ولاده قيصريه انجي الخطيب

ولاده قيصريه انجي الخطيب

مرت السنة الأولى من عمر حمزة كأنها حلم جميل مسح كابوس الليلة السوداء اللي كادت تنهي حياتنا. في يوم الأحد الأول من شغل الجديد، وقفت قدام مراية التواليت وأنا لابسة بدلتنا الرسمية الأنيقة، وبصلت لنفسي في المراية لقيت نظرة الخوف والقهر اللي كانت موجودة زمان اختفت تماماً، وحل مكانها هدوء وثقة ما يتوصفوش.

مسكت شنطتي وخرجت للصالة، لقيت حمزة بيحاول يخطو خطواته الأولى وهو متمسك بكنبة الصالون وبيضحك لي بضحكته الصافية اللي بتنور البيت. قربت منه شلته وبوسته بحب وأنا بقوله: «أيوة كده يا بطل، اقف على رجليك جامد.. عشان ماما هتعلمك إن الحق دايماً هو السند اللي مبيطش أبداً».

نزلت من البيت ووجهتي كانت مقر إدارة الالتزام الطبي الكبرى، دخلت قاعة الاجتماعات برأس مرفوعة وخطوات ثابتة، وكل عيون زملائي وقيادات الوزارة اتقابلت معايا باحترام وتقدير كبير. لما خدت الكلمة في أول اجتماع رسمي لينا لمراجعة معايير النزاهة في المستشفيات، حسيت إن كل دمعة وجع وكل دقيقة رعب عشتها كان ليها حكمة، وإن ربنا ما بيضيعش تعب ولا ظلم إنسانة دافعت عن الحق بكل شرف وأمانة.

السنين جرت بسرعة، وكل خطوة كانت بتأكد لي إن اختياري للصح هو طوق النجاة الوحيد. شغلي في إدارة الالتزام الطبي اتحول لرسالة حياة مش مجرد وظيفة، وكل تقرير كنت براجعه، وكل مستشفى كنت بزورها للتفتيش، كنت بكون حريصة فيه إن مفيش مريض يقع ضحية إهمال أو غرور طبيب تاني.

في يوم، وأنا خارجة من مكتب الوزارة بعد اجتماع طويل، لقيت تليفوني بيرن، كانت مديرة المستشفى اللي ولدت فيها زمان، وبتطلب مني بنفسها أحضر لجنة استشارية طارئة لمراقبة معايير الأقسام هناك وضمان عدم تكرار أي تجاوزات.

حسيت بدائرة القدر بتتقفل قدامي بشكل يبعث على السلام الداخلي؛ المكان اللي كاد ينهي حياتي وحياة ابني، بقى شاهد على نجاحي وانتصار الحق. رجعت البيت في العصر، ولقيت حمزة عنده سنتين ونص بيجرى في الصالة ويستقبلني بضحكته اللي بتنسيني تعب اليوم كله.

شلته في ح. ضني وبوسته بعمق، وبصيت لعيونه الواسعة اللامعة وأنا بقوله بهمس حنون: «شايف يا بطل؟ الدنيا ممكن تقسوا علينا وتورينا وجوه صعبة، بس طول ما إحنا واقفين في صف الحق، وبنحارب بالعدل، ربنا بينصرنا في الآخر دايماً».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *