ولاده قيصريه انجي الخطيب

ولاده قيصريه انجي الخطيب

والنهارده، وهي واقفة جنبي في أوضة الولادة، لابسة البالطو الأبيض النضيف بتاعها، كانت بتبصلي بابتسامة صغيرة مستفزة، كأنها مستمتعة بكل لحظة ألم بمر بيها.قربت مني وهمست بصوت واطي محدش غيري سمعه:
«في ستات كتير بتعدّي بولادة صعبة يا مدام سلمى.

.. يمكن التجربة دي تخليكي تعرفي يعني إيه تحسي بغيرك بدل ما تفضلي طول الوقت شايفة نفسك أحسن من الناس.»
بصتلها وأنا مش قادرة أصدق إن في إنسانة ممكن تكون بالقسوة دي.لفيت وشي ناحية الممرضة هبة عبد الرحمن، اللي كانت واقفة جنب السرير وملامحها كلها قلق.

هبة بصت لكريم بتردد، لكن قبل ما تقدر ترد، لف ناحيتها بعصبية وقال:
«أي حد هيتدخل في قراراتي من غير إذني، هيتحاسب قدامي شخصيًا! أنا رئيس القسم هنا، ومش هسمح لحد يشكك في قراراتي!»
سكتت الأوضة كلها، وبصيت حواليّا وأنا حاسة إني محاصرة، لا قادرة أهرب من الألم، ولا قادرة أحمي ابني من العناد اللي سيطر على أبوه.

لكن كريم كان ناسي حاجة مهمة جدًا.أنا مكنتش طول عمري مجرد زوجة مستنية جوزها يرجع من المستشفى علشان تحضرله العشا وتسمع حكايات يومه.قبل ما أتجوزه، كنت بشتغل محققة أولى في إدارة الالتزام والرقابة الطبية، وكنت مسؤولة عن مراجعة ملفات المستشفيات والتحقيق في الإهمال الطبي والتلاعب في السجلات.

شغلي علّمني أميّز بين الغلطة اللي بتحصل من غير قصد، والجريمة اللي حد بيحاول يخبيها.وعلّمني كمان إن الحقيقة ممكن تتدفن فترة، لكن لو كل دليل اتسجل في وقته، محدش هيقدر يمحيها بسهولة.وأنا في اللحظة دي، كنت فاهمة كويس جدًا إيه اللي بيحصل.

والأهم من كده، كنت عارفة إزاي أثبته.لما كريم خرج للممر علشان يتكلم في التليفون، مسكت إيد هبة بسرعة، وقربتها مني وهمست لها رغم الألم اللي كان بيقطع جسمي:
«سجّلي كل حاجة يا هبة. كل طلب بطلبه، وكل مرة برفض فيها العلاج، وكل قرار بيتاخد، واسم كل دكتور أو ممرضة موجودين هنا.

متسيبيش أي تفصيلة من غير توثيق.»
هبة بصتلي بصد. مة وقالت بصوت واطي:
«يا مدام سلمى، إنتِ تقصدي إيه؟»
مسكت إيدها بقوة على قد ما قدرت وقلت:
«قصدي خصوصًا قرارات الدكتور كريم. اكتبي كل حاجة زي ما حصلت بالظبط، من غير ما تزودي أو تنقصي حرف.»
قبل ما ترد، ض.

ربني طلق جديد أقوى من كل اللي قبله، صرخت من الوجع، وهبة سندت كتافي بسرعة علشان متقعش من على السرير.وفي الناحية التانية من الأوضة، كانت نادين بتبصلي بنفس الابتسامة الباردة.كانت فاكرة إني ضعيفة، وإن الوجع هيخليني أستسلم، وإنها خلاص قدرت تكسرني وتاخد مكاني في حياة جوزي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *