لمن القرار 11
لمن القرار 11
الفصل الرابع والخمسون (1)
******
ثوب زفاف، دبلة زواج، بيت جميل ودافئ تضع فيه لمستك، و رجلاً حقيقياً يفي بوعوده ويصونك
أحلام صغيرة وجميلة ولكن الأحلام تكون أحياناً كبيرة أكبر مما نتصور
ولو ظنها إنها ستكون أكثر الفتيات سعادة اليوم لما يُقدمه لها، فقد أخطأ في تقديره
اصابته الصدمه وهو يرى دموعها وارتجاف شفتيها قهراً وألماً، يتسأل داخله كيف تبكي وهو يمنحها ما تتمناه أي عروس؟
– طيب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ ممكن أفهم
خرج صوته مهزوزاً بعض الشئ رغم غلاظته، فما كان عليها إلا لتخفي وجهها بين راحتي كفيها مُلتفه بجسدها مبتعده عن نظراته
استمرت في بكائها، فلم يجد إلا منحها بعض الوقت زافراً أنفاسه بقوة مشيحًا بعينيه بعيداً يمنحها بعض الخصوصية لرثاء حالها عن شئ لا يفهمه ولا يعرف له معنى
صوتها أخذ يتعالا، ومهما حاولت تمالك حالها إلا إنها لم تتمكن
فقد تعاون كل شئ عليها اليوم
رؤيتها لأحلامها البعيدة، لفقرها، اشتياقها لحضن والدتها وقد فارقتها قبل أن تنعم بحنانها ، حنان والدها رغم عجزه وقلة حيلته، صفعات فتحي وقسوة قلبه، هروبها نحو المجهول حتى تجد حياة كريمة، عنتر وتلك الليلة قاسية البرودة وأخيراً ذلك الواقف أمامها، من كان سببً في زيادة بؤسها من يسألها لما البكاء
فهل هناك شئ يستحق البكاء؟
– شكلك محتاجة دادة سعاد، ما عياطك الزايد أكيد ليه سبب؟
تحرك بضعة خطوات ولكن سرعان ما توقف مكانه وقد خرج صوتها متحشرجًا من أثر البكاء أخيراً
– فعلا عياطي ملهوش مبرر
تمتمتها بمرارة واسرعت في مسح دموعها تُحاول إستعادة رابطة جأشها
– مش معقول ميكونش في سبب لعياطك ده كله يا بسمه
تحاشت النظر إليه، تُعلق عينيها بأي شئ بعيداً عنه
– متاخدش في بالك يا جسار بيه
لم يقتنع بجوابها، يتفرس ملامحها بدقة
اقترب منها بعدما شعر بقوة السبب الذي جعلها تنهار هكذا، حتى إنها أخذت تُقاوم رجفة شفتيها
– أنتِ أكيد حاسه برهبه من كل اللي بيحصل يا بسمه
ثم استطرد بآلية غير عابئ بكل كلمة ينطقها
– ترتيبات الجواز بتاخد وقت وليها رهبه لأي بنت، لكن اللي بنعمله ده مجرد إكتمال للصورة مش أكتر
“إكتمال للصورة” ترددت صدى العبارة داخل أذنيها وبخفوت وصل لمسمعه
– إكتمال للصوره المزيفة
– بسمه
هتف اسمها حتى يجذب انتباهها إليه، فتعلقت عيناها به بنظرة أصابة عاطفته
أنبه ضميره من نظرتها الكسيرة ، ولم يفسر الأمر إلا إنه بسبب ما أصبحت تعيشه
فقر، دون عائلة، مشرده و وحيدة فما الذي يظنه سيُسعدها
فهل بدأت الغشاوة تنزاح قليلاً عن عينيه، هل بدء قلبه كأنسان يعرف الرحمه يعطف ويرحم؟
ومع دوامة تخبطه كان يقترب منها بخطوات هادئه، يراها تشيح عينيها عنه، تسمح بقايا الدموع العالقة بأهدابها
توقف قربها بل لم يعد يفصلهما إلا أنفاسهم التي أمتزجت معاً، وبطريقة أجفلتها أحاط كتفها بذراعيه يربت فوقهم بدعم، متمتماً دون أن يشعر بتلك الذبذبة التي سارت بجسدها
– أي إنسان يستحق فرصة تانية يختار فيها عايز يعيش إزاي، أنا عارف صعوبة الحياة اللي عشتيها ولو كان عندي بعض الشك في نواياكي فحاليا أنا بقيت عارف كويس إنك نضيفه من جوه يا بسمه، طبعا أعذريني على الكلام
صمت لثواني يستجمع بقية حديثه
– البيئة اللي كنتِ عايشه فيها صعب إن يخرج منها حد نضيف بيحارب في الحياة عشان يعيش بشرف، أنا مقصدش الظروف المادية يا بسمه صدقيني..
وبمرارة تمتمت وهي تفهم مقصده الصريح
– محدش بيختار أهله يا جسار بيه، ولو قصدك على فتحي للأسف أنا أخته طبعا ده ميشرفكش
زفر أنفاسه حانقاً من عدم قدرته على توصيل الصورة إليها بلطافه
– بسمه أنا مقصدش التقليل منك، لكن فتحي ميشرفش فعلا أي حد ومع الأسف هيكون ديماً عقبه في حياتك
الحقيقة مريرة حتى لو حاول تجميلها بحديث منمق ومرتب
– نصيبي إنه يكون أخويا يا بيه
عادت دموعها تخونها، فكم تمنت أن يكون فتحي شقيقًا حقيقيًا يحميها ويكون سندً لها ولكن الأمنية كانت بعيدة
انتبهت على يديه وقد أخذت تسير فوق خديها ببطئ، يمسح دموعها مشفقًا عليها
ارتعشت شفتيها من أثر لمساته رغم براءة نيته ، فهو اليوم أراد أن يكون إنسانًا معها ولا يُحملها ما اتخذه هو من قرار و أجبرها عليه مقابل حياة كريمة
– أوعدك يا بسمه إن هحاول مأخدكيش بذنب أخوكي وظروفك، لأنك بنت مناضله وشريفة
جسار يوعدها بما لا تظنه سيفي به، بل و يمدحها بصدق
هل هي تعيش داخل أحلامها القديمة، تحلم بالبطل الذي سينقذها من واقع لم تكن تُريده؟
– أنا مش عارف إزاي هونتي على أخوكي، أنا لو كان عندي اخت كنت حميتها بروحي
…..
هل خانها جسدها للتو، أم قوة ما شعرت به تحت وطء لمساته جعلها ضعيفة القدرة؟
أم هو بارع في السيطرة عليها والتعامل مع جسدها ببراعة؟
والسؤال الأخر الذي طرق رأسها بقوة ورغبة ملحة في معرفة الإجابة حتى تجد عذراً لإستجابة جسدها له، هل هو بالفعل صادق فيما أخبرها به؟ ،
إنها المرأة الوحيدة التي لمسها وما قيل عنه تركه يُقال غير عابئ بنعته إنه زير للنساء ولذلك لم يتزوج رغم اقترابه من إتمام سن الأربعين وثرائه
سيطرت عليها الأفكار وقد ازدادت حركة يديه عبثًا وجرائة، بل همس بكلمات الشوق إليها يُخبرها أن تترك نفسها لمشاعرهم
– متقاومنيش يا جنات، أنتِ زي محتاجة ده، سيبي احاسيسنا تقودنا
وهل تترك نفسها للأحاسيس التي أذلتها من قبل ؟
اذهلته قوتها وهي تدفعه عنها، ناهضة من فوق الفراش ترتب ملابسها
– قولتلك وهقولهالك تاني يا ابن النعماني، لو كنت زمان ضعفت وسعيت وراك عشان نتجوز لأني كنت عايزاك ومش مكسوفه وأنا بقولها ليك ، لأني زي ما أنا شايفه دلوقتي أنت كمان عايزني لكن كبريائك بيمنعك إنك تقولها بصراحة بل بالعكس بتراوغ وتستخدم أساليبك المكارة عشان تعرف تسيطر عليا من جديد
حدقها بدهشة، وقد الجمه حديثها ولكنه ظل مستمعاً
– صحيح ينطبق عليك لقب الثعلب المكار
” ثلعب”!
رددها بعقله قبل أن يُرددها على لسانه مستنكراً تشبيهها
– ثعلب، هو الراجل لما يغري مراته ويكون عايزها يبقى ثعلب وكمان مكار
– تاني بتقول مراتي
اعتدل من تسطحه، يغلق ازرار قميصه ويرتبه متجهم الوجه ماقتًا تغيرها اللعين وعدم قدرته على عودتها كما كانت، أمرأة ذائبة بين ذراعيه، تمنحه السلام حينا تتعانق أجسادهم و أرواحهم سوياً
– اومال أنتِ إيه يا جنات جاوبيني
– ضيفة شرف في الحكاية
لم يكذب حينما أخبرها إنها تمتلك حس الدعابة، صدحت ضحكته الرجولية حتى مال قليلاً يضع بيده فوق معدته من شدة الضحك
– يعجبني فيكي ردك السريع، لا وكمان ممتع
احتقنت ملامحها وهي تراه يسخر منها، اقتربت منه وقد غادر النعاس عينيها تنوي صفعه بحديث يمس رجولته
– أنا حقيقي مشفقة عليك، مش قادر تعبر عن مشاعرك زي بقية الناس فبتستعمل أسلوب رخيص
تجمدت ملامح كاظم يرى المتعة مرتسمة فوق ملامحها، لقد صفعته في مقتل..، صفعته بأكثر ما يكرهه
أن يشفق عليه أحد
– محدش يعرف يشفق عليا يا جنات
غادر غرفتها بخطوات سريعه بل وغادر الشقة بأكملها، إنه بات ضعيف والضعف في قانون حياته يعني الهزيمة
تلاشت زهوة الأنتصار من فوق ملامحها، تتذكر ارتعاش أهدابه وتلك النظرة التعيسة التي رمقها بها
وبتعاسة هوت فوق فراشها تسأل حالها
– أنتِ ليه زعلانه دلوقتي، ليه رغم إنك تعمدتي توجعيه
والجواب كان واضح، هي لم تشفى بعد من حب هذا الرجل
وهل حينا نحب يكون لدينا أحقية الأختيار في إنتقاء ما يُناسبنا ؟
……
وقفت على مقربة منها تحمل فنجاني القهوة تنظر إليها متحسرة على ما أصبحت تعيشه صديقتها
ميادة صديقتها المفعمة بالحيوية والأحلام الكثيرة، من كانت تُخبرها دوماً أن من لا يُدير ظهره للحياة و يضحك لها حينا تصفعه بمرارتها فلن ينجو من البؤس أمد الدهر،
ولكن أين هذه الأشعارات الكثيرة التي أخبرتها بها؟
لماذا تركت صديقتها نفسها لتنخرط مع أحزانها؟
لقد جربت من قبلها مرارة الفراق وخذلان عائلة كانت بالاسم، وها هي صديقتها تعيش مآساة مشابة لها
انتبهت ميادة على وقفتها تلتف بجسدها إليها مبتسمة بملامح باهتة
– فاكرة لما كنت بضحك عليكي كل ما أسألك إيه اللي بتحسي وانتي بتشوفي السما ضلمة ، وأنتِ كنتي تقوليلي إنك بتلاقي فيها راحتك، النهاردة أقدر اقولك إن فعلا سكون الليل في راحه
صارحتها بحقيقة تقطر مرارة وألماً، ثم عادت تصب عينيها نحو ظلمة السماء المعبئة بالغيوم
– لا ده أنتِ بقيتي شاعره كمان، أنتِ واخوكي عليا كده كتير
واقتربت منها تضع فنجاني القهوة فوق سور الشرفة، تُكمل مزاحها لعلها تُدمج صديقتها بحديثً أخر
– خدي فنجان القهوة، ده أنا عملاه بمزاج
التقطته ميادة منها، تشم رائحة القهوة كعادتها
– أمتى هتبطلي العادة ديه؟
والجواب كانت تمنحه لها ميادة بمزاح مماثل لكن بنبرة مريرة
– أنتِ قولتي عادة والإنسان بطبعه ضعيف قدام الحاجات اللي متعود عليها وبيحبها
– اقنعتيني بجوابك سيدة ميادة
ضحكت ميادة بخفوت بعدما وكظتها ملك برفق
جاورتها في وقفتها مستمتعين بمذاق القهوة
