عرف صعيدي
عرف صعيدي
_ رفع طرف جلبابه ووضعه في فمه، أمسك بالفأس وظل يحرث الأرض بقوته التي يمتلكها، هرول نحوه أحد الفلاحين قائلاً:-
سيبه من يدك يا باشمهندز إحنا نحرثوا الحتة ديي
_ مسح “مصطفي” حبات العرق التي تجمعت علي جبينه ثم أجابه وهو يُكمل عمله بأنفاس لاهثة:-
عاود لشغلك يا مناع أني اللي هحرث الحتة ديي
_ أعترض “مناع” بإصرار:-
أرتاح أنت يا باشمهندسز وإحنا..
_ قاطعه “مصطفي” بتجهم وصاح به هدراً:-
جولتلك عاود لشغلك هملني لحالي
_ إنسحب مناع من أمامه بهدوء بعد أن تلقي عاصفة غضبه، بصق مصطفي أرضاً ومسح فمه بأصابعه ثم عاد لعمله مرة أخري
_ انتهي من حرث الأرض بعد عدة ساعات دون أن يكل فهذا عمله الذي إعتاده، ألقي بالفأس أرضاً وتوجه نحو الشجرة التي تبعده مسافة بسيطة، جلس أسفل ظلها لينعم ببعض الراحة ..
_ أسند رأسه علي جزع الشجرة وأوصد عينيه بتعب شعر به في ثائر بدنه عندما إرتخت عضلاته، شعر بظل حائل لضوء الشمس وقف أمامه فجاءة، فتح نصف عين وإذا به عامله ..
_ نظر إليه متسائلاً بنبرة مبحوحة بسبب جفاف حلقه:-
محتاچ حاجة يا مناع؟
_ مد له “مناع” يده بالقارورة الفخارية هاتفاً:-
بِل ريجك بشوية ميه أكيد عايز ترتوي
_ أماء له مؤكداً حديثه وأجابه ممتناً:-
متشكر جوي يا مناع أني فعلاً كنت عطشان
_ بادله مناع إبتسامة ودودة ثم انسحب من أمامه دون زيادة في الحديث، لحق به “مصطفي” قبل أن يهم بالمغادرة وأردف بنبرة نادمة:-
متزعلش مني إكمني إتعصبت عليك بس كنت مخنوج شوية
_ قابله “مناع” ببسمة لم يستطيع مصطفي تفسيرها وأجابه دون تكليف :-
يا باشمهندز أنت كيف أخوي الصغير مزعلش منيك واصل
_ نهض مصطفي من مكانه وربت على كتفه ممتناً له، صوب مصطفي بصره على عديمة الشرف التي تقف تتمايل بجسدها ناهيك عن أصوات ضحكاتها التي تعلوا في المكان، كز أسنانه بغضب وعزم بألا يصمت تلك المرة هي الجانية على روحها ..
***
هرول بخطى سريعة نحوهم إلى أن وصل إليهم، لم ينتظر لحظة حتى إنفجر بها بعصبية:-
أنتِ جاية تعملي إيه إهنه يابت إنتِ؟، أني ساكت كرامة للنسب اللي بينا لكن الموضوع زاد عن حده جوي وإن شوفتك إهنه تاني لنادي بوكي يجي يشوف بته اللي ماشيه على حل شعرها
_ إتسعت مقلتيها بصدمة كبيرة وأردفت متوسلة إليه:-
لاه لاه بوي لاه أني مهاجيش إهنه واصل، بالإذن
_ ركضت مبتعدة عن كليهما بينما ردد مصطفي بتذمجر:-
إذنك معاكي يختي، الله يحرجك ما طرح ماتروحي
”بجا توجف حالي اكده مكنش العشم يا صاحبي”
_ هتف بهم صديق مصطفي ساخراً بينما أدار “مصطفي” بصره نحوه وملامحه لا تبشر بالخير واندفع فيه:-
المسخرة ديي متتكررش تاني إهنه يا ضيف، راعي يا أخي إن ليك أخوات بنات، ترضي حد يتسلي بيهم كيف ما بتعمل إكده
_ إحتدت ملامح “ضيف” بضيق شديد حينما رفض عقله فكرة أن يتلاعب أحدهم بشقيقتيه وهاجم مصطفي بحديثه:-
كنت جتلته وشربت من دمه
_ ضيق “مصطفي” عينيه عليه مضيفاً لحديثه:-
شوفت متجبلتش الفكرة كيف، شوف بجا لو طاهر أخو البت ديي عرف! يبجي حلال أنه يجتلك ويشرب من دمك
_ قاطعه “ضيف” بعدم تقبل لتلك المقارنة الوضيعة:-
بتقارن مين بمين عاد إيش جاب صباح بت حمدان لأخواتي!!
_ حرك “مصطفي” رأسه مستنكراً حديثه وأردف بنفاذ صبر:-
بجولك ايه اني معاود للسرايا مش فايج لك
_ لحق به “ضيف” قبل أن يبتعد عنه مشكلاً إبتسامة على محياه وردد:-
ما تيجي أجوزك أختي، هلاجي أحسن منيك فين تبجي من نصيبه؟
_ قهقه “مصطفي” عالياً وأردف من بين ضحكاته:-
بدلل على اختك يخربيت عجلك الزنخ ديه، شوف يا ضيف أني جولتها لأمي وهجولهالك يمكن تحلوا عني إتنيناتكم، أني مش هتجوز واحدة أتعرف عليها يوم الدخلة كيف عُرف الجبلاوية وعُرف معظم أهالي البلد هي مش بطيخة يا صاحبي إما تطلعوا حمرا وإما جارعة وأني المفروض أرضي وأجول نصيبي
_ رفع “ضيف” حاجبيه للأعلي متعجباً من حديثه وردد بعدم إستيعاب:-
علي إكده مش هتتجوز واصل يا صاحبي
_ أماء له “مصطفي” بتأكيد قائلاً:-
لما يبجوا يطبجوا شرع الله ويسمحوا بالرؤية الشرعية وجتها تقدر تبارك لي والوقتي أني همشي عشان هلكان من صباحية ربنا وأني شغال
_ لوح له “ضيف” بيده ساخراً من تشبياته الغريبة:-
مع السلامة يا بتاع البطيخ
_ ظهرت شبه إبتسامة على ثغر مصطفي لم تتعدى شفاه بسبب سخرية ضيف المستمرة التي تزيده تمسك فيما يريد ..
***
“هلال” جوم يا هلال الباب عيخبط
_ أردفت بهم ورد بنبرة هادئة، فتح الآخر عينيه وتفاجئ بزرقاوتاها ترمقه، تقوس ثغره بإبتسامة عفوية لم يقصدها ..
_ تعجبت “ورد” من إبتسامته وتابعت حديثها مندفعة:-
هتجعد تبحلج فيا وتسيب اللي عيخبط دييه واجف برا كاتير
_ أعتدل هلال من نومه ثم نهض متوجهاً نحو الباب، فتحه وإذا بها والدته التي عاتبته لتأخيره:-
كل ديه علي لما تفتحتوا الباب، الخلج كلاتها مستنظراكم تحت
_ عقد “هلال” ما بين حاجبيه وسألها مستفسراً:-
ناس مين اللي مستنظرانا؟
_ أجابته “نادرة” موضحه ذلك العُرف السائد لديهم:-
جرايبنا جايين يباركوا ويهنوا
_ إرتخت ملامح “هلال” بتهكم وقال بفتورٍ:-
مش باركوا وهنوا إمبارح في الفرح ولا هما خلج فاضية وموراهمش غيرنا عاد
_ نهرته السيدة “نادرة” بإنفعال شديد:-
ديه عُرف وتجليد معروف وكل أهل البلد إبيعملوه بعد الفرح بيوم
_ أزفر أنفاسه بضجر بائن ثم أماء برأسه مردداً بنبرة تريد الخلاص:-
حاضر ياما هنجهزوا وننزلوا وراكي
_ شكلت “نادرة” إبتسامة على ثغرها وأولاته ظهرها لكنها عاودت النظر إليه مرة أخري وقالت:-
جول لورد تتزين وتتعطر وتلبسوا أحلي عباية عنديها عشان هتجعد وسطيهم من غير وشاحها
_ أماء لها بالقبول ثم أغلق الباب بعد أن إختفت والدته من أمامه، بحث عن ذات الزرقاوتين لكي يخبرها بما قالته والدته لكنه لم يراها ، أين اختفت فجاءة، لم يكن أمامه سوي منادتها بصوته الرخيم:-
ورد روحتي فين، أمي عتجول في ناس عايزين يباركولنا وبتجولك اتزيني و..
_ صمت حينما رآي طيفها يظهر من خلف باب المرحاض، خفق قلبه بشدة لذاك الجمال الرباني، لقد حررت خصلاتها الناعمة الطويلة ذات اللون الأسود الداكن التي يليق مع بشرتها الحليبية، ناهيك عن وضعها لأحمر الشفاه مع مورد الوجنتين، كحلت عينيها فاندمجت مع أهدابها الكثيفة منتجين أجمل عيون فسبحان الذي خلق وأبدع
_ إبتلع هلال لعابه الذي سال على فمه وهو ينظر إليها بتفحص شديد، أخفض بصره على تلك العباءة ذهبية اللون المطرزة من جميع جوانبها، لم يكف قلبه عن النبض بصورة مضطربة، رغبته في التقرب منها وجعلها إمرأته تزداد بداخله، كم تمني أن ترأف بمشاعره التي فاضت به ..
_ ردد متسائلاً وعينيه لم تُرفع عنها:-
لحجتي تعملي كل ديه ميتي؟
_ إقتربت منه “ورد” بثبات وأجابته قائلة:-
أني شوفت الحريم وهما عيدخلوا السرايا وعرفت أنهم جاين يباركوا لنا وچهزت حاچتي عشان منتأخروش عليهم وتبجي عيبة في حجنا
_ أغمض الآخر عينيه وردد بعدم تصديق:-
بالله عليكي بتفكري فيهم ومعتفكريش فيا!!
_ لم تكترث لحديثه كأنه لم يردده من الأساس، أخذت وشاحها من خزانتها ثم إرتدته سريعاً ونظرت حيث يقف هلال:-
هتفضل تبحلج فيا كاتير هِم بينا ننزلوا
_ خرج هلال من شروده بها وإرتدي جلبابه ورافقها إلى الأسفل، تعالت الزغاريد في السرايا حينما رآهم الجميع، جلسوا جميعاً في غرفة الضيافة حتى تكون ورد على راحتها أكثر من دون وشاحها ..
_ تلقوا المباركات والتهنيئات من الجميع، صغى هلال لأحاديث كثيرة من الحاضرين وكانوا حافزاً له بأن يأخذ أولي خطواته إتجاها مثل:-
‘ صبرت ونولت يا هلال ‘
‘ عروستك كيف الجمر ‘
‘ أم عيون زرقا خطفت إبننا مننا ‘
‘ أني لو مكانك مههملهاش واصل ‘
_ كلماتهم كانت تحمسه وتشعره بالفخر لكون زوجته جميلة إلى هذا الحد وهو فقط من يتمتع بهذا الجمال، لكن يا حسرتاه هو إلى الأن يتمني فقط لا يفعل شئ سوي التمني، لكن بالتأكيد لن يصبر على تلك السخافات التي وضعتها ورد وسينهيها هو تلك الليلة ..
_ في الخارج، ولج مصطفي داخل السرايا وتعجب من تلك الضجة التي تملأ المكان من حوله، بحث بعينه علي أحد ربما يعلم منه ما الذي يحدث إلى أن وقع بصره على صفية التي تخرج من المطبخ حاملة صنية عليها كل ما لذ وطاب
_ عقد ما بين حاجبيه متسائلاً بفضول:-
وااه كل ديه لمين يا صفية وإيه الدوشة اللي چوا ديي
_ أجابته صفية بنبرة سريع لثقل الصنية:-
جرابيكم يا باشمهندسطز جاين يباركوا للعرسان
_ حرك رأسه بتفهم ثم أردف قبل أن تدلف إليهم:-
حضريلي الوكل يا صفية على ما ادوش
_ ردت عليه بطاعة:-
حاضر يا سي مصطفى
_ صعد هو الأدراج سريعاً وولج لغرفته، خلع جلبابه ووضعها في الصندوق الخاص بالثياب المتسخة داخل المرحاض ثم وقف في منتصف المغطس الرخامي وفتح صنبوري المياه الساخنة مع الباردة لكي يتمتع بذلك المزيج الرائع وينعش جسده ..
***
_ إنتهت المقابلة بسلام، عادت ورد إلى غرفتها سريعاً دون أن تنتظر هلال الذي عاد إليها بسرعة البرق، أغلق الباب ونظر إليها برغبة شديدة، إرتعبت هي من نظراتها وهتفت محذرة إياه:-
بتبصلي إكده ليه
؟ إوعاك تفكر تجرب مني، كمل إتفاجك لاول وبعدها أني تحت أمرك
_ لم يهتم كثيراً لهرائاتها التي بدت سخيفة بالنسبة له، إقترب منها وهو عازم على فعل ما تخبره به غريزته الذكورية، تراجعت “ورد” للخلف محاوله منعه من الإقتراب أكثر:-
هلال إوعاك يا هلال والله أصوت وألم عليك السرايا كلاتها
_ بادلها إبتسامة متهكمة وقال:-
صرخي بعلو حسك عشان أجولهم إني باخد حجي الشرعي اللي انتي مش راضية تديهولي، يلا صرخي سكتي ليه؟
_ لمعت عينيها بالدموع وهي تعلم أن تلك اللحظة لن تمر مرار الكرام وبعد ذلك لن تستطيع أخذ حقوقها من عمها، دفعها هلال بقوة على الفراش فأنت هي بألم بسبب جرحها الذي تأثر بدفعته
_ أوصدت عينيها تودع أحلامها لطالما تمنت تحقيقها، لعنت سذاجة تفكيرها التي وثقت به وأجبرها على الوثوق بذلك الرجل الذي لا يريد سوي التمكن منها والوصول إلى رغبته فقط..
_ إنتظرت الكثير لتشعر بقربه لكن لم يحدث! أين ذهب ذاك؟ لما لم يكمل ما نوي فعله، فتحت عينيها لتظهر زرقاوتاها التي تتلألأ فيهم الدموع، تفاجئت به يطالعها بملامح جامدة لم تستطع تفسيرها
_ أولاها ظهره دون حرف زائد ودلف خارج الغرفة دافع الباب خلفه بقوة، لم تصدق ورد ما حدث الأن أحقاً غادر ولم يفعل ما خشيته؟ إعتدلت في جلستها وإبتسمت بسعادة معاتبة أفكارها التي ندمت على الوثوق به، كَنت له الإحترام بعد تصرفه الذي لاق مع شخصيته المرسومة في عقلها ..
_ نهضت لتبدل ثيابها بشعور مختلف كلياً قبل دقائق، شعور الأمان لطالما إفتقدته منذ وفاة والدها وتدخل عمها في كل ثغره في حياتها، تنهدت براحة كبيرة ومن ثم وقفت تطالع نفسها في المرآة بإعجاب شديد لملامحها الجميلة التي وهبها الله لها ..