عرف صعيدي
عرف صعيدي
_ عقدت ورد ذراعيها بعدم رضاء للرضوخ إليه فنفخ هلال بتزمجر شديد وهو يطالع زرقاوتاها بغضب يحاول كبحه، أولاها ظهره وتمتم بضيق:-
أباه عليكي والله ما جعدلك فيها
_ انسحب للخارج ودفع الباب خلفه بكل قوته، يريد الوصول إليها مهما كلف الأمر، تشبهه كثيراً تلك المقولة ‘ الممنوع مرغوب ‘، كلما إمتنعت عنه كلما زاد تمسكه بالوصول إلى ما تشتهيه نفسه
_ لم يكن أمامه سوي الهروب من تلك السرايا، إذا مكث بها أكثر من ذلك سيفتك بتلك الفتاة حتماً ولا ينظر إلى رفضها المستمر الذي يسبب جنونه، بينما عادت ورد للإستلقاء على الفراش ترسم إسمها على أوراق الأرض الخاصة بوالدها، ظهرت إبتسامة عريضة على ثغرها الوردي هاتفة بسعادة:-
هانت جوي وأجلعها من عنيك يا حمدان أنت ومرتك
_ إبتعد هلال عن السرايا ليجمع شتات نفسه ثم يعود عندما يشعر بالتحسن القليل ..
_ في منزل حمدان وبالتحديد غرفة الضيافة، يصرخ على والده بعدم قبول لتلك الزيارة التي قاموا بها:-
إرتحت لما روحت شوفتها سعيدة مع جوزها! ضايجت ولدك وإرتحت يا بوي؟ يا تري جابلتكم ويدها بيده ولا نزلكم حاضنها؟ عارفه أني الواد المايع ديه
_ حرك “حمدان” رأسه مستنكراً حديث ولده الآبله وأجابه بفتور:-
ملكش صالح عاد جابلتنا كيف، البت اتجوزت وأنت لساك عايش علي الأحلام تندبوا كيف الحريم، إسترجل يواد
_ إحتدت تقاسيمه بحزن عميق وهو يطالع والده الذي لا يشعر ولو بمقدار ذرة به، لم ينتهي الحديث إلى هنا، هناك المزيد بداخله لن يرحل قبل إلقائه في وجه والده:-
أنت كيف جاسي إكده، جولتلك أني عحب بت عمي ورايدها في الحلال توهتني عن مرادي سنين وسنين وأول ما ابن العمدة اتجدم وافجت من غير تفكير حتي وأنت عارف ان ولدك عيحبها!!
_ شهيق وزفير فعل “حمدان” ثم جلس على أقرب أريكة أمامه وهتف بحنق:-
ما انت مخك زنخ ومبتفكِرش غير في روحك وبس، بت عمك لو جوزها مات تعرف هتورثوا كام؟ متعرِفش معلوم ما أنت تفكيرك كله في المرجعة والحب والحديت الفارغ ديه
_ إلتوي ثغر “حمدان” للجانب مشكلاً إبتسامة عريضة وأضاف بحماس:-
هيطولنا ياما يواد يا طاهر من ورا الجوازة ديي
_ إتسعت مقلتي “طاهر” بصدمة كبيرة لم يستوعبها عقله ، فتح فاهه ببلاهة لا يصدق ما سمعه لتوه وردد دون وعي:-
هي شروة يا بوي ؟ بيعتها ومستني تمنها؟ وأني المفروض أستني لما الجدر يلعب لعبته وياخد اللي ما يتسمي هلال ديه عشان ورد تعاودلي؟
_ نهره “حمدان’” بصوت مرتفع:-
بكفياك عاد كلامك الماسخ ديه، هي لا كانت ولا هتكون ليك من صغرها أبوها جافل عليها ولا كنت عمرك بتتحدثت معاها ولا تلاجيك فاكرها من أساسه بس انت كيف بوك بتحب تسيطر على كل اللي
حواليك
_ شكل حمدان بسمة سمجة في نهاية حديثه أجبر بها طاهر على النفور من أمامه حتى لا يحدث مالا يحمد عُقباه، هرول بعيداً عن دارهم وهو يردد كلمات والده في عقله، كيف له أن ينساها ؟ أينسي زرقاوتاها التي تأسره أسراً كلما تذكرها أم وجنتيها الوردية؟ أم شفتاها التي كانت تجبره على إطالة النظر والتمعن بها بإعجاب شديد، كيف له أن ينسي نبرتها المبحوحة دوماً التي تزيده رغبة فيها!! هي أول من دق القلب لها، من نادي الفؤاد بحروف إسمها، من حُفر شكلها في أعماق عقله، لا ولن يتراجع عن استرداد حقوقه مهما كلف الثمن ..
_ داخل المنزل ، كانت تتابع ما يحدث في صمت وعندما رأت ولدها يفر من المنزل اقتربت من حمدان متمتمة برضاء:-
إكده تعجبني يا حمدان كبرت في نظري جوي، هكلم لك أبوي يديلك حتة الأرض اللي أنت هتم*وت عليها حلاوة سماعك للحديت، أنت تستاهل فدان مش أرض عشان بعدت بنت صابر ديي عن ولدي
_ فغر “حمدان” فاهه ببلاهة مردداً بعدم تصديق بعد:-
بتتكلمي جاد؟
_ أردفت وهي توليه ظهرها ناهية الحوار:-
أني مبهزروش يا حمدان
_ أوقفها “حمدان” بحديثه:-
الواد صعبان عليا وهو هيتشحتف على البت إكده
_ حركت رأسها نحوه ونظرت إليه قائلة باختصار:-
بكرة يفوتها وينساها..
”كان أبوه جدر ينسي حب عمره اللي مطالش منيها غير حديثت بعد ٢٢ سنة!!”
_ أخرج حمدان تنهيدة حارة بعدما تمتم بهم وهو يتابع خروج ثريا من الغرفة، نادي بصوته الخشن عالياً:-
بت يا صباح..
_ جائته صباح مهرولة فأمرها قائلاً:-
روحي نادي على مرت عمك وجوليلها مفيش جعاد في الدار وحديها
_ أماءت له صباح بقبول ومن ثم خرجت لكي تنادي زوجة عمها كما أمرها والدها، جائته “ثريا” راكضة بعدما سمعت أمر حمدان وصاحت به مندفعة:-
أنت بتجيب الولية ديي في بيتي ليه؟
ما تهملها تجعدوا مطرح ما تجعد ليه عايز تبتليني بيها من كتر حبي فيها مثلاً! أني معيزهاش في داري وأنت ودن من طين وودن من عجين كاني مش بتحدت عاد
_ رمقها “حمدان” بنظراته الثاقبة، أقترب منها بخطي ثابتة بثت فيها الرعب، وقف قبالتها وردد من بين أسنانه بغضب شديد:-
جولنا مية مرة جبل إكده أنهم أمانه أخوي إيه اللي مهتفهمهوش بعجلك الزنخ دييه في حديتي؟
_ قهقهت “ثريا” عالياً وأردفت ساخرة:-
أمانة إيوة إيوة، حتي بالأمارة انت أخد أرض خوك ومش راضي ترجع لهم حجهم ونعمة الأمانة يا حمدان يا منشاوي
_ صمتت حينما عادت صباح برفقة السيدة سنية، رمقتها ثريا بنظرات مشتعلة تدل على الكُره والبغض الذي تكنه لها ومن ثم توجهت إلى غرفتها لكي لا تنشب مشاجرة بينهم إذا أطالت النظر إليها
_ رسم “حمدان” بسمة على ثغره مرحباً بها بحفاوة:-
يا أهلا يا ست سنية الدار نورت
_ عبس بوجهه وعاتبها مضيفاً :-
مش جولنا هتجعدي إهنه معانا بدل الجاعدة لوحديكي اللي مش هطولي من وراها غير الكأبة، مهتسمعيش الحديت ليه؟
_ نكست “سنية” رأسها وأجابته بنبرة يملئها الحزن:-
أني مرتاحة يا حمدان في داري هملني اجعدوا فيه إبراحتي
_ أقترب بعض الخطوات منها معاتباً إياها على تراهها:-
وااه، وديه بردك دارك تجعدي فيه على راحة راحتك تشاوري بس وطلباتك كلها تتنفذ جوام
_ لا يوجد مفر أمامها تهرب إليه، أماءت برأسها بقبول عكس النفور الشديد الذي يتأجج داخلها وأردفت بقلة حيلة:-
اللي تشوفه يا حمدان
_ إلتوي ثغره بإبتسامة عريضة ووجه نظره إلى صباح أمراً:-
خدي مرت عمك على أوضتها ياصباح وأي طلب تطلبه تنفذيه طوالي
_ أماءت له بالقبول ثم قالت موجهه حديثها للسيدة سنية:-
همي بينا يا مرت عمي
_ غادرت كلتاهما من أمام حمدان الذي أخرج تنيهدة حارة على قلبه المحترق وهو يري ذكرياته تعود إليه من جديد كأن القدر يبتسم له مرة أخري ..