهم مسكت المقبض…
شدّوا…
الباب ما اتحركش.
شدّوا تاني.
ولا مليم.
الهلع بدأ يظهر في العيون.
واحد منهم خبط بإيده على الباب:
«إيه اللي بيحصل؟!
إحنا اتحبسنا ولا إيه؟!»
وفي وسط الفوضى،
صوت علي طلع واضح، ثابت، مسيطر:
«قلت مفيش خروج.»
حد سمعه؟
ولا حد كان قادر يصدّق.
لكن لما كل الأبواب فضلت مقفولة،
فهموا الحقيقة المرعبة:
القاعه…
بقت ملكه.
وهم…
بقوا جوه لعبته.
الكل لفّ ناحيته…
عيون مليانة صدمة، رُعب، وعدم تصديق.
مين المجنون ده؟
إزاي محدش قادر يوقفه؟
معقول قفل عليهم القاعة وخلاهم محبوسين جوّه؟
فجأة…
بيب… بيب… بيب…
صوت توقيت معدني حاد شقّ الهوا.
الناس بصّت حوالين نفسها في ذعر.
حد رفع راسه للسقف…
وفي اللحظة دي شافوه.
عداد أحمر.
رقماته بتجري.اتصدمو وهما مش مصدقين
كانت قنبله

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *