عرف صعيدي
عرف صعيدي
لم يطيق هلال الجلوس في أي مكان يوجد به أشخاص يعرفهم، لم يكن أمامه سوي الهروب إلى ذلك المقهي في أخر البلدة لعله ينفرد بذاته قليلاً ويعيد ترتيب أفكاره التي تشتت فجاءة.
_ لما لم يفعلها وفضل رمقها بنظراته بدلاً من إكماله ما كان في نوياه، أنها حقوقه وليس حرام إن اخذها بالقوة، لكنه لا يريد تلك القوة، إن لم يكن بكامل رضاها فلا يعنيه الأمر
_ إذاً لما يشعر بالاختناق وكأن أحدهم يطبق على صدره، أنتبه هلال لدخان الأرجيلة التي ترتطم في وجهه، إذاً ضيق صدره من خلف تلك الأدخنة السامة
_ وجه بصره تلقائياً على صاحب الأرجيلة وتفاجئ به، إنه طاهر إبن عم ورد، وقف “هلال” وهتف بنبرة محتقنة:-
نفث دخانك إبعيد عني يا طاهر مناجصش خنجة
_ رفع “طاهر” عينيه عليه بتهكم وردد بجمود:-
لا هنفثوا في الحتة اللي تريحني
_ أوصد “هلال” عينيه لبرهة وهو يحاول كبح غضبه داخله قدر المستطاع وحدثه بهدوء:-
يا أخي هتخسر إيه؟ دخانك مضايجني لف نفسك وطلعوا بعيد عني
_ حرك طاهر رأسه برفض تام، هو يكرهه ويحقد عليه لأنه سارق، لقد سرق حلم حياته لطالما تمني أن تكون زوجته هو وليست زوجة ذلك البغيض، وها قد جائت الكرة في ملعبه الأن عليه أن يركلها جيداً ويجلس يستمتع بمضايقته ..
_ أخذ نفساً عميق من أرجيلته ثم رفع رأسه ونفث دخانها بالكامل في وجه هلال، تفاجئ الآخر من فعلته التي سببت له سعال شديد، لم يشعر بنفسه سوي وهو يركل الأرجيلة بقدمه حتى حطمها إلى أشلاء تناثرت بقاياها في زوايا مختلفة..
_ إنتفض طاهر من مكانه وطالعه بنظرات احتقاريه مشتعلة، لقد جنى هذا الهلال على نفسه، إنقض عليه وأمسكه من تلابيب جلبابه مندفعاً به:-
أنت مين عشان تتجرأ وتعمل إكده معايا أني، والله لأجتلك وأشرب من دمك
_ أمسك هلال يدي طاهر يحاول أن يبعده عنه وعندما فشل لكمه بكل ما أوتي من قوة على وجهه فسالت الدماء من فمه
_ إجتمع كل من في المقهي حولهم محاولين فض الإشتباك بينهم لكن قوتهم لم ينجح أحد قبالتها، خرج عامل المقهي بعيداً عن تلك الضجة وهاتف مصطفي لكي يخبره بما يحدث..
_ أجابه “مصطفي” بعد عدة دقائق بنبرته الرخيمة:-
أيوة يا مدحت فيه حاجة؟
_ رد عليه بنبرة سريعة يخبره بما يحدث:-
خوك بيتعارك مع طاهر وِلد حمدان المنشاوي واتنياتهم غرجانين في دمهم ومحدش عارف يفض بيناتهم واصل
_ إنتفض “مصطفي” من مكانه وردد بنبرة قلقة:-
أني جاي حالاً وحاول تفض بيناتهم على لما أوصل
_ رد عليه “مدحت” مختصراً:-
ماشي
_ هرول مصطفي إلى الخارج وهبط الأدراج في درجة واحدة مما أثار قلق خليل ونادرة، فسأله “خليل” بقلق قد تغلغل إلى قلبه:-
هتركض إكده ليه يا مصطفي فيه مصيبة حوصلت ولايه؟
_ أماء له مصطفي مؤكداً سؤاله وأخبره مكالمة مدحت له، هرول خليل خلف ولده وأمر شيخ الغفر ورجاله أن يسبقوه إلى ذلك المقهي، وقفت السيدة نادرة على باب السرايا تضر*ب رأسها بيدها تارة وعلى صدرها تارة أخري متمتمة بتوجس شديد:-
جيب العواجب سليمة يارب، محلتيش غيرهم متخسرنيش فيهم واصل
_ لم تستطيع الدخول قبل أن تطمئن برؤية هلال بخير أمامها وفضلت المكوث على عتبة الباب، رافقتها صفية لعلها تنجح في تهدئة روعها ولو قليلاً..
***
_ ترجل مصطفي من السيارة وتبعه خليل مهرولين داخل المقهي، تفاجئوا بالدماء التي تسيل من كلياهما، إقترب منهم مصطفى وشكل حاجز بينهم لكي يفض تلك المشاجرة ويمنعهم من الوصول إلى بعضهم مرة أخري، ساعده بنيان جسده الضخم على فض الإشتباك بينهم وإبعادهم عن بعض
_ هنا جاء دور “خليل” وهو يعاتبهم بصوته الجهوري:-
ولا العيال الصِغيرة اللي ماسكين في خناج بعض، أومال لو مكنش بيناتكم نسب كنتوا جتلتوا بعض على أكده؟
_ أخذ “خليل” نفساً عميقاً وتابع حديثه متسائلاً:-
فهموني إيه اللي حوصل عشان متزعلوش مني إتنيناتكم
_ مسح “هلال” الدماء التي تسيل من فمه وأنفه ونظر إلى طاهر بغيظ عارم وردد بغضب شديد:-
جليل الرباية بصحيح
_ نهره والده معاتباً:-
إتحشم يا هلال وجولي إيه اللي حوصل بدل الحديت الفارغ اللي ممنوش فايدة ديه
_ بصق “هلال” أرضاً ليخرج الدماء المتبقية في فمه ثم مسح بأنامله على فمه وقصى لوالده ما حدث:-
جولتله ينفث دخانه بعيد عني وهو جل أدبه معايا ونفثه في وشي وعينه في عيني كانه بيجول شكل للبيع وأني نولتله مراده
_ صغي “خليل” من ولده وجاء دوره في إستمتاعه لطاهر، صوب نظره عليه وسأله باستفسار:-
الكلام ديه صوح يا طاهر ولا فيه حديت هلال مخبرنيش بيه
_ وزع “طاهر” أنظاره بين الجميع وأجاب خليل وهو منكس الرأس بخذي:-
صوح يا عمدة
_ شعر خليل براحة داخله حينما علم أن ولده من لم يبدأ بالمشاجرة، تنهد وأردف بنبرة صارمة:-
كنت هطلبوا منك يا طاهر تعتذر منيه بس اللي شايفه جدامي واللي عملتوه في بعض هجبركم تعتذروا إتنيناتكم لبعض
_ إعترض “هلال” قرار والده:-
بس يا بوي هو اللي غلطان
_ تدخل “مصطفى” بنبرته الآمرة:-
إسمع حديت بوك يا هلال ومتلاوعش
_ كز “هلال” على أسنانه بغضب ثم نظر بعيد عن الجميع وردد بعدم قبول لأمرهم:-
أني أسف
_ وجه “خليل” نظره إلى طاهر وأمره هو الآخر بنبرة حادة:-
وأنت يا طاهر اعتذر
_ نظر طاهر إلى هلال ببغض شديد، يتمني المو*ت بدلاً من ذلك الإعتذار الذي سيقدمه لذلك البغيض، فتح فاهه وأخرج إعتذاره على مضضٍ:-
أسف
_ ما أن أنهي جملته حتى غادر المقهي سريعاً، لا يريد أن يري أحد في تلك الأثناء، نظر “خليل” إلى مدحت بندم وهتف بشموخ:-
حساب الحاجات اللي اتكسرت ديي عندي
_ رد عليه “مدحت” ممتناً:-
ربنا يخليك يا عمدة
_ إنسحب خليل وتبعه مصطفي و”هلال” الذي رفض أن يركب معاهم السيارة موضحاً:-
هعاود السرايا مشي رايد أكون لحالي هبابة
_ أنهي حديثه وأولاهم ظهره قبل أن يستمع لرفض أحدهم، لعن تلك الزيجة التي كانت السبب لما وصل إليه والأدهي إعتذاره من ذلك السخيف..
_ مر بجوار منزل حمدان، توقفت قدماه أمام البوابة تلقائياً، يريد محادثته مرة أخري لعله يقنعه تلك المرة، لكن ماذا عن تحذيره وتهديده له في الصباح؟!
_ حتماً أنه تهديد ليس إلا، لا يمكنه #بتلك السهولة التي تحدث بها، أخذ شهيقاً وأخرجه بتمهل ثم عزم أن يحادثه كما أنه لن يخرج من ذلك المنزل إلا مجبور بإستعادة حقوق ورد أو جثة هامدة!
_ قرع الجرس وإنتظر قليلاً حتى ظهر حمدان بنفسه، إبتسم له بتهكم مرحباً بحفاوة زائفة:-
يا مرحب يا مرحب شوفتك ولا الجمر يا هلال إتفضل
_ ولج هلال خلفه فاستقبله “حمدان” في غرفة الضيافة متسائلاً:-
تحب تشرب حاجة؟
_ حرك هلال رأسه رافضاً وبدأ حديثه مباشرةً:-
أني مش جاي أضايف أني جاي أرجع حج مرتي منيك يا حمدان
_ رفع “حمدان” حاجبيه للأعلي لتلك الجرأة التي يتحلي بها وردد مبدي إعجابه به:-
واه واه جرأتك مجوية جلبك يا ولد العمدة
_ سار نحوه إلى أن إلتصق به ونبرته الهادئة تحولت تدريجياً إلى نبرة حادة عنيفة:-
شكل تهديدي مفرجش معاك وفكرت إني بهزروا ، بس أني جلبي طيب لو مخرجتش من إهنه في اللحظة اللي هخلص فيها حديتي صدجني هنفذ تهديدي
_ لم تهتز خصلة لهلال تظهر تأثره بحديثه، إنحنى بقرب أذنه وهمس له بنبرة حادة رغم هدوئها:-
أني مهمشيش من إهنه غير وورج الأرض معايا
_ إعتدل هلال في وقفته ووضع كِلتى يديه خلف ظهره في إنتظار تنفيذ طلبه، إرتفعت أصوات ضحكات حمدان على شخصية هلال التي أعجب بها كثيراً وخصوصاً تلك الثقة التي يحادثه بها ..
_ إبتعد عنه وفتح خزانته التي تتوسط الغرفة وسحب سلاحه المرخص وصوبه نحو هلال قائلاً:-
أني حذرتك…