لمن القرار 10

لمن القرار 10

الفصل الثامن والأربعون (2)
*********
وعلى بعداً منها، توقف بخطواته ولهفته..،توقف مطمئناً وهو يراها جالسه فوق أحد المقاعد الخشبية خارج المشفى، تُطالع ما حولها في صمت.

زفر أنفاسه وقد عاد الاسترخاء يرتسم فوق ملامحه واكمل تقدمه نحوها، يُدقق النظر فيها، وكلما كانت تقع عيناه عليها وعلى خلجات وجهها، كان يتأكد من حقيقة واحده بات يُدركها تماماً، زوجته مازالت طفله صغيره، طفله تبحث عن طفولتها التي ضاعت في النضج بين والدين لم يكونوا مؤهلين لأن يكون لديهم طفلاً واحداً وليس سبعة أطفال

جاورها في جلستها، وقد علقت عيناها به..، لم ينظر إليها بل ترك كفه الضخم الذي عانق كفها الصغير يُخبرها عما أراد إخبارها به

فالتمعت عيناها بالدموع وهي تنظر نحو كفيهم المتشابكين

– كلام والدتك كان صح يا فتون، الغلطه غلطتي أنا، لكن الغلطة هتتصلح

– وتفتكر الناس برضوه هتسكت، ساعتها هيسألوا نفسهم إزاي أنت اتجوزتني، ازاي قبلت تتجوز مرات السواق

حدق بها، وقد ألجمته عبارتها التي هتفت بها بأنفاس مثقلة وحرقة شعر بها في صوتها، لا يُصدق أنها مازالت تشعر معه بالنقص

– أنا هفضل في نظر الناس، الخدامه اللي قدرت تغوي السيد فاتجوزها

قالتها بمرارة، فكلما باتت تظهر أمام مجتمعه.. أصبح الجميع يتسأل كيف تمكنت هذه الفتاة التي لا يميزها شئ أن تنال رجلاً كسليم النجار، رجلاً لم يكن يوماً من الرجال الذين يفضلون النساء صاحبات المستويات المتدنية

السيد والخادمة بل وزوجة سائقه، فما الشئ الذي قدمته له حتى يتزوجها بعد زوجته التي تفوقها في كل شئ

امتقعت ملامحه، وقد تركها تهذي بما تُريده..

– عارفة يا فتون، الحاجه الوحيدة اللي بتثبت ليا إني عمري ما شوفتك زي ما شوفت اي ست مرت في حياتي

توقف عن الحديث، وقد علقت عيناها به تنتظر سماع باقية حديثه

– إن أنا راجل بحب أي شئ مميز، ست تكون واثقة من نفسها.. لكن معاكِ أنتِ اختياري كان مختلف

توقفت عن ذرف دموعها، تنظر إليه بتشوش وضياع وهو ينهض من جوارها

– شكلي حسدت الدروس التثقيفيه وحسدت نفسي، مش عارف متعلمتيش مني ليه الثقة بالنفس

تمتم عبارته حانقاً، فزوجته الحمقاء..كلما ظن إنهم تجاوزوا تلك النقطة عن حياتها السابقه..، تعود وتتحدث عنها

– أنا مش هنفع في أي حاجة يا سليم

ازدادت تقطيبة ملامحه وهو يسمعها، وقد بدء يشعر أن هناك شئ بها تخفيه عنه، شيئاً يراه في عينيها منذ الصباح

– فتون في حاجة مخبياها عني، أنتِ متعودة طول عمرك علي كلام الحجة عبلة، فمافيش حاجة جديدة.. ،لكن في حاجة تانية

وعند تلك النقطة كانت تلمع عيناه، وهو يتذكر شحوب وجهها عندما أخبرها بحجز موعد لدي الطبيبة

اخفضت رأسها أرضاً، تفرك يداها لا تعرف كيف ستخبره بعلتها وتطلب منه الصبر او فقد الأمل إذا لم تستطع الإنجاب

– فتون

رفعت عيناها إليه، فعاد يُجاورها ينتظر سماعها

– خايفة يا سليم

سردت له التفاصيل التي اخبرتها به الطبيبه، وذلك الدواء الذي تتناوله حتى تحل مشكله ذلك الخلل الذي حدث في هرموناتها بسبب تناول أقراص منع الحمل ، وبحشرجة تمتمت بعدما تمكنت من مسح دموعها

– لكن الدكتوره قالتلي، إن الموضوع بتاع ربنا.. ممكن يطول العلاج وممكن لاء

لانت ملامحه، وهو لا يستوعب إنها تخاف من أن يكتشف أمراً وارد حدوثه بل ويحدث

– فتون معقول خوفك وصل لدرجادي مني

– لو مخلفتش مش هيكون لوجودي أي أهمية معاك، هتزهق مني بعد فترة وترميني

احتقنت عيناه، وهو يسمعها..، مهما خرجت زوجته من قوقعتها ستظل تابعه لغيرها، تترك لهم أذنيها..، وتستمع لهم

يُخبروها إنها ناقصة..، فتجيبهم بنعم
يُخبروها إنه سيتركها.. ، فترثي حالها مصدقة على كلامهم

رمقها بنظرة، احتدت معها عينيه مؤسفًا عليها وعلى تذبذبها

– كويس إننا لسا مجبناش طفل يا فتون

وانسحب من أمامها، لا يفسر حديثها إلا إنها تخشي أن يكون رجلاً نذلاً معها
والحمقاء لم تدرك حتى اليوم إنه احبها بجميع نواقصها، احبها لدرجة أصبح لا يُصدق إنه نفس الرجل الذي كان عليه منذ سنوات، رجلا يختار نسائه بعناية
……..

وقفت أمامه تهذي بالكثير من الحديث عن الكرامه وعن عدم حاجتها لشئ منه، وقد فعل ما أوجب عليه فعله حينا ادخلها بيته وبالطبع كل ذلك كان إكراماً لملك التي لولاها ما كان ساعدها يوماً

وبأنفاس متسارعة كتفت ذراعيها أمام صدرها، تنظر نحو علبة الهاتف الذي وضعته فور أن دلفت فوق سطح مكتبه..، تنتظر سماع أي حديث منه أو حتى أن ينظر لها ولكنه كان جامد مكانه ينظر نحو ما وضعته أمامه بملامح جامده

– أمتي هتجوز عنتر يا بيه؟

أخيراً سمحت للسانها بالسؤال عن الموعد المرتقب لذلك الزواج الذي كلما فكرت به، ارتفعت أنفاسها وانقبض روحها

– هو أنا هفضل اكلم نفسي كتير

وجسار كان صامتً، يُقاوم ذلك الضجيج الذي يخترقه.. لا يُصدق أن غضبه أجبره على التفوه بكلمة زواج ومن من..، من تلك التي اشفق عليها وادخلها منزله..

– عموما يا بيه، هديتك عندك..تقدر تديها للخدامة الجديدة

احتدت ملامح جسار، وقد صوب عيناه نحوها أخيراً..، فارتجف جسدها من نظراته ولكن سرعان ما كانت تقف في ثبات وتحدي

ولدهشتها هذا اليوم، إنه لم يتحدث، بل نهض مغادراً غرفة مكتبه بعدما رمقها بنظرة طويلة ذبذبتها ولم تفهم لها معنى

اقتربت منها السيدة سعاد، بعدما أصابها الذهول تنظر إليها غير مصدقة أن السيد لم يتحدث بشئ

– لا، لا البيه فيه حاجة مش طبيعيه..، ده سابك تتكلمي من غير ما يتكلم..

– عندك حق يا دادة، ده بصلي بنظرة غريبة..، نظرة مش عارفة افسرها هي غضب ولا لوم ولا…

وابتعلت مرارة غصتها، تخشي الإعتراف بينها وبين حالها أن نظرته كان يملئها الازدراء
– يا بنتِ ما بعد كلامك ده ،كويس إن البيه اكتفي بمجرد نظرة
………

انتبهت على صوت الخادمة الذي تكرر لمرات وقد اقتربت منها، بعدما ظنتها لم تسمعها

تعلقت عينين جنات بها، وقد نفضت رأسها وفاقت من أفكارها وحزنها الذي لا تفهم له معنى بعدما أخبرها بأطلاق سراحها فور عودتهم من رحلتهم القصيرة

– بتقولي حاجة

ابتسمت الخادمة بتوتر، وهي تنظر نحو سيدتها.. تلك العروس البائسة التي تتسأل داخلها كلما نظرت إليها وإلى رب عملها.. كيف تتحمل رجل مثله، شديد الصرامة، لا يهتف إلا بالأوامر والقوانين، لا يتبسم، وجهه دوما جامد، غاضب اغلب الوقت، ذو مزاج قاتم

– في ضيفة مستنياكِ تحت يا هانم، بتقول إنها صديقتك

– فتون

هتفت بها جنات، وهي تنهض عن فراشها.. ، فهي لا تملك غير فتون واحمس أصدقاء لها، بعدما قطعت صداقتها بالكثير اللاتي لم يكونوا بحياتها إلا في خانة فارغة

صديقه لا تخبرها بخطبتها، لأنها تخشي الحسد
واخرى لا تُهاتفها، إلا لتندب حظها او تخبرها بما يفعله لها زوجها وما يُجلبه لها وكم هي حمقاء لأنها حتى هذا العمر لم تتمكن من لفت أنظار رجلاً إليها رغم إنها تعمل وتخرج وتُقابل الكثير من الرجال ..، فكان سبيلها الوحيد أن تترك تلك الصداقات البائسة التي لا تشعرها إلا بالحسرة

أسرعت في الخروج من غرفتنا، وفور أن علقت عيناها بفتون ورأت هيئتها اكملت خطواتها ركضاً صوبها تلقفها بين ذراعيها متمتمه بخشية

– اوعي تقوليلي، إن في حاجة وحشة حصلت معاكِ

– سليم، جالي إن كويس مخلفناش لحد دلوقتي يا جنات..

ابتعدت عنها جنات، تخشي سماع ما هو قادم..، لا تستوعب أن حظهم بائس لهذة الدرجة، بل وسيجتمعون مجدداً في شقتها مطلقتين..

– فتون ، كفاية عياط..، وتعالي نقعد وفهميني براحه إيه اللي حصل

– أنا تعبت يا جنات، تعبت ومش عارفة اخرج من الخوف اللي أنا عايشه فيه..، ولا حتى اتعالج من قلة الثقة بالنفس

وبشهقات متقطعة، حاولت تمالك أنفاسها التي أخذت تتسارع

– أنا ليه ضعيفة الشخصية يا جنات، مهما حاولت مافيش حاجة بتتغير جوايا

اجلستها جنات، وقد غامت عيناها بالحزن لأجل كلتاهما.. فلا الثقة والقوة نفعتها، ولا ضعف الشخصية والتأثر بحديث الناس نفع تلك التي أتتها ركضاً ترتمي بين ذراعيها تُطالبها بالنصح والأمان وهما متفقدهم هي الأخرى

– لأن البنت اللي اتسرقت طفولتها، لسا جواكي يا فتون.. فتون حبِ نفسك وأديها قيمتها قبل ما تستنى الناس هي اللي تحبك الأول

سقطت دموعها بعجز، لا هي تستطيع أن تخرج من عباءة الطفلة الصغيرة التي كبرت قبل أوانها، ولا هي تستطيع أن تكون المرأة التي تتمنى أن تكون عليها

– جواكِ لسا طفله يا فتون، طفلة اتولدت أم تراعي اخواتها اللي اصغر منها..

– أنا مشوهه من جوه يا جنات، مهما حاولت اكون زيكم.. مبعرفش.. حتى الكلية مش عارفه اكون شبه زمايلي.. لولا احمس

عادت دموعها للأنهمار، فلولا وجودهم حولها ما تمكنت على التقدم
اطبقت جنات فوق جفنيها بقوة تشعر بالندم لأنها تعاونت مع سليم حتى تتم تلك الزيجة، اقنعتها لتتزوجه رغم إنها كانت بحاجة لأن يشب عودها وتنضج وتري حياتها بنظرة مختلفة..، بنظرة بعيدة عن حياة سليم النجار .. الرجل الذي يذكرها بماضيها البائس الذي لم تتجاوزه

– أنا اسفه يا فتون، انا السبب.. ياريتني ما خليتك تتجوزي سليم على الأقل كنتِ شوفتي حياتك وسعيتِ ورا أحلامك.. من غير ما تفضلي تحسي بالنقص قدامه طول العمر

– سليم عمره ما حسسني بالنقص يا جنات، أنا اللي ديما بحسسه إني اقل من إني اكون مراته

– وده عيبك يا فتون، وبسببه بتخلي الكل يقلل منك

ازداد حزنها، وعادت تدفن رأسها بين كفيها منتحبة بشدة

– كل ما افتكر إني خلاص قدرت اوصل للصوره اللي هو عايزاه افشل

ضمتها جنات إليها، تغمض عينيها متحسرة على حالها..، وعلى شعورها بهذا النقص الذي لم يُغادرها

– كفاية عياط يافتون، أنتِ معندكيش حاجة تمنعك من الخلفة.. يمكن التأخير ده في مصلحتك

وبثقة كانت دائماً تثير إعجابها نحو الجالسة أمامها

– هتكوني قوية عشان نفسك يا فتون، لا عشان سليم ولا عشان الناس.. هتنجحي وتفتخري بنفسك يا فتون

ارتسمت فوق شفتي جنات ابتسامة حزينة ، تضمها إليها بعدما عانقتها

– ياريت كنت زيك يا جنات

والكل يتمني أن يكون مثل الأخر، ولا يدري أن حياته يتمناها الغير، فدمعت عينين جنات تُخبرها بألم خافت

– يمكن ضعفك ده نعمه يا فتون

تعالا رنين الهاتف يقطع عليهم لحظة عناقهم، الذي منح كلتاهما السلام
أخرجت فتون هاتفها تنظر نحو رقم المتصل وصورته المحبه لقلبها التي ترفقها مع الرقم، لتفهم جنات سر ابتسامتها

– سليم مش كده

اماءت لها برأسها والسعاده ترتسم فوق شفتيها، فها هو لا يتركها حزينة لوقت طويلا ولا يُعاقبها على ثغراتها الحمقاء

– ردي عليه، وأنا هقوم اقولهم في المطبخ يحضروا لينا الغدا

– لا لا غدا إيه أنا همشي، غير إن جوزك بصراحه يرهب، ده أنا حمدت ربنا إنه مش موجود

– متخافيش يا فتون، واقولك حاجه كمان هتصل باحمس يجي يتغدا معانا..، خلينا نتجمع قبل ما اسافر معاه

توقف الهاتف عن الرنين، وقد اتسعت عينين فتون تنظر إليها تُحاول استعاب ما سمعته

– تسافري تروحي فين؟

عاد رنين هاتفها يصدح من جديد، لتنظر إليها جنات مبتسمه قبل أن تنسحب من أمامها

– متخافيش ديه رحله قصيره لايطاليا اه حتى اشوف الليدي خديجة النجار عمة جوزك واتعلم منها الاستغناء عن الرجال

وبداعبة أردفت

– ردي بس على جوزك اللي خايفة يسيبك.. وهو اصلا مبيقدرش يستغنى عنك

اتسعت ابتسامة فتون، فما هذا التذبذب الذي تعيشه كلما ذكرها أحداً بأنها لا تليق بذلك الرجل الذي اختارها هو بارادته بل وأصر على تزوجها دون أن تسعي إليه

– فتون

هتفت بها جنات بعدما التفت بجسدها، تفرد اصابعها الخمس امام وجهها

– قولي الله اكبر في عيني يا بنتِ

ورغماً عنها كانت تنفرج شفتي فتون في ضحكة قويه، وقد ضغطت على زر الإجابة، فأتاها صوته

– بتضحكِ، وأنا واقف قدام المستشفى قلقان عليكِ.. وبلوم نفسي ازاي سيبتك ومشيت

– أنا أسفه يا سليم

توقف مكانه بعدما كان يتحرك بضيق هنا وهناك، غاضباً منها

– فتون أنتِ فين، ده انا سايبك معيطه ومنكدين على بعض..

– أنا أسفه، أنا لسا بخاف يا سليم..، بخاف من الناس ومن السعادة

تلاشت ابتسامته المطمئنة ، وهو يسمعها تخبره عن مخاوفها وضياعها

– فتون أنتِ فين، قوليلي مكانك فين..

رفعت كفها تزيل عن عينيها دموعها

– عند جنات

فتح باب سيارته وصعدها وقد اطمئن قلبه

– هاجي اخدك، نص ساعه وأكون عندك

اسرعت في الهتاف، بعدما تذكرت جنات

– سليم خليني شويه عند جنات، هتغدا معاها ممكن

– لو وجودك معاها هيريحك شويه مافيش مشكله يا حببتي

متفهماً هو بطبعه، يبحث معها عن سعادتها.. يشجعها على الصعود وتحقيق أحلامها، لكن العيب بها هي.. هي التي عاشت سنواتها القليلة فى ثوب أمرأه عجوز

– سليم أنا باخد العلاج من ساعه ما طلبت مني ابطل الحبوب
هتفت بها، تستمع لصوت أنفاسه العاليه..

– هنتكلم في الموضوع ده يا فتون، هنتكلم ونتعاتب لكن دلوقتي خليكي مبسوطة

تهللت اساريرها، تعبر له عن مدى سعادتها..

– أنت بطلي يا سليم

اخترقت مسمعه عبارتها، ليكتشف اليوم أن زوجته بمزاج متقلب كأبنته خديجة..،يحمد الله إنه صار أب قبل أن يتزوجها حتى يكون بهذا التفاهم والصبر

– من شوية كنت راجل ندل، هرميكي بعد مستفدتش منك بحاجة، كأنك صفقة في حياتي يا فتون

عاتبها ولم يكن يريد عتابها عبر الهاتف

– شوفت اه انت لسا زعلان مني

– فتون خلاص خلينا نكمل عتابنا واحنا سوا، اول ما تخلصي عند جنات كلميني

اماءت برأسها وكأنه أمامها، لتدرك حماقة فعلتها متمتمه

– حاضر
كادت أن تغلق الهاتف، لتتذكر اكثر ما يزيده غضباً

– جنات عزمت أحمس على الغدا

وفي ثواني كانت تشعر بالصدمة وهي تستمع لكلماته، قبل أن يغلق الهاتف بوجهها يلعنها ويلعن اصدقائها

وقد ضاعت صورة البطل، وصار البطل رجلا مثل باقية الرجال
……….

دلف لغرفة الطعام التي تعالا الضجيج الصاخب بها، يُرافقه سليم وقد أصر كاظم على ضيافته اليوم بعدما أخبرته خادمته بضيوف زوجته الغالية
تلاشي عبوس كاظم وهو يري ملامحها التي تبدلت.. ،كانت مبتهجة سعيدة تضحك وتمزح وكأنها ليست نفس المرأة التي تركها صباحاً

توقفت فتون عن تناول الطعام، وقد علقت عيناها بذلك الواقف يرمقها بجمود

– سليم

انحشرت لقمة الطعام داخل حلقها، فاسرع احمس بالتقاط كأس الماء بلهفة يُعطيه لها

– فتون أنتِ كويسه

تمتم بها أحمس وقد ظهر القلق في نظراته، لتتعلق عينين كاظم بالمشهد يقسم داخله أن هذا الشاب ينظر لزوجة شريكة بنظرة رجل معجب وليس أخً كما تخبره زوجته التي ظنت أن عزيمتها اليوم لضيوفها ستزيد حنقه بل وستظهره بصورة الرجل الجلف

– اتفضل يا سليم، حببتي اطلبِ من الخدم يحطوا اطباق إضافية

تمتم بها كاظم وقد علقت عيناه بتلك التي وقفت ترمقه بنظرات ضيقه وكأنها تنتظر صورة أخرى له

– لا شكراً يا كاظم، أنا هاخد المدام ونمشي.. معزومين على العشا بليل وأنت مسافر بعد كام ساعه

ابتلعت فتون لعابها، تنظر نحو سليم الذي اشار إليها بالنهوض
طالعتهم جنات، وقد فاقت للتو من حالة شرودها

– أنت بتقول إيه يا سليم بيه، مش معقول اول مرة تيجي بيتنا وتمشي كده، كاظم اعمل حاجه

ارتفع حاجبي كاظم مستمتعاً لأول مرة بحياته بذلك الدور الدرامي الذي يؤدوه سوياً

– مره تانية

تلاقت عينين أحمس به، وقد ازدرد لعابه من نظراته، فاقتربت جنات من فتون تحضنها هامسه

– جوزك غيران من أحمس

– فتون

تعالا صوته، فاسرعت فتون بالمغادرة بعدما اماء لها كاظم لأول مرة برأسه بنظرة لطيفة

أصبحت الغرفة خالية إلا بهم ثلاثتهم

– نورت يا استاذ أحمس

تمتم بها كاظم وهو يمدّ كفه مصافحاً، ازداد توتر أحمس وهو يري نظرات هذا الأخر إليه

– شكراً يا استاذ كاظم، جنات أنا همشي أنا كمان

– أنت رايح فين، لا اقعد كمل أكلك..

توتر أحمس من تلك النظرات التي يحدقه بها كاظم، لتعلو ابتسامة متهكمة فوق شفتي كاظم وهو يري توتره
فالشاب مازال عوده لم يشبّ ولكنه رجلاً وسليم النجار سيكون أحمقاً إذ لم يلاحظ نظراته نحو زوجته

– اقعد يا استاذ…

ثم حك ذقنه قليلا يُحاول تذكر اسمه الغريب عليه

– أحمس

جذبته جنات من يده، لتجلسه عنوة

– أقعد واحكيلي هنبدء تنفيذ مشروعنا أمتي

ابتلع كاظم قطعه اللحم بعدما مصغها ببطئ، يستمع لمخططها وبدأها في رسم حياتها وكأنها تخلصت منه
وفي قرارة نفسه كان يزداد تصميماً في استمرار زيجتهم إستمرارها لوقت بات يجهله
……….

اقتربت ناهد من باب المطبخ الذي دلف إليه رسلان منذ دقائق بعد أن علم بتواجدها فيه حتى تنهي إعداد وجبة العشاء..

تعلقت عيناها بهم، وهي تري اجسادهم في تلاحم.. رسلان طبيب العائلة الوقور, الذي لا تظن أن السنوات التي كان فيها زوج لابنتها الغاليه عاملها هكذا او كان متلهفاً عليها بتلك الطريقه التي تراها في عينيه

– رسلان الاكل على النار

ولكن رسلان كان غائب معها في رحلة شوقة وظمأه الذي لم يرتوي منه بعد

– رسلان

– عيون وقلب رسلان، وحشتيني

ضحكت مرغمه، فقد أصبحت تنسى العالم بين ذراعيه.. عالم لا تعرف لما هربت منه، لما تركتهم يحرمونها من سعاده كانت مقدرة لها لكن كانت مؤجله

– وحشتك إيه بس يا رسلان، دول كام ساعه بس اللي غبتهم في المستشفى والمفروض تكون في العياده بعد ساعه

وبأنفاس منتشية كان يخبرها بحاجته إليها، سقط كوب الماء من يدي ناهد.. ،فانتفضت ملك عنه مبتعده تربت فوق منامتها القصيره خجلاً

– كنت عايزة ميه

هتفت بها ناهد بتعلثم وبحروف متقطعه..، تنظر إليهم بنظرات كان يفهمها، انسحبت ناهد من المكان وقد وخز الألم فؤادها متحسرة علي أبنتها التي توارت خلف التراب وضاع حقها في حياة ارادتها لها، ليتها لم تطلب من ملك العودة لحياة احفادها وزوج أبنتها
……….

توقفت أمام باب شقته، تشعر بالصراع داخل قلبها..، شئ يجذبها للهرب من ذلك الجنون الذي دلفته بقدميها كمراهقة، وشئ يُطالبها بحقها في العيش.. واقتناص سعادتها

بتردد كانت تدق جرس الباب، استمرت في وقفتها تنتظر فتح الباب ولولا رؤيتها لسيارته لظنت إنه ليس بالمنزل

أصابها الشك، لا تتخيل إنه من الممكن أن يكون بين أحضان أمرأه شابة تمنحه حالها دون أن تستيقظ بعد شغفهم تخبره برغبتها في ابتعادها عنه

ودمعة سخية كانت تهبط فوق خدها، وقد امتلكها الشك بعد أن طالت وقفتها

التفت بجسدها حتى تغادر البناية، ولكن وقفت مكانها وهي تستمع لصوته الذي يحمل أثر الدهشة

– خديجة

ببطئ كانت تلتف نحوه، لتتجمد عيناها وتشحب ملامحها وهي تراه يلف المنشفه حول خصره
……..

تدلف لمكتبه تحمل بطاقتها والصور التي طلبها منها..،تضعها أمامه وقد اوضحت لها السيدة سعاد سبب طلبه لهم..، فعلي ما يبدو أن عنتر أتم كل شئ معه وسيكون عقد قرانهم بالغد

– مش المفروض أقعد معاه الأول ونتفاهم يا بيه

رمقها جسار بنظرات هادئه مختلفة

– عايزه تقعدي معاه وتتفاهمي يا بسمه

اماءت برأسها بتوتر، تنظر إليه بتوجس بعدما نهض عن مقعده واقترب منها

– من حقي يا بيه

– فعلا من حقك يا بسمة

هتف بها متهكماً، و بملامح جامده كانت عيناه تتعلق باحد المقاعد

– اقعدي يا بسمه

طالعت بسمة المقعد وقد زاد توترها من نظراته التي باتت تشعر بغرابتها

– اقعد ليه يا بيه..

– مش عايزه تتفاهمي وتقعدي مع العريس

وبدهشة تسألت وهي تنظر حولها بالغرفة

– هو فين عنتر يا بيه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *