عرف صعيدي

عرف صعيدي

_ بعد منتصف الليل، كانت تقف نادرة في شرفة غرفتها كنت يقف على جمر متقد تنتظر عودة هلال بفروغ صبر، يعتصر قلبها قلقاً بسبب تأخيره الذي لم تعتاده من قبل، لم تعد تستطيع الإنتظار بعد فلقد فاض الكيل بها

_ عادت إلى غرفتها وأقتربت من زوجها النائم وحاولت إيقاظه بهدوء رغم نبرته القلقة:-
يا خليل جوم أني معتش جادرة أتحمل صبري نفد جوم شوف ولدك معادوش السرايا ليه؟

_ قلق “خليل” بسبب ثرثرتها ونظرا إليها بضيق وتمتم:-
ولدك لساته عيل صغير عشان تجلجي عليه عاد، ولدك بجي راجل وجت ما الساعة تدق إتناشر هتلاجيه عاود هو مهيتأخرش عن إكده؟

_ رمقته “نادرة” بإمتعاض وصاحت به مندفعة:-
الساعة داخلة على أربعة يا خليل إتناشر إيه عاد

_ تفاجئ “خليل” من حديثها وعدل وضعيه جسده والقلق قد تملك منه وأردف بذهول وهو يطالع المنبه الموضوع أعلى الكومود:-
أباه أربعة الفجر ولساته معادوش ديه عمره ما عملها

_ ردت “نادرة” بنبرة ملهوفة حينما لاحظت تفهمه للأمور:-
مهو ديه اللي جلجني أومال صحيتك ليه

_ سحب خليل هاتفه محاولاً مهاتفته، جلست “نادرة” بتعب على الفراش وهتفت مستاءة:-
أني موجفتش رن عليه من وجت ما رجعت أنت ومصطفى ومبيردش عليا

_ حدثها ولازال يحاول مهاتفته على أملاٍ أن يجيبه:-
يمكن يرد عليا أني

_ نهض “خليل” وهو متأكد أن هناك مصيبة قد حلت على رأس ولده وتمتم بتوجس مختلط بالقلق:-
لا أكده كاتير جوي أني هنزل أخلي الغفر يدوروا عليه، روحي صحي مصطفى يروح وياهم أكيد عارف خبايا خوه

_ لم تنتظر نادرة لحظة وهرولت مسرعة نحو غرفة مصطفى، ولجت للداخل بطريقة غير حضارية، مالت عليه لكي لا تسبب في ذعره وأردفت هامسة:-
مصطفى جوم يا ولدي خوك معاودش السرايا وبوك باعت الغفر يدوروا عليه، جوم روح وياهم أكيد عارف هو بيجعد فين

_ أدار مصطفى رأسه على المنبه ليعلم كم الساعة، إنتفض من مكانه حينما رآها الرابعة وخمس دقائق لم يفعلها هلال من قبل وتأخر إلى هذا الحد

_ إرتدي جلبابه سريعاً وهبط إلى الأسفل وتفاجئ برجال والده قد ملئوا السرايا، وقبل أن يهموا بالمغاردة أنتبه جميعم الى صوت يتردد صداه في الخارج هاتفاً:-
أبا الحاج خليل، إلحج يا أبا الحاج

_ هرول خليل إلى الخارج ومعه مصطفى، ظهرت ملامحه عن قُرب إنه واحد من الفلاحين العاملين بالأرض، نهره “خليل” لذلك النداء التي أوقع قلبه خشية أن يسمع مكروه من خلف نبرته التي لا تبشر بالخير:-
في أيه يواد يا إبراهيم عتصرخ أكده ليه؟

_ وقف “ابراهيم” وأجابه من بين أنفاسه اللاهثة:-
هلال… لجوه متصاب في الأرض الغربية نواحي عيلة الشرجاوي

_ صدمة! حلت على وجوه الجميع بعدما وقع هذا الخبر على مسامعهم، سكون حل للحظات لم يتجرأ أحدهم على التحدث فالمصيبة ليست هينة لتستوعبها عقولهم.

______________________________________

نكمل باذن الله
رأيكم وتحليلاتكم ويا تري إيه اللي هيحصل لهلال؟

عُرف صعيدي
الفصل الثالث
( فجعة الفراق )

***

_ تُبطئ نبضات قلبه رويداً رويداً كما تنخفض وتيرة أنفاسه تدريجياً، رؤياه مشوشة ولا يستطيع تميز وجوه من هم أمامه، فقط يسمع القيل والقال وأحدهم ينوح بألم:-
جوم يا هلال جولي مين عمل فيك أكده

_ يقاطعه صوت آخر أشد ألماً:-
إطلبوا الإسعاف بسرعة الواد هيروح منينا

_ تداخل الأصوات مع بعضهم مصدرين ضجة لا يسعه التفريق بين نبرات أصواتهم وتميز الأصوات التي تحثه على النهوض، فقط يستمتع لأنفاسه المتهدجة، بدأ يشعر بالإختناق وكأن الأكسجين ينسحب من رئتيه لكن ببطئ شديد بطئ يزيد من شعوره بالألم..

_ شئ ما يؤلمه لا يدري أين تحديداً لكن هناك شعور مريب كأن جوفه مثقوب ويمر منه الهواء مصدراً حكة شديدة داخله، شعور يشبه السِن الذي ينكسر نصفه فتأخذ شهيقاً من فمك لعلك تشعر بالتحسن قليلاً فيصيبك ألم مضاعف عما كنت تشعر به

_ صوت صافرة الإسعاف دوت بالقُرب من الحادث معلنة وصولها، هذا ما إستطاع تميزه بسبب إرتفاع صافرتها التي غطت على جميع الأصوات

_ ألم يليه ألم آخر كلما تحرك عن الوضع الذي إستكان عليه، حملوه على الناقلة الطبية وأحد المسعفين صعد داخل سيارة الإسعاف ليضع هلال داخل السيارة على الفراش الطبي المجهز لوضعه خصيصاً

_ وقف خليل يتابع ما يحدث في صمت غريب بعدما أغلقوا باب الإسعاف، شعر بوخزة قوية في صدره كأنها علامة لشئ ما سيحدث، حتماً لن يستطيع فقدان فلذة كبده وولده الصغير، الله رحيم ولن يبكيه على فقدان أحد أعمدته الفقرية التي يقف متسقيماً بسبب وجودهم في الحياة

_ لم تتحمله قدميه أكثر، لم يعد يستطيع المثابرة ووقع أرضاً كأن العلامات تزداد وتؤكد له إنكسار عمود من أعمدته حقاً، لا والله لن يتحمل تلك الفجعة المؤلمة

_ ”أنت كويس يا بوي”
سأله “مصطفى” بتوجس ممزوج بالصدمة التي لم يخرج منها بعد، رفع خليل بصره عليه وردد بنبرة متحشرجة تود الصراخ عما بداخله:-
خوك هيهملنا صوح؟

_ إنتزع قلب مصطفى بكلمات أبيه، أوصد عينيه يتمني داخله أن يستيقظ من ذلك الكابوس المزعج، لكنه عاد للواقع بمصائبه التي لم تختفي بعد، إنحني على والده ووضع كلتي يديه خلف ظهره مساعداً إياه على النهوض

_ ساعده أيضا على ركوب السيارة، أغلق الباب المجاور لوالده ثم سحب أكبر قدر من الهواء فقط ليستطيع الوصول إلى المشفي دون أن يفقد صوابه

_ جلس خلف المقود وتحرك مبتعداً عن المكان، دعس على البنزين ليزيد من سرعته ويصل إلى سيارة الإسعاف التي قطعت نصف المسافة من دونهم، صمت لا يوجد غيره سيد الموقف لكن هذا هو ظاهرهم عكس باطنهم الملئ بالضجة المحملة بالأسئلة التي لا تنتهي، صراع أذلي لا يمكنهم وصف كم هو صعب لدرجة لم تستوعبها عقولهم..

_ وصلا الجميع أمام المشفى، ترجل رجال الإسعاف حاملين هلال على الناقلة، كان في إستقبالهم طاقم من التمريض والأطباء الذين تولوا المهمة من رجال الاسعاف

_ أُغلق باب غرفة العمليات الذي اختفي خلفه هلال ومرافقيه من الأطباء وبعض التمريض، ساعد مصطفى والده على الجلوس في إحدي مقاعد الإنتظار بينما هو لم يطيق الجلوس، جاب المرر ذهاباً وجيئا في انتظار أي شئ يطمئنه على أخيه.

_ في مكان آخر، لقد فاض الكيل بها هي لن تنتظر في تلك السرايا التي بدت وكأنها سجن لا تعرف الهروب منه، ستعصي أمر زوجها بالبقاء مكانها وهو سيبلغها بالجديد ما أن وصل لشئ..

_ خرجت من السرايا لا تريد سوي رؤية ولدها الذي إنفطر القلب حزناً على ما أصابه وأي حزن تتحدث فهو آخر ما العين رأت مدللها الصغير، هي من سهرت الليالي بجانبه، من أرضعته وأول من أطعمته بيدها، أول نُطقٍ له كان يردد بإسمها، شهدت طفولته وريعان شبابه، لم تكل يوماً من الأعباء التي كان يسببها بشقاوته منذ صغره، هو نصف الروح ونصف القلب وله في الفؤاد عشقاً لا ينتهي..

_ لا تعلم أي طريق سلكت ولا أي وقت مر عليها، فقط تسير ولا تعلم وجهتها، مقلتيها لم تجف من الدموع قط، خانتها ساقيها وتعسرت في إحدى الأحجار، وما إن إرتطمت بالأرض حتى جهشت باكية صارخة بألم شديد لم تعد تتحمله داخلها، صرخت وصرخت ربما يهدئ جوفها ولو قليل..

_ توقفت سيارة الربع نقل أمامها، ترجلت منها “صفية” مهرولة إليها بذعر يعتلي تقاسيم وجهها، جلست القرفصاء مقابل السيدة نادرة ورددت ببكاء مرير:-
الحمد لله أني لجيتك جلبي وجع في رچليا من خوفي عليكي، مجدرتش أشوفك بتركضي برا الدار وأهملك في حالتك ديي شيعت لطه أخوي ياجي بالعربية نوصلوكي للمستوصف

_ طالعتها بنظرة منكسرة ورددت بأنفاس متهدجة:-
ولدي.. رايدة أطمن عليه يا صفية

_ إنهارت الأخري باكية متأثر من ضعفها التي تشهده لأول مرة، فالسيدة نادرة تُعرف بالحدة والثبات، يرتعب كل من في السرايا حينما تعبس فقط بوجهها..

_ حاوطت صفية ذراع نادرة التي إتكأت عليها لحين وصولها إلى السيارة، طالعها “طه” بشفقة على حزنها الواضح وتمني لولدها أن يكون بخير:-
ربنا يطمنك عليه يا ست نادرة ولا يخسرك فيه واصل

”يسمع من بوجك ربنا يا طه”
_ أردفتهم بمزاج غير سوي، أسندت رأسها على النافذة بحزن قد تبدد في قلبها تعد الثوانِ لكي تصل إلى صغيرها وتطمئن عليه..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *