باعت المزرعة ب ٣٩ مليون
باعت المزرعة ب ٣٩ مليون
في الديون؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، بس مكنش فيها أي فرحة.
أنا مكنتش بغرق في الديون. أنا كنت ببني حاجة تخصني. ومكنتش محتاجة حد يعرف أنا معايا كام، لأن الفلوس عمرها ما كانت مقياس قيمتي عند نفسي.
أمي حطت إيدها على صدرها.
يا بنتي، طب ليه ما قولتيش لنا؟ إحنا أهلك!
بصيت لها بحزن.
وأنا ليه أقول لكم إني بقيت غنية، وإنتوا أصلًا كنتوا مقتنعين إني فاشلة؟ كل مرة كنت بسمع منكم نفس الكلام. عربية قديمة، هدوم قديمة، شغل متعب، ومزرعة مش بتكسب. محدش فيكم سألني مرة أنا سعيدة ولا لأ، أو محتاجة إيه فعلًا.
أبويا نزل عينه للأوراق.
واضح إن كلامي وجعه، لكنه مكنش عنده فرصة يرد، لأن الحقيقة اللي قدامه كانت أكبر من أي تبرير.
أختي فجأة اتكلمت بصوت عالي
يعني إنتِ كنتِ مخبية علينا الملايين دي كلها، وجاية دلوقتي تحاسبيني على شوية فلوس؟!
لفيت ناحيتها ببطء.
شوية فلوس؟
فتحت كشف الحساب اللي كان أبويا مدّهولي، وأشرت على إجمالي التحويلات.
إنتِ شايفة الرقم ده؟ ده مش شوية فلوس يا أختي. دي مبالغ أهلي كانوا بيبعتوها على مدار سنين، وكل مرة كانوا فاكرين إنها بتوصل لي عشان تساعدني أعدّي أزمة أو أصلح معدة أو أدفع ضرايب.
قربت الورقة منها.
بصي كويس. كل تحويل مكتوب قدامه سبب. مرة تصليح جرار، ومرة شراء قطع غيار، ومرة تأمين، ومرة مصاريف طوارئ. إنتِ كنتِ بتكتبي لهم إني في أزمة، وهما كانوا بيصدقوكي.
أختي ردت بسرعة
ما هو إنتِ فعلًا كان عندك مصاريف! المزرعة مش لعبة!
طبعًا كان عندي مصاريف. أنا اللي اشتريت الأرض، وأنا اللي اشتغلت فيها، وأنا اللي دفعت كل قرش من حسابي. لكن ده مش معناه إنك تاخدي فلوس أهلي وتقولي لهم إنك وصلتيهالي!
محمود حاول يتدخل
استني بس، إحنا ممكن نفهم الموضوع بهدوء…
بصيت له.
إنتَ هتفضل ساكت لحد ما أعرف إجابة سؤال واحد. هل الفلوس دي دخلت حسابك؟
وشه اتغير.
ثانية واحدة، لكني شفتها.
أختي بصت له بسرعة، وبعدها رجعت بصتلي.
إنتِ مالك بحساباته؟!
ضحكت بمرارة.
أنا مالي؟ أنا لسه مش عارفة الفلوس راحت فين، لكن واضح إن السؤال ده لمس حاجة إنتوا الاتنين مش عايزينها تطلع.
أبويا مد إيده وقال
هاتوا كل الكشوف اللي عندكم. مش هيتقفل الكلام ده غير لما أعرف كل جنيه راح فين.
بدأنا نراجع الأوراق واحدة واحدة.
أبويا كان فاتح دفتر قديم، كاتب فيه التواريخ والمبالغ اللي كان بيحوّلها.
كان عامل ده لأنه بعد ما اتقاعد، بقى بيحسب مصاريفه بدقة، وكان عايز يضمن إنه يقدر يساعدني من غير ما يضغط على نفسه.
أمي كانت كل شوية تمسح دموعها، وتقول إنها عمرها ما تخيلت إن حاجة زي دي ممكن تحصل بين بنتين من بناتها.
أما أختي، فكانت قاعدة على طرف الكرسي، بتفرك صوابعها بعصبية.
أول تحويل كان من خمساشر سنة.
وقتها كنت لسه شارية المزرعة، وكانت محتاجة شغل كتير. أبويا قال إنه بعت مبلغ يساعدني أشتري معدات أساسية.
بصيت للتاريخ، وافتكرت اليوم ده كويس.
كنت وقتها راجعة من البنك، ومعايا دفتر الحسابات، وعندي فاتورة كبيرة لموتور مضخة الميه. كنت بحسب إزاي هوزع الفلوس اللي معايا على الإصلاحات، وكنت مستعدة أشتغل بإيدي لحد ما أوفر تمن باقي المعدات.
عمري ما افتكرت إن أهلي بعتوا لي أي مبلغ في اليوم ده.
سألت أبويا
التحويل ده كان على حساب مين؟
قال أنا حولت المبلغ لأختك، لأنها قالت إنها هتوصلهولك. قالت إن حسابك كان عليه مشكلة مؤقتة، وإنك طلبتي منها تستلم الفلوس بدل منك.
رفعت عيني له.
أنا ما قلتش الكلام ده يا بابا.
أمي شهقت.
يعني هي قالت لنا إنك طلبتي منها؟
أيوه، وأنا ما طلبتش منها حاجة. أصلًا مكنتش أعرف إن فيه فلوس جاية لي.
أبويا قلب الصفحة، وبدأ يقرا ملاحظاته المكتوبة بخط إيده.
هنا مكتوب إنها قالت إنك استلمتي الفلوس نقدًا.
قلت فورًا وده مستحيل. أنا ما استلمتش أي مبلغ نقدي من أختي في حياتي.
أبويا سكت شوية، وبعدها قال
أنا كنت بصدقها لأنها كانت بتكلمني كل أسبوع تقريبًا، وتحكيلي عن حالتك. كانت بتقول إنك محرجة تطلبي مساعدة، وإنك بټعيطي بعد ما تقفلي معاها التليفون، وإنك رافضة إننا نعرف إنك مش قادرة تدفعي مصاريف المزرعة.
بصيت له وأنا حاسة بغصة في حلقي.
وأنا كنت بكلمكم وأقول لكم إني كويسة، وإنتوا كنتوا بتردوا عليّا بنصايح عن التوفير وإن لازم أبيع المزرعة قبل ما أخسر كل حاجة. كنتوا بتصدقوا كلامها أكتر من كلامي.
أبويا حط إيده على وشه.
أنا غلطت.
الجملة دي خرجت منه بصعوبة.
أول مرة أشوف أبويا يعترف إنه غلطان من غير ما يحاول يبرر لنفسه.
لكني ما قدرتش أواسيه. مش لأنني مش بحبه، لكن لأن ۏجع السنين كلها كان لسه واقف بيننا.
قلت له
أنا مش عايزة حد يجلد نفسه دلوقتي. أنا عايزة أعرف الحقيقة كاملة.
وبعدين بصيت لأختي.
ابدئي من أول تحويل. الفلوس راحت فين؟
أختي رفعت
راسها، وكانت عينيها مليانة دموع.
أنا كنت في ظروف صعبة وقتها…
قلت لها بحدة
وأنا كمان كنت في