لمن القرار 11

لمن القرار 11

الفصل الثالث والخمسون (1)
*********

هل كان قاسي في قراره، أم استحقت منه هذا العقاب؟

سؤالًا أخذ يدور بعقلها وهي ساكنة الحركة خلف نافذة غرفة مكتبه
أختار المكان الصحيح ليجعلها تُشاهد الوقت المتبقي من الحفل، وكأنه يُريد إعطائها صورة كاملة متكاملة ولكن خلف الستار, لترى الحقيقة بعينيها
إنها من تختار مكانتها بحياته بنفسها

ضحكاته كانت تتعالا بقصد وهو مندمج مع ضيوفه وجواره “شهيرة” السعيدة بيومها الأخير الذي ستخرج فيه منتصرة مرفوعة الرأس
ونحو أي مكان كان يتحرك إليه، كانت شهيرة تتبعه وأنظار الضيوف عليهما والصور السعيدة تُلتقط لهما

أما هي خارج الصورة، تنظر نحوهما من بعيد تشعر بالمرارة

بدء الضيوف يُغادرون الحفل، الواضح لها وضوح العنان إنه لم يكن مجرد إحتفال بعيد ميلاد الصغيرة فقط، حتى ما صنعته من حلوى لا تظن إنهم أكتفوا به في حفلهم الضخم
والحقائق باتت تضربها بقوة مؤخراً، إنها حمقاء ومغفله وستظل دوماً بهذه المكانه

فاقت من شرودها وقد تعالا التصفيق من خلفها، ظنته هو من يصفق مُنهياً الأمر والعقاب

دارت بجسدها تُريد إخباره أن رسالته قد وصلت إليها، ولكن الصدمة ارتسمت فوق ملامحها وهي ترى وجه ذلك الرجل الكريهه شقيق شهيرة، ذلك الذي عرض عليها من قبل مغادرة حياة سليم النجار وأخذ المال

– بيعرف كويس ابن صفوان يحسركم على حالكم

واقترب منها يُحدق بأركان الغرفة المظلمة

– ويا ترى وقوفك بالشكل ده وكأنك منبوذة قراره ولا قرارك

وسرعان ما كان يُحرك يده فوق لحيته مُفكراً، يُقلب الأمور برأسه ويلوي شفتيه ساخراً

– بصراحه الحفلة كانت عرض مسرحي هزلي هايل

وعادت ضحكاته تتعالا ينظر لها مترقبًا ردة فعلها، أعجبه صمتها فاقترب منها بخطواته

– كنتِ فاكرة نفسك هتقدرى تاخدي حاجة ملك بنت الأسيوطي

– حامد

سكن حامد مكانه مستمتعاً من سماع حديثه مع زوجته ، إنه يتلذذ في رؤية غضب من يمقتهم

– قولتلك مليون مرة وجودك في بيتي ليه حدوده

ارتسمت المتعة فوق ملامح حامد مُلتفاً إليه ببطئ

– مش عيب يا ابن صفوان تعلي صوتك على جوز أختك

هتف حامد عبارته بقصد واستدار بجسده نصف استداره نحو الواقفة بالقرب منصته لحديثهم

اتسعت ابتسامته وهو يرى الصدمة مرتسمة فوق ملامح الواقفة

– قصدك اخو طليقتي

– طليقتك برضوه، هحاول أصدق يا ابن النجار واعمل نفسي مغفل زي زمان لما فضلت تجري وراها واتجوزتوا ف السر

تجهمت ملامح سليم يقبض فوق كفيه بقوه، فلولا احترامه لسنوات عمره لكان أراه كيف يفكر قبل أن يلفظ حديثه

– أظن الحفلة أنتهت، واظن برضوة ملكش حق تدخل غرفة مكتبي ولا التربية الاستقراطيه معلمتكش حاجة يا حامد باشا

وكالعادة حامد يعرف تماماً كيف يتجاوز الحديث المهين، غير عابئ بشئ إلا رؤية حنق الأخرين، عاد يُسلط عيناه نحو الزوجة الصغيرة، يُحاول بخبرته تفسير تعلق ذلك المتعجرف حتى اليوم بها

– جوزك دنجوان، عنده مهارات قوية.. ده حتى دينا طليقتي هتموت عليه

– حامد، ياريت تتفضل بره بيتِ

صدحت ضحكات حامد عالياً يجول بعينيه بينهم مستمتعاً بنتيجته

– فرصة سعيده يا فتون هانم ولا نقول الزوجة المُتخفيه

انصرف حامد بعد إلقاء عبارته سعيداً بانتصاره، يتمنى داخله اليوم الذي يرى فيه ابن النجار رجلاً بائساً ووحيدًا

اخترقت اللعنات البذيئة أذنيها، تنظر إليه مدهوشة مما سمعته

– قذر، نهايتك على أيدي يا حامد هخليك تتحسر وأنت شايف كل حاجة بتضيع منك

سيطر على غضبه فهو لا يمقت بهذه الحياة أحداً كما يمقت هذا الرجل، وما يجعله صامت عن قذارته أبنته وحدها

علقت عيناه بها، فرمقها مستخفاً مُقتربًا منها عائداً لجموده

– عجبتك الحفله من ورا الستار، سمعتي لقبك الممتع

لم تنتظر أن يخبرها بلقبها الحالي، بل أخبرته به بثبات

– الزوجة الخفية، اقدر أطلع اوضتي ولا لسا في عقاب تاني

اتسعت ابتسامته، ينظر إليها متفحصاً تقسيمات خلجاتها

– مش هتخليني احكيلك تفاصيل الحفله

– هتقولي إيه يا سليم، هتقولي إنهم قالوا اكيد فاق لنفسه ورجع لطليقته شهيرة هانم

زفرت أنفاسها عالياً، لا تستوعب ما تعيشه معه.. إنها حياة لا تُناسبها يُطالبونها أن تكون إمرأة ناضجة وسيدة محنكة تستطيع نيل حقها دون خوف، يُقيسونها على نموذج من
النساء ونسوا إنها من النموذج الأخر.. نموذج يعيش صامتًا يرغب بالعيش لا غير

– صوتك العالي قدامي ده، نفسي يكون عالي قدام حقك لكن ما شاء الله شايف قدراتك مش بتظهر غير قدامي

اتضحك أم تحزن من عبارته، هل بالفعل قدراتها لا تظهر إلا أمامه؟

– عايزه ليه تفضلي في الظل يا فتون، عايز اعمل منك هانم، عايزك تعرفي تكوني قوية وناجحه

اخترقتها الكلمات، بالأصح اخترقتها الحقيقة هو يُريد أن يجعلها بالنموذج الذي يرغبه وهي تُريد العيش بشخصيتها، تُعلمها الحياة وتتعلم منها

– أنا ناحجة يا سليم، لكن ناجحة بمقايسي أنا ، مش بمقايسك

وهذه المرة كانت تنفرج شفتيه في ضحكة قوية دمعت معها عيناه من شدتها

– جاوب مبهر، مش بقولك قدراتك مش بتظهر غير قدامي يا فتون.. لكن قدام الناس فأر بيجري على جحره

تجهمت ملامحها من إهانته ووصفها بالفأرة

– زعلتي من تشبيهي ليكِ

– أنا مش جبانه

– لا جبانه يا فتون، وعايزة تعيشي ديما خلف الستار.. عايزة تاخدي ديما دور الكومبارس

أندفعت صوبه تدفعه بكلتا قبضتيها، فحديثه بدء يضربها بالحقيقة، حقيقة تؤكد عليها لكنها لا تُريد العيش هكذا تُريد أن تعيش بشخصية سوية ولكن كما يقولون الطبع يغلب التطبع, وهي طبعها الضعف والرضوخ للأخرين دون مقدرة على إتخاذ القرار

– عارفه إني جبانه وضعيفه، ما كل الناس مش زيك ولا زي شهيرة هانم ولا كل الستات اللي مروا بحياتك.. أنا مش شبه الصورة اللي أنت عايزاها يا سليم

أسرها بين ذراعيه وتركها تهذي بما تريده كالعاده

– كنت هتراجع، لكن نظرة خديجة وجعتني.. بنتك كرهتني أوي بعدما ما كانت بتحبني شافتني باخد حق والدتها فيك

– خديجة طفله يا فتون، شعورها طبيعي ناحيتك ومع الوقت هتفهم وجودك في حياتي

– شهيرة هتخرج من حياتنا يا فتون، لأنها قررت تنسحب خلاص.. بس قدرت تنسحب وهي رافعه راسها وسط الناس واثبتت ليهم إن لسا مكانتها محفوظة.. لكن أنتِ حبيتي تاخذي دور الزوجة المحطوطة على الرف، الزوجة اللي زوجها مبيتشرفش بيها قصاد الناس والزوج خلاص بدء يعزلها عن حياته عشان دورها أنتهى ..

وابتعد عنها يُنهي نقاشهم، فيكفيها ما سمعته منه

– لو كنت عايزك مجرد ست تشبع رغباتي مكنتش ردود أفعالك فرقت معايا يا فتون، ولا كنت هعوز تظهري جانبي واقول للناس ديه مراتي اللي اختارتها وانا متأكد من اختياري

انسحب من الغرفة وتركها في دوامة أفكارها،
فتوقفت السيدة ألفت أمامه تطرق رأسها قي خزي وندم عما فعلته دون قصد منها, ولكنها استمعت لمكالمة شهيرة ورفيقتها وتلك الخطه التي قرروا فعلها معها ليست إهانتها فقط بل وإظهارها في صورة ليست جيده أمام الناس بل تدبر لها مكيدة وقد تركت شهيرة الأمر لرفيقتها الحاقدة دينا ولكن كل شئ قد تغير، فتغير شهيرة وهدوئها اليوم وتصرفاتها الحسنه اذهلتها

شهيرة اليوم أخبرت الجميع أن عدم وجود زوجة سليم بالمنزل بسبب مرض أخيها الصغير وبقائها معه بالمشفى، أخبرتهم إنها من اهتمت بصنع أغلب الحلوى والفطائر ذو المذاق الحلو التي أدهشتهم لطيب صنعها

شهيرة كانت في صورة جديده ومختلفه ولا تعلم أهي مكيدة أم بالفعل شهيرة قررت الأنسحاب أخيراً ورحبت بالخسارة

– سليم بيه صدقني هو ده اللي سمعته من مكالمة الهانم مع صديقتها

حدقها سليم بنظرات قوية، فلم يتم أي شئ من مكائد كما عللت له أسباب فعلتها، الحفل مر بسلام إلا وجود ذلك الرجل الذي يُدعي مسعد وهو يعلم تماماً أن دينا لا تعرف شئ عن حياة هذا الرجل

– مش عايز أسمع مبررات تانية يا مدام ألفت، وهحاول أنسى سوء تصرفك

اطرقت السيدة ألفت رأسها مجدداً، فالأول مرة تُخطأ في تقدير الأمور

عادت بأدراجها للمطبخ، والندم يعتصرها

هبطت شهيرة الدرج تنظر نحو سليم ثم للسيدة ألفت وهي تُغادر من أمامه، المرأة المخلصة لسليم النجار.. المرأة التي لم يكن بينهم يوما ودّ حتى عندما كانت سيدة هذا المنزل

– هي فين فتون يا سليم، محتاجة أشكرها

وشهيرة اليوم تحصد كل شئ بجدارة، تعيد له الصورة التي كان دائما يراها فيها، شهيرة المرأة القوية الحكيمة في قرارتها العاقلة

– أنا هنا يا مدام شهيرة، ومش محتاجة تشكريني.. اصل سليم شكرني كويس أوي

واسرعت في الصعود نحو غرفتها، غير عابئة بشئ يدور خلفها

طالعتها شهيرة مصدومة من ردة فعلها متسائله

– هي فتون مالها يا سليم، هي مضايقه من حاجة

وداخله كان يضحك بشدة، إنه بات عالق بين أمرأتين احداهن ذكية والأخرى مازال يخطو معها بداية خطواتها نحو النضج

تجاوز الحديث عن أسباب مغادرتها بتلك الطريقة الطفولية، فقد ضغط عليها بشدة وسيظل يضغط حتى تفيق من الدور الذي حاصرت حالها داخله

– ياريت بكرة يا شهيرة تمهدي للبنت بعدك عن البيت من تاني

ازدردت شهيرة غصتها، هي بالفعل قررت الانسحاب ولكنها تعلم إنها ستظل فترة تتعافى من شدة تعلقها به

تمالكت شعورها واماءت برأسها ثم فركت كفيها ببعضهما بتوتر واقتربت منه

– أنا قولت لخديجة إن فتون هي اللي عملت ليها تورتة عيد ميلادها، بكرة هتلاقيها بتشكرها

– البنت ملهاش دخل في صراعاتنا يا شهيرة، أنا وأنتِ اكتر ناس عارفين يعني إيه تكون ضحية أهلك، فبلاش بنتنا تواجه نفس مصيرنا

انسابت دموعها تأثراً بمشاعر باتت تقتحم كيانها، ولكن سرعان ما رفعت كفيها تمسحهما مبتسمة

– أنا بقيت بتأثر بسهولة كده ليه..، شكلي كبرت فعلاً

– أنتِ لسا شباب يا شهيرة

بمرارة تمتمت تبسط كفيها أمامها

– لولا جلسات العناية بالبشرة واهتمامي بالرياضة كانت التجاعيد ظهرت بسهولة

– السن مش مقياس يا شهيرة، أنتِ لسا ست جميلة وهتفضلي جميلة

تعلم إنه يبالغ في مدحها، ولكنها كانت سعيدة بكلماته

– غير إنك ست ذكية، لولا وجودك كانت شركة الأسيوطي وقعت من زمان

– طيب وأم يا سليم بقيت شايفني إزاي

طال صمته هذه المرة، فظنته إنه مازال لا يُصدق مشاعرها نحو أبنتهما

– و أم رائعة يا شهيرة، خديجة محظوظة إنك أمها

انسحب بعدها من أمامها عائداً لغرفة مكتبه مجدداً يختلي بها بعض الوقت ، فوقفت مكانها تُحدق به وقد ازدادت يقيناً أن مغادرتها لمنزله هي الأفضل

………

” تكوني صورة مشرفة”

عبارة لو سمحت لعقلها لتتطرق بها ومعها لأدمت قلبها ،
هل قالها من قبل لنسائه اللاتي حظوا بالزواج منه أم هي الوحيدة بينهن عار عليه؟

نفضت الأفكار من رأسها تنظر نحو هيئتها في الثوب البسيط الأنيق الذي أرتدته الليله، ولأول مرة في حياتها تنظر لنفسها برضى دون نقص

– أنتِ جميله يا بسمه

رددتها لصورتها المنعكسة عبر المرآة لمرات عدة، حتى جف حلقها وضحكت بجنون عما تفعله

ابتعدت عن المرآة تُلقي هذه المرة بنظرة مدققة للغرفة التي دلفتها من قبل لتُنظفها فكانت تؤدي مهمتها وتنصرف ولكن هذه الغرفة اليوم ملكاً لها، وستتمتع بالفعل لما هو ملك لها

اقتربت من فراشها الجديد تمسح فوقة تطبق فوق جفنيها بقوة وتزفر أنفاسها هامسة

– خليكِ قوية يا بسمة، وخذي حقك من الدنيا

افاقت على الطرقات الخافتة ، ثم دلوف السيدة سعاد بابتسامتها الحنونه متسائله

– تحبي أجيب العشا ليكِ هنا ولا هتاكلي مع البيه يا هانم

اصابتها الكلمه فمن هي التي ب “هانم” هنا
أقتربت منها بسمه بعدما اختفى الذهول من فوق محياها

– هانم؟ أنتِ بتقولي إيه يا داده سعاد

اتسعت ابتسامة السيدة سعاد تؤكد لها مكانتها الحقيقية منذ اليوم

– أنتِ ست البيت دلوقتي، زوجة البيه

– داده سعاد ولا اقولك يا خالتي..أنا بسمه ولا لحقتي تنسي أنا مين

– برضوة أنتِ دلوقتي الهانم الجديده، ها قوليلي تحبي اجبلك العشا فين يا هانم

– تاني هانم، داده سعاد مالك فيكِ إيه، إيه اللي غيرك فجأة

جذبتها السيدة سعاد من مرفقها ولكن توقفت عن دفعها للأمام تنظر إلى هيئتها

– غيري هدومك بسرعه وتعالي أتعشي مع البيه

– لا، لا أنا مش جعانه وهنام عشان اقدر اصحى بدري ننضف البيت

– تنضفي بيت إيه، ده أنتِ عروسه يا بنتِ وبعد يومين فرحك

– فرح!
اتسعت ابتسامة السيدة سعاد شيئاً فشئ تنظر إليها تومئ لها برأسها

– جسار بيه ناوي يعمل فرح، هو أنتِ متعرفيش

وسرعان ما كانت تتحرك من أمام السيدة سعاد ، فهي ظنته يُلقي بهذا الحديث عبثً ولكن ما دام الأمر وصل للسيدة سعاد فالأمر أتخذ بجدية

أسرعت السيدة سعاد خلفها تلتقط ذراعها تُعيدها لداخل الغرفة

– يا بنتِ استمتعي بكل مميزات الجوازة، وبلاش تكوني عبيطه

– أنتِ اللي بتقولي كده يا داده سعاد

– أيوة يا بنتِ عايزاكِ تعيشي وتفرحي زي البنات حتى لو بتضحكي على نفسك

اصابتها الكلمات، فاطرقت رأسها نحو كفيها تفركهما وتُخبر حالها بالحقيقة

– شوفتي أنتِ بتقولي إيه إني هضحك على نفسي لو عيشت
حياه مش بتاعتي، حياة مؤقته مسيرها في يوم مش هتكون ليا

– عشان كده أنا عايزاكِ يا بنتِ تاخدي حقك من الدنيا، اتعلمي واعملي مشروع الصغير والبسي زي البنات واتعلمي تعيشي عيشة الهوانم، مش يمكن حكايتك مع جسار بيه بداية لحياة تانية

سقطت دموعها فاسرعت في مسحها

– لو عيشت عيشة الهوانم، لازم اهرب من اصلي ومحدش بيهرب من أصله يا داده

– محدش بيختار اهله يا بنتِ، نصيبك من الحياة تشقي وتتعبي لكن الفرصه أهي جات.. المهم متضيعيش عمرك في سراب

علقت عينين بسمه بالفراغ ، فرمقتها السيدة سعاد بنظرة عطوفه

– هنزل أحط طبقك مع البيه

غادرت السيدة سعاد الغرفه مبتسمه تتمنى من داخل قلبها أن تنال بسمة ما لم تستطع نيله يوماً

بعد دقائق ، هبطت بسمة الدرج بملامح مسترخيه تقسم داخلها إنها ستكون قوية وستحكي يوماً قصة نجاحها كما حكت قصتها كفاحها

توقف جسار مكانه ولم يكن إلا متجهاً لغرفة الطعام، طالعها بنظرة طويلة ثم أكمل خطواته نحو غرفة الطعام

تلاشت أي شعور أصابها واتبعته ثم وقفت خلف المقعد وحركته ببطئ

– بحركه زي الهوانم يا باشا، مافيش اي فرق

قصدت عبارتها عن عمد، فطالعها ماقتًا أسلوبها

– وتفتكري ديه طريقه بتتكلم بيها الهوانم

هل تحزن ام تتبع نظام التمرير

– اعرف كويس أكون هانم واختار أسلوبي
متقلقش…ومظنش سيدات المجتمع الراقي بيتعملوا في بيوتهم بأستقراطيه

حدقها بنظرة حانقة، فيكفيه ما يشعر به وذلك الندم الذي يعتليه كلما تذكر أن يديه وضعت في يد رجلاً تاريخه حافل بسجلات السوابق

بدء بتناول شُربته ببطئ، وقد اتخذ الصمت للحظات
بدأت في تناول طعامها تنتظر منه أي تعليق سخيف ولكنه كان يعيش مع دوامة أفكاره، يتسأل داخله لما هو فظ هكذا معها

هل يعاقبها على ظروف حياة لم تختارها، فهو دائما متجرف فظً لا يحب إلا إمتلاك النفيس.. حتى الدرس الذي تعلمه قديماً حينا فقد زوجته وبصره ووظيفته بالشرطه وجبروته ظل كما هو

عاد يُحدق بها، فوجدها تأكل ببطئ شديد حتى تظهر أمامه بصوره متحضرة ومقبولة

– من حقك تتعملي بالطريقة التي عايزه تعيشيها، المهم تحترمي صورتي قدام الناس وتحفظي على اسمي لحد ما الطريق بينا ينتهي

واردف مستنكراً ذكر اسم شقيقها

– اتمنى ميكونش في أي تواصل بينك وبين أخوكي واللي اسمه عنتر ده تنسيه تماماً

تجمدت ملامحها على ذكر اسم شقيقها تُجيبه بمرارة

– فتحي عمره ما هيفكر يسأل عني، لكن مش هيبطل يطلب منك فلوس.. أنا حبيت اقولها ليك من دلوقتي فلو ندمان تقدر بسهوله تنهي كل حاجة يا باشا وكده كده في يوم هنال لقب مطلقه فمش هتفرق دلوقتي, من شهور أو زي ما أنت محدد تنهي العقد

وضعت معلقتها والتقطت المحرمة تمسح بها شفتيها ونهضت عن مقعدها

– تصبح على خير

تحركت بضعة خطوات بعدما القت حديثها ولكن سكنت مكانها

– وحفل الزفاف يا بسمه

بابتسامة باردة أجادة رسمها فوق شفتيها

– اختار الفستان اللي يعجبك يا بيه واشوف عايزني أظهر إزاي وأنا هنفذ الدور كويس أوي

……..

توقفت السيارة أخيراً أمام بوابة المزرعة الخاصة بعائلة النجار
طالعته ملك حانقة من قراره العجيب بعد مغادرة الاحتفال

– برضوه نفذت اللي أنت عايزه

تعالت ضحكته ينظر إليها مستمتعاً بتذمرها

– حببتي إحنا وصلنا خلاص، وياريت منضيعش وقت

– رسلان

دفعته حانقه من وقاحته، فعادت ضحكاته تتعالا يرمقها بنظراتً عابسه

– عندي عملية الضهر، فننجز يا روحي ونستمتع بالوقت
واقترب منها يحاصرها بين ذراعيه

– الولاد واطمن عليهم من ميادة، المفروض حالياً متفكريش غير فيا

– هو أنت سامحلي أفكر غير فيك يا رسلان

– وهل يا ترى بتفكري فيا زي ما بفكر فيكي؟

تجهمت ملامحها من مغزى كلماته، ترى العبث مرتسم فوق ملامحه

صدحت قهقته هذه المرة بقوة أكبر مبتعداً عنها، فتمكنت من التقاط أنفاسها تنظر إليه حانقة

– لا إحنا فعلا بنضيع وقت

توقف عن الضحك وأسرع في الترجل من سيارته متجهاً إليها، يفتح باب السيارة الأخر ويلتقط ذراعها

– أول ليلة في جوازنا كانت هنا، وأنتِ ما شاء الله كنتِ سايرة على قاعده يتمنعن وهن الرغبات

تشبثت مكانها حانقة من حديثه، تنفض يده عنها

– رغبات مين يا دكتور، شكلك نسيت إني كنت رافضه جوازنا

– لا ده احنا كده هنطول في العتاب، ومين قال ومين مقالش

وانحني يحملها بين ذراعيه

– شايفه أنتِ قلبك أسود إزاي، لكن أنا مش فاكر أي حاجة ولا بفكر في اللي فات

وبقدرة رهيبة بات يُجيدها بل بات يفهم طباعها همس بأنفاس ساخنة

– مش عارف هفضل لحد أمتى زي الظمآن مش عارف يرتوي، سبيني أحبك يا ملك

اغمضت عيناها مسترخية مع أحاسيسها، وببطئ وتمهل بدء يُخبرها كيف هو رجل عاشق ومتيم

………

طالع هيئتها وهي تتظاهر بالنوم وقد اتخذت طرف الفراش
ابتسم مرغماً من فعلتها، و تسطح على الطرف الآخر ينظر لتشبثها الشديد بالغطاء

– عارف إنك صاحيه يا فتون

اطبقت فوق جفنيها بقوة حتى يُدرك إنه بالفعل يتهيأ له إنها مستيقظه

– المرادي شهيرة خلفت توقعاتي بصراحه، كنت متأكد إن شهيرة هترجع لعقلها من تاني، شهيرة ست ناضجه وعاقله

ارتفعت وتيرة أنفاسها عن مدحه لشهيرة هذه الليله، ألا يكفيها ما اسمعه لها منذ ساعات وما شعرت به من تخاذل مرة أخرى مع حالها

– ديما كان يعجبني عقلها وحنكتها في إدارة الأمور

هذه المرة كانت شفتيها تنال نصيبها من شدة ضغطها عليهم، ازاد الجرعة التي أراد أن يجعلها تعيشها الليله، فربما الغيرة تجعلها تنضج وتتعقل

انتفضت من رقدتها وقد أزاحت الغطاء عنها تُصيح به غير عابئة بعلو صوتها

– ما دام عجباك أوي طليقتك ردها ليك

– صوتك يا فتون

تعلم أكثر ما يضايقه هو علو الصوت، ولكنه الليله أجاد اثار مشاعرها بجدارة وأثبت لها إنها بالفعل بائسة وستظل دوماً تحت الأقدام

– أنا جبانه وبستخبى في الجحر، لكن شهيرة هانم ست عظيمة ونسيت إنها حاولت كتير تخرجني من حياتك عشان ترجع لمكانها

– أي ست في الدنيا بتحب راجل هتعمل كده

قالها متعمداً كل حرف ينطقه، الجمها دفاعه تنظر إليه في صدمة تبلل شفتيها بطرف لسانها

– إظاهر إن حفلة النهاردة رجعت مشاعرك لطليقتك

– أكيد

تمتم بها رداً على سؤالها، ينظر متفرساً ملامحها

– تقصد إيه؟

– لو قولتلك إن بفكر أرجع شهيرة لعصمتي يا فتون، هيكون إيه جوابك…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *