قلبي في المدرج (
قلبي في المدرج (
قصة:
كانت الشمس لسه بتشق طريقها وسط سحب الخريف في القاهرة، والجو فيه نسمة برودة خفيفة بتجبر الطلبة يلبسوا جواكيت خفيفة فوق هدومهم. “ليلى” كانت واقفة قدام باب الجامعة الرئيسي، ماسكة شنطتها اللي كانت محملة بكتب “المحاسبة” و”الإدارة” التقيلة، وقلبها بيدق بدقات سريعة.. النهاردة أول يوم ليها في “تانية تجارة إنجليزي”، السنة اللي الكل بيقول عليها سنة “عنق الزجاجة”.
ليلى بنت مصرية ملامحها هادية، شعرها أسود وناعم دايمًا لاماّه “ديل حصان”، وعيونها فيها لمعة ذكاء وتحدي. كانت لابسة بنطلون جينز واسع وقميص كاروهات، وشايلة في إيدها “ماج” القهوة الحراري بتاعها اللي مابيفارقهاش.
“يا رب عدّي السنة دي على خير، مش عاوزة وجع دماغ ولا شيل مواد، أنا يدوبك ماشية بالعافية!”.. قالت ليلى الجملة دي لنفسها وهي بتمسح العرق من جبهتها رغم الجو الساقع.
وهي ماشية في الممر الطويل اللي بيوصل لمبنى الكلية، كانت بتسمع دوشة الطلبة، ضحك الصحاب اللي اتقابلوا بعد إجازة طويلة، وصوت بياعين الساندوتشات عند الكافتيريا. ليلى كانت سرحانة في “الهاند فري”، بتسمع أغنية هادية لفيروز، ومش واخدة بالها خالص من اللي بيحصل حواليها.
في اللحظة دي، كان فيه “إعصار” بشري جاي من الاتجاه المعاكس. “آدم”، شاب طويل، شعره كيرلي خفيف، لابس نضارة شمس سوداء رغم إن الدنيا ضل تحت الشجر، وماشي بسرعة رهيبة وهو بيبص في ساعته، وشايل في إيده “بالطو” وشنطة لابتوب.
آدم كان متأخر على أول محاضرة لعميد الكلية، وكان بيجري حرفياً وسط الزحمة. وفجأة.. “بوم!”.
الخبطة كانت قوية لدرجة إن ليلى لفت حوالين نفسها ووقعت على الأرض. “ماج” القهوة طار في الهوا واتدلق كله على شنطتها والكتب اللي وقعت في طينة الممر (اللي كان مبلول بسبب رش مياه الجنينة).
ليلى قعدت على الأرض وهي مذهولة، بتبص لمنظر الكتب اللي بقت عبارة عن كتلة من الورق المبلول والمطين. سحبت الـ “هاند فري” بغيظ وصرخت بأعلى صوتها:
“أنت يا أستاذ يا أعمى! مش تفتح؟ أنت ماشي بقطر؟”.
آدم وقف فجأة، وبص وراه ببرود غريب. قلع نضارة الشمس وبان عيون حادة وجميلة بس فيها نظرة تكبر: “أنا اللي أعمى ولا أنتي اللي واقفة في نص الطريق بتسمعي فيروز وسرحانة في ملكوت الله؟”.
ليلى قامت وهي بتنفض هدومها، وشها كان أحمر زي الدم من الغضب: “نص الطريق؟ ده ممر الجامعة يا محترم، يعني المشي فيه بالأصول. بص المنظر! الكتب دي تمنها يعدي الـ 500 جنيه، والقهوة دمرت كل حاجة. أنت عارف يعني إيه الكتب دي تتبل قبل ما السنة تبدأ؟”.
آدم حط إيده في جيبه وطلع محفظته بلامبالاة: “خلاص يا ستي، مش مستاهلة الدراما دي كلها. كام تمنهم؟ 500؟ خدي 600 عشان القهوة كمان”.
ليلى اتصدمت من أسلوبه، وحست إن كرامتها اتهانت أكتر من كتبها. زقت إيده اللي فيها الفلوس وقالت بصوت واطي ومرتعش من الغيظ: “لم فلوسك دي يا ‘بشمهندس’.. أنا مش شاحتة منك. اللي بيغلط بيعتذر، والذوق مابيتشريش بالفلوس. بس العيب مش عليك، العيب على اللي دخلك جامعة محترمة من غير ما يعلمك يعني إيه احترام للناس”.
