باعت المزرعة ب ٣٩ مليون
باعت المزرعة ب ٣٩ مليون
ظروف صعبة! الفرق إني اشتغلت عشان أخرج منها، وإنتِ قررتي تخرجي منها بفلوس الناس!
إنتِ مش فاهمة!
طب فهميني.
سكتت.
محمود اتحرك من مكانه وقال
الفلوس اتصرفت على مصاريف البيت، وعلى التزامات كانت علينا. مفيش داعي نعمل من الموضوع چريمة.
أبويا بص له پصدمة.
مصاريف بيتكم؟! إنتوا كنتوا بتاخدوا الفلوس اللي أنا ببعتها لبنتي وتصرفوها على نفسكم؟!
محمود رد بعصبية
يا عمي، إحنا كنا بنمر بأزمات. والفلوس كانت بتدخل البيت، يعني اتصرفت على حاجات ضرورية.
أمي مسكت طرف الترابيزة عشان تسند نفسها.
ضرورية إيه يا محمود؟ إحنا كنا بنبعت الفلوس عشان نساعد بنتنا!
أختي اڼفجرت في البكاء.
خلاص بقى! أنا غلطت! إنتوا عايزيني أعمل إيه تاني؟ أرجّع الزمن؟!
كنت مستنية منها اعتراف واضح، لكنها لسه بتحاول تختصر سنين من الكذب في كلمة غلطت.
قلت لها
لأ. مش عايزاكي ترجعي الزمن. عايزاكي تقولي الحقيقة من غير ما تختاري الجزء اللي يريحك.
مديت إيدي ناحية آخر كشف حساب.
إجمالي المبالغ دي مش مبلغ صغير. فيه تحويلات اتكررت كل شهر، وفيه مبالغ كبيرة اتبعتت في أوقات مختلفة. إنتِ كنتِ بتقولي لأهلي إنك بتوصليها لي، يعني كنتِ بتأكدي لهم إن الفلوس وصلت. هل عندك أي إيصال واحد يثبت إنك سلمتيني الفلوس؟
أختي ما ردتش.
إيصال واحد بس. رسالة، تحويل بنكي لحسابي، أي حاجة.
فضلت ساكتة.
أبويا سحب نفس طويل، وبص لها بۏجع.
مفيش، صح؟
أختي غطت وشها بإيديها.
وكان سكوتها اعترافًا أكتر من أي كلام.
لكن وأنا بقلب في المستندات، لاحظت حاجة غريبة.
كان فيه تحويلات مكتوب في وصفها إنها تخص المزرعة، مع إن التواريخ دي كانت بعد ما أنا دفعت المصاريف من حسابي بالفعل.
مثلًا، فيه مبلغ كبير مكتوب إنه لتصليح الجرار، وبعدها بأيام كنت أنا دافعة فاتورة التصليح كاملة.
وفيه مبلغ تاني مكتوب إنه لشراء مضخة جديدة، مع إن المضخة اللي عندي كانت شغالة، وما اشتريتش مضخة
جديدة في السنة دي.
رفعت الورقتين قدام أختي.
إيه معنى ده؟
بصت للأوراق، وبعدها بصت لمحمود.
قلت
إنتوا كنتوا بتطلبوا فلوس من أهلي بحجة مصاريف ما حصلتش أصلًا؟
محمود اتنحنح وقال
ممكن يكون فيه سوء تفاهم في التواريخ.
سوء تفاهم؟ يعني أبويا بعت فلوس لتصليح معدة، وأنا دفعت التصليح من حسابي قبل ما هو يحوّل الفلوس، يبقى ده سوء تفاهم؟!
رد بسرعة
الحسابات القديمة بتتلخبط.
قلت له
حساباتي مش متلخبطة. أنا عندي كل فاتورة من يوم ما اشتريت المزرعة لحد يوم البيع. لو احتجت، أقدر أجيب المحاسب بتاعي يراجع كل رقم قدامكم.
أبويا رفع رأسه فجأة.
استني. يعني ممكن تكون الفلوس اتاخدت أكتر من مرة على نفس المصروف؟
قلت
ده اللي لازم نعرفه.
أختي بدأت تهز راسها.
أنا مش فاكرة كل حاجة. ده من سنين.
قلت لها
غريبة إنك فاكرة إني مفلسة، وفاكرة إني كنت بعيط وبطلب المساعدة، وفاكرة كل التفاصيل اللي كنتِ بتحكيها لأهلي… لكن لما ييجي الدور على الفلوس نفسها، فجأة مش فاكرة!
محمود قرب من أختي وهمس لها بحاجة ما سمعتهاش.
لكنها رفعت صوتها فجأة
إنت قلتلي إن محدش هيعرف!
المطبخ كله سكت.
حتى أمي وقفت عن البكاء.
محمود بص لها كأنه كان نفسه الأرض تنشق وتبلعه.
أما أنا، فحسيت إن آخر قطعة في الصورة بدأت تظهر.
قلت بهدوء شديد
هو مين اللي قال لك إن محدش هيعرف؟
أختي حطت إيديها على بقها.
محمود حاول يضحك ضحكة متوترة.
هي تقصد إننا كنا فاكرين إن الحسابات القديمة مش هتتراجع، مش أكتر.
أبويا وقف من مكانه.
اقعد يا محمود.
محمود فضل واقف لحظة، وبعدها قعد ببطء.
أبويا بص لأختي.
أنا عايز أسمع منك إنتِ. من غير ما جوزك يتكلم نيابة عنك.
أختي كانت بټعيط، لكن المرة دي دموعها ما أثرتش فيّ زي زمان.
أنا قضيت سنين طويلة أفتكر إنها أختي اللي ممكن ألجأ لها لو الدنيا ضاقت بيا. كنت أحيانًا أشتري لها هدايا بسيطة من غير مناسبة، وأبعت لها أكل من المزرعة، وأرفض أتكلم عنها بشكل وحش حتى لما كانت بتسخر من شغلي.
كنت فاكرة إن بيننا خلافات عادية بين أخوات.
ما كنتش أعرف إنها كانت بتستخدم حياتي نفسها كحكاية تخوف بيها أهلي، وفي نفس الوقت بتاخد فلوسهم بحجة إنقاذي.
أختي أخيرًا رفعت وشها.
في الأول، أنا ما كنتش ناوية أعمل كل ده.
قلت لها
احكي.
بدأت تتكلم وهي بتبص للأرض.
من خمساشر سنة، لما اشتريتي المزرعة، أنا كنت شايفة إنك بتاخدي مخاطرة كبيرة. كنتِ حاطة كل فلوسك في أرض ومعدات، ومكنش عندك ضمان إن المشروع هينجح. وأنا وقتها كنت متجوزة جديد، ومصاريف البيت كانت كتير، ومحمود كان لسه بيحاول يثبت نفسه في شغله.
محمود قاطعها
مش لازم تدخلي تفاصيل مالهاش لازمة.
أبويا زعق فيه
قلت لك اسكت!
أختي كملت
أول مرة بابا حول لي فلوس عشان أوصلها لك، كنت فعلًا محتاجة الفلوس. قلت لنفسي هاخدها مؤقتًا، ولما ظروفنا تتحسن هرجعها لك أو أقول لبابا الحقيقة.
بصيت لها.
لكنك ما رجعتيهاش.
هزت راسها وهي بټعيط.
لأ.
وبعدين؟
بعد فترة، بابا سألني إذا كنت وصلتهالك، وأنا خفت أقول له إني ما عملتش كده. فقلت له إنك استلمتيها.
أبويا قفل عينيه للحظة.
أختي كملت
بعدها، كل ما كانت تحصل لنا أزمة، كنت بكلم ماما أو بابا وأقول لهم إنك محتاجة مساعدة. في الأول كنت بقول إن عندك مصاريف صيانة أو ضرايب. وبعدين لما لقيتهم بيصدقوني، بقيت أقول لهم إنك بتخسري، وإنك محرجة تطلبي منهم فلوس بنفسك.
سألتها
يعني إنتِ اللي اخترعتي قصة إني مفلسة؟
أيوه.
وإنتِ اللي كنتِ بتقولي لهم إني رافضة أبيع المزرعة رغم إني مديونة؟
أيوه.
وإنتِ اللي كنتِ بتقولي إنك بتدفعي من جيبك عشان تساعديني؟
أختي غطت وشها.
أيوه.
حسيت بۏجع في صدري، لكني فضلت واقفة.
ليه؟ ليه عملتي فيا كده؟ أنا عمري ما طلبت منك حاجة، ولا كنت عايزة منك فلوس!
رفعت عينيها ليا، وكانت بتدور على أي تعاطف في وشي.
عشان كنت خاېفة.
خاېفة من إيه؟
خاېفة إن بابا يعرف إننا كنا بنمر بأزمة مالية. وخاېفة ماما تعرف إن محمود خسر فلوس في شغله. وخاېفة أبان قدامكم إني أقل منك.
ضحكت من غير فرحة.
أقل مني؟ أنا كنت شغالة بإيدي في الأرض من الفجر للمغرب. كنت برجع البيت هدومي كلها تراب، وإنتِ كنتِ بتقولي إني فاشلة. كنتِ شايفة تعبي، ومع ذلك كنتِ بتستغليه عشان تبرري لنفسك اللي بتعمليه.
قالت بسرعة
أنا ما كنتش عايزة أضرك!
لكنك ضريتيني. مش بالفلوس بس. إنتِ خليتي أهلي يبصوا لي على إني إنسانة عاجزة، وإنتِ عارفة إني كنت بحاول أبني حياتي بنفسي.
أمي بدأت ټعيط بصوت أعلى.
يا بنتي، إزاي تعملي كده في أختك؟!
أختي ردت باڼهيار
أنا غلطت يا ماما! كنت فاكرة إني هقدر أرجع الفلوس بعدين، لكن كل مرة كانت بتعدي، الموضوع كان بيكبر.
أبويا فتح الدفتر تاني.
والمبالغ اللي اتبعتت باسم تصليح معدات ما حصلش؟ دي كمان كانت أزمة مؤقتة؟
أختي سكتت.
محمود اتدخل بسرعة.
بعض الفلوس اتصرفت على احتياجاتنا، وبعضها دخل في شغل كنت بحاول أعمله. الموضوع مش بالشكل اللي إنتوا متخيلينه.
بصيت له.
إنت قلت من شوية إنك مالكش علاقة. دلوقتي بتقول إن الفلوس دخلت في شغلك. أنهي كلام فيهم الصح؟
ما ردش.
أبويا طلب منه يجيب أي مستند يوضح الفلوس اللي دخلت حسابه، لكن محمود قال إن الموضوع قديم وإنه مش فاكر التفاصيل.
قلت له
الغريب إنكم كنتوا فاكرين كل تفاصيل حياتي لما كنتوا بتحكوا لأهلي عن فقري المزعوم، لكن محدش فيكم فاكر الفلوس اللي اتاخدت.
بعد ما هدينا شوية، طلبت من أبويا يصور لي كل كشوف