– أنا مبسوطه عشانك وعشان رسلان يا ملك، اوعي تضيعوا حبكم تاني مهما كانت الظروف، صعب الإنسان يلاقي الحب الحقيقي
نطقتها ميادة، وقد عادت الذكريات تغزوها مع الرجل الوحيد الذي احبته ورحل
– تعرفي يا ميادة أنا كنت فاكرة حبي لرسلان انتهى وإن عمر ما علاقتنا ما هتتصلح, لأننا رجعنا تاني نحارب قدرنا لكن اللي اكتشفته غير كده
وبخفة دفعتها ميادة فوق كتفها تُلحن بشفتيها
– أخويا العاشق الولهان قدر يزيل الغشاوة ، وطبعا الشكر ليا، مش عارفه أنتوا كنتوا بتعملوا فنفسكم كده ليه
تضرجت وجنتي ملك خجلًا وقد عادت ذكرى تلك الليلة تقتحم عقلها
رمقتها ميادة بعدما طال صمتها، وسرعان ما كانت تتسع ابتسامتها وهي تتذكر إلى أين سرحت صديقتها الحبيبه
– سرحتي في الليله أياها
انتبهت ملك على حديثها ، وقد ازدادت ملامحها تورداً
– بقي وشنا بيقلب بالألوان يا ست ملك
رمقتها ملك بحدة مصطنعة ثم التقطت منها فنجان القهوة
– شوفي مين هيعملك قهوة تاني
اتسعت عينين ميادة ذعراً تنظر لفنجان قهوتها الغالي وهو يُسحب منها
– إلا فنجان القهوة بتاعي
ولم تمر إلا ثواني وكانوا يضحكون بقوة مما جذب أنظار ناهد عليهم وداخلها تتحسر على أبنتها التي فقدتها وبقوا هم يستمتعون بحياتهم
توقفوا عن المزاح وعادوا لوقفتهم الهادئه في صمت لم يطول
– ملك عايزه اخد رأيك في حاجة؟
طالعتها ملك بترقب منتظرة ما ستُخبرها به
– أنا قررت أعيش في إسكندرية، صديق ليا من أيام الجامعه عرض عليا شغل في شركته بمجال الحاسوب وده تخصصي اللي بحبه
– بجد يا ميادة، ده خبر جميل على الأقل هتخرحي وتشوفي الناس من تاني وتنسي اللي حصل
– النسيان صعب يا ملك، وأنتِ عارفه ده كويس بس هحاول اتأقلم غير إني محتاجة أبعد عن هنا.. وأنتِ شايفه كاميليا هانم كل يوم جيبالي عريس شكل
وبرجاء تابعت تأمل أن تُساعدها صديقتها
– إحنا محتاجين نقنع رسلان يا ملك، رسلان هيقدر يقنع ماما وبابا أنتِ شايفه إزاي مبقوش عندهم ثقه فيا وديماً كلامهم جارح
انسابت دموعها بعدما فقدت القدرة على تمالك حالها ، لتُسرع ملك في ضمها إليها تطمئنها
– فتره وهتعدي يا ميادة صدقيني
– ياريت يا ملك
اقترب احد الصغار منهم متعثراً بعض الشيء بخطواته، يضع الهاتف فوق أذنه يستمع للطرف الأخر بإنصات
أسرعت ميادة في مسح دموعها، تنظر نحو الصغير وتلهف ملك عليه
– عبدالله نام ومعاه الأسد
ابتسمت ملك على حديثه المتقطع، وقد أدركت هوية من يتحدث معه صغيرها
حاولت أن تلتقط من الصغير الهاتف ولكنه تذمر متشبثًا به
– طيب خلينا نكلم بابا سوا، على فكره ده تليفوني
والصغير يُعاندها كما تُعانده هي بطفوله
– تليفوني أنا، رسلان ملك وحشه
نطق الصغير اسمهم مجرداً لينفجر رسلان ضاحكاً وهو يستمع لضحكات زوجته وشقيقته
– خليني أكلم ماما عشان أجبلك حاجة حلوه
والصغير يتسأل دون التخلي عن الهاتف
– شيكولاته
نطقها الصغير بحروف متقطعه ليست مفهومه ولكنه فهم ما يقصده صغيره
– مع إنها غلط عليك إنك تاكلها كتير وماما هتضربنا سوا لكن حاضر يا حبيبي..
اماء الصغير برأسه وكأن والده يراه
تناولت ملك منه الهاتف بعدما عقد صفقته مع والده ثم تشبث بساقيها حتى تحمله
– مش من شويه أنا وحشه
والصغير يمنحها قبلة حنونه ثم يمسح فوق خدها يُلاطفها
– ملك حلوه
يُردد عبارته لمرات
– وأنت كمان حلو وجميل يا قلب ماما
– تقريبا أنتِ نستيني على الخط يا ملك
نطقها رسلان حانقاً، رغم أن السعادة كانت تحتل عينيه من حب أولاده للمرأة الوحيده التي أحبها
التقطت مياده الصغير منها ثم انسحبت من الشرفة تاركة لهم مجال للحديث
اسرعت ملك في غلق مكبر الصوت، وهي تعلم تماما أن حديث رسلان سيتخلله بعض العبارات الوقحة
– عزالدين باسك كام بوسه
ارتفع كلا حاجبيها في دهشه، ولكنه ردد سؤاله بجديه
– هو أنا هعد الولاد بيبوسوني كام مره، سؤالك عجيب يا دكتور
– برضوه مردتيش على سؤالي
– في إيه يا رسلان هو تقولي إنك بتغير من عيالك
وجوابه كان سريع، أسرع مما تخيلت
– اه بغير، والواد عزالدين ده هعلقه لما ارجع ومش قايلك كنت عايزك في إيه سلام
اتسعت عيناها في ذهول، تنظر للهاتف وقد أغلق الخط بوجهها بالفعل
– ده قفل في وشي المكالمة فعلا
ولكن بمجرد أن تمتمت حديثها ، كان يُعاود الأتصال
– جسار عازمنا على فرحه، ولعلمك مش هنحضر لأني مش فاضي
وعاد يُغلق الخط، لتتسع عينيها هذه المرة ذهولاً بما سمعته
جسار سيتزوج بهذه السرعه بعد تجربه زواج فاشلة؟
فمن ستكون هذه العروس؟
……
لقد باتت معتادة على حديث شقيقها المسموم، حامد لن يتغير مهما مر الزمن
– طردك ابن صفوان النجار من بيته، شهيرة الأسيوطي حتت بنت خدامة أنتصرت عليها
– سليم مطردنيش يا حامد، أنا اللي خلاص قررت أنسحب من حياته
اقترب منها حامد مُدقق النظر في ملامحها، يرى الهزيمة في عينيها وأكثر ما يُسعده أن يرى هزيمة الأخرين مهما كانت مكانتهم لديه
– طيب وبنتك سيبتهاله
لم تُريحه شهيرة في منح الجواب، فاحتدت عيناه يرمقها ساخطاً
– لو جبتي البنت تعيش معاكي تبقي فعلا بقيتي غبيه يا شهيرة، بكره فلوسه كلها تكون لولاد الخدامه وبنتك تاخد الفتافيت
– أنت إيه يا أخي، كل حياتك فلوس في فلوس
صدحت ضحكات حامد عالياً متلذذاً من رؤية ضيقها
– بكره لما نفلس بسبب غبائك، ابقى اجري على ابن النجار اترجيه يمولك بالفلوس
توقفت شهيرة مكانها بعدما كادت أن تُغادر المكان وتبتعد عنه
– أنت بتقول إيه؟
– بقول إننا على وشك الإفلاس يا هانم، وأنتِ كنتي بتسعي ورا راجل مهما قدمتي ليه من تنازلات برضوه مش شايفك
طعنتها كلماته ولكنها لم تعد تبالي بخزيها
– الشركة بتقع يا شهيرة وحتى مشروعنا مع ماهر اللي كنت حاطط أمل فيه انسحب منه الاستاذ تخيلي ابن السواق يرفض شراكتنا, لا ويسعى إنه يشارك ابن صفوان النجار مش بقولك طول عمره ذكي ابن صفوان مبيطلعش خسران
– الشركة بتقع إزاي، ده هما شهرين اللي اهملت فيهم الشركة
وببساطة كان يُجيبها رغم فداحة أخطائه وغبائه ولكنه لن يعترف بهذا
– آخر صفقة اضحك علينا فيها
اتسعت عينين شهيرة في صدمة لا تُصدق ما تسمعه
– مجرد صفقة توصل الشركة للأفلاس
– الصفقة كانت تقيله، وعلى قد تقلها كانت الخسارة
لم تتحمل شهيرة سماع المزيد منه، تكاد تُجن مما تسمعه
– ضيعتنا بغبائك، اكيد دخلت صفقة مشبوها من صفقاتك
تبدلت ملامح حامد، فادركت السبب وراء خسارتهم
– اكيد صفقة فاسدة حاولت تدخلها، ولا يمكن تكون رجعت تاني للممنوعات
– أنتِ بتعلي صوتك عليا يا شهيرة
اشاحت شهيرة عيناها عنه، تُحاول لملمت حالها حتى تجد حلاً دون خسارة
– المركب لما هتغرق هتغرق بينا إحنا الاتنين، وعلى فكرة أنا عندي ليكي عرض هينقذنا بسهوله من الخسارة
………
انتظرت طويلاً أن تسمع منه عن هوية العروس، ولكن وجدته يتطرق بالحديث نحو أشياء عديدة
– يعني مش هتقول مين العروسه يا جسار؟
– هتتعرفي عليها بكرة يا ملك، يعني لو قررتي تيجي
احتقنت ملامح ملك من برودة جوابه، فقد أخذ الفضول يقتلها لتعرف هوية العروس
– ما دام عايز هوية العروسه تكون مجهوله لحد ما اجي إسكندرية بكرة، خليني اكلم بسمه.. عايزه اطمن عليها ومتقوليش إنك مش في البيت أو على الأقل عرفني رقمها اكلمها
وبنفس الهدوء الذي ازاد حنقها، فهي اكثر دراية بطباع جسار اجابها
– فعلا أنا مش في البيت يا ملك، أنا في الشركه بحاول اخلص الشغل اللي ورايا عريس بقى
– جسار أنت بارد
تعالت صوت قهقهته يسترخي فوق مقعده
– بكره تشوفيها يا ملك وتتكلمي معاها براحتك
– لعلمك يا جسار دورك في حياة بسمه انتهى خلاص، جيه الوقت اللي أفي بوعدي لأبوها الله يرحمه واساعدها
تجمدت ملامح جسار ينظر نحو القلم الذي يُقلبه بين اصابعه
– هتساعديها إزاي يا ملك ؟
– ميادة جالها عرض شغل كويس في اسكندرية، فالأفضل إنها تعيش معاها واحتمال كمان تشغلها معاها في الشركة، بسمه محتاجة حد يؤمن بيها ويديها فرصه حقيقية
– ولو قولتلك إن بسمة مكانها في بيتي يا ملك
الجمها تصريحه الواضح، تُحاول طرد شعور الشك داخلها من حديثه
– جسار اوعى تقولي إن بسمه هي العروسة!