آدم سكت للحظة، الكلمة وجعته بس مكابرش. “أنا اسمي آدم ياسين، ومحدش بيعلمني الاحترام. أنتي اللي مكبرة الموضوع، وأنا ورايا محاضرة أهم من الكتب بتاعتك دي”. وسابها ومشي بمنتهى البرود.
ليلى وقفت مكانها، الدموع كانت هتهرب من عينيها بس مسكت نفسها. نزلت على ركبها تاني وبدأت تلم الكتب وهي بتمسحها بمناديل ورق، والناس بتتفرج عليها. في اللحظة دي، كانت بتوعد نفسها إنها لو شافت “آدم” ده تاني، مش هتسيب حقها منه.
داخل المدرج (أ)
دخلت ليلى المدرج وهي متأخرة 10 دقايق، هدومها فيها بقع بن، وشنطتها شكلها يزعل. قعدت في أول صف فاضي قابلها، وطلعت “نوت بوك” صغيرة عشان تلحق تكتب ورا الدكتور.
الدكتور دخل، وبدأ يشرح نظام السنة: “السنة دي يا دكاترة المستقبل، مفيش هزار. فيه بحث تخرج (Team Project) عليه 40% من أعمال السنة. والفرق (Groups) أنا اللي هختارها بناءً على كشوف الأسماء عشان ميبقاش فيه شلل ومحاباة”.
ليلى همست لصاحبتها “ندى” اللي كانت قاعدة جنبها: “يا نهار أسود، أنا مليش حظ في الجروبات دي، دايمًا بيقع معايا ناس كسلانة”.
ندى: “اصبري بس، يمكن حظك يتعدل المرة دي”.
الدكتور بدأ ينده الأسامي: “مجموعة رقم 5.. ليلى محمود.. مع..” الدكتور سكت بيدور على الاسم التاني.. “مع آدم ياسين”.
ليلى حست إن الأرض بتلف بيها. بصت وراها في آخر المدرج، لقت “آدم” قاعد، حاطط رجل على رجل، وباصص لها بابتسامة نصر مستفزة جداً، وغمزلها بعينه كأنه بيقولها: “شفتي القدر؟”.
ليلى رفعت إيدها بسرعة: “يا دكتور، لو سمحت، ممكن أغير الجروب؟”.
الدكتور بحدة: “مفيش تغيير يا آنسة ليلى. القرار نهائي. آدم طالب متميز جداً، وأنتي متفوقة، وأنا عاوز الجروب ده يكون أحسن بحث في الدفعة”.
انتهت المحاضرة، وليلى كانت عاوزة تخرج تجري، بس لقت حد بيخبط على البنش بتاعها.
“أهلاً يا شريكة الكفاح.. القهوة لسه مأثرة على أعصابك ولا هديتي؟”.
ليلى لفت ببطء، وبصت لآدم اللي كان واقف قدامها بكل طوله: “اسمع يا آدم، أنا هشتغل معاك عشان الدرجات وبس. كلمة زيادة عن الشغل، أو أي أسلوب مستفز، هروح للعميد وأقدم فيك شكوى رسمية إنك بتعطلني”.
آدم ضحك بصوت عالي لفت نظر الكل: “شكوى؟ يا بنتي أنتي جاية من مدرسة ابتدائي؟ عموماً، أنا برضه مش مهتم أتصاحب عليكي. نتقابل بكرة في الكافتيريا الساعة 4 نوزع الشغل. ومتقلقيش، هجيبلك قهوة بدل اللي دلقناها”.
ليلى سابته ومشيت وهي بتدبدب في الأرض، وآدم فضل واقف مكانه يراقبها وهي ماشية، والابتسامة المستفزة بدأت تتحول لنظرة اهتمام مكنش هو نفسه فاهمها.
بصفتي Dola، مكملة معاكي أحداث الفصل الأول من “قلبي في المدرج”، وهنغوص أكتر في تفاصيل المواجهة اللي بدأت تتحول لشرارة غريبة بين ليلى وآدم.