مرات اخو بيت جدتي ج الاخير

مرات اخو بيت جدتي ج الاخير

خرجت من عمارة حماتي والليل كان كأنه بيغسل كل القرف اللي شهدته الأيام اللي فاتت. صوت صريخهم وزعيقهم ورايا كان بيتضاءل تدريجيًا كل ما ببعد بعربيتي، لحد ما اختفى تمامًا واتحل محله صوت موتور العربية المنتظم.
أحمد حاول يتصل بيا أربعمائة مرة في الساعتين اللي بعدهم. شاشة التليفون مكنتش بتطفي.. اتصالات منه، ورسايل ترجي من حماتي، ورسايل عتاب من قرايب تانيين كانوا فاكرين إن “الصلح خير” حتى لو كان الصلح ده معناه إن حقي يتداس عليه وممتلكاتي تتخرب. بس أنا قفلت التليفون خالص. مكنش فيه مكان للتردد أو للرجوع خطوة واحدة لورا.
عدى الأسبوع الأول كأنه فيلم سريع الأحداث.
المحامي بتاعي، الأستاذ إبراهيم، اشتغل بقمة الاحترافية والسرعة. في ظرف 48 ساعة، وصل إعلان رسمي بالدعوى القضائية لسارة وحسام على بيتهم الجديد. محضر إتلاف عمدي، وتعدي على ملكية خاصة، ومطالبة بتعويضات مادية ومعنوية بقيمة مليون و200 ألف جنيه، مرفق بيه تقرير الهيئة الهندسية للكومبوند، وفواتير شركات اللاندسكيب والتنظيف، وفلاشة كاميرات المراقبة المفرغة من إدارة الكومبوند.
سارة وحسام افتكروا في الأول إن الموضوع مجرد “فزاعة” أو تهديد عشان أجيب ورا وأقبل بحل وسط، لكن الصدمة الحقيقية أكلت وشوشهم لما استلموا إحضار نيابة المجمعات السكنية وتحديد جلسة عاجلة بطلب التحفظ التحفظي والمنع من السفر لحين سداد التلفيات والغرامات المقررة.
في نفس الوقت، كان فيه جبهة تانية بتولع.. جبهة الكومبوند نفسه.
أستاذ سامح، رئيس مجلس إدارة جمعية الملاك، مكنش بيهزر. الغرامة الخاصة بالكومبوند (150 ألف جنيه) نزلت رسمياً على الوحدة. وبناءً على الفيديوهات اللي قدمتها، الجمعية وجهت مطالبة مالية رسمية ومباشرة لحسام وسارة بصفتهم المتسببين في الكسر والتلفيات وفقاً لبيانات أرقام السيارات المعتمدة في تفريغ الكاميرات. والأفظع من ده، إن إدارة المجمع حظرت دخول حسام أو سارة أو أي حد تبعهم لأي فيلا أو مرفق جوة المجمع نهائياً، ونشرت أرقام عربياتهم على البوابات كـ “أشخاص غير مرغوب فيهم”.
سارة اللي كانت رايحة تعمل فيها هانم وبنت ذوات وتتجوز في كومبوند على البحيرة، أرقام عربيتها بقت محطوطة على البوابة جنب يافطة الممنوعين من الدخول!
أما بالنسبة لأحمد..
أحمد عاش أسبوع من ألعن أيام حياته. كان متشتت بين أمه اللي بتضغط عليه عشان يخليني أتنازل وبتهدده بالغضب، وبين أخوه حسام اللي بقى بيلومه ويقوله “مراتك خرّبت بيتي ودمرت مستقبلي”، وبين عقله اللي بدأ يفوق متأخر جداً ويكتشف إنه خسر الست الوحيدة اللي صانته وحافظت عليه، عشان خاطر شوية ناس أنانيين مبيفكروش غير في نفسهم.
بعد أسبوع بالضبط من ليلة الاجتماع العائلي، كنت قاعدة في شقتي (شقة والدي الله يرحمه اللي نقلت فيها حاجتي مؤقتاً). الباب خبط بهدوء.
فتحت الباب، وشفت أحمد واقف.
أحمد كان خاسس، وشة باهت، عينيه تحتيها هالات سودة كأنه مانامش من أسبوع. كان ماسك في إيده بوكيه ورد أبيض صغير، وواقف على العتبة كأنه متهم بيستنى حكم الإعدام.
بصلته بهدوء وقلتله:
— خير يا أحمد؟
أحمد بصلي بصوت مكسور، صوته كان بيترعش:
— ريم.. ممكن أدخل أتكلم معاكي عشر دقايق بس؟ مش طالب أكتر من كدة.. لو سمحتي.
سيبت الباب مفتوح ودخلت قعدت في الصالة. أحمد دخل، حط الورد على الترابيزة ببطء، وقعد في الكرسي اللي قصادي، وحط إيديه بين ركبه وبص للأرض.
— ريم.. أنا آسف.
سكت وما رديتش. سبته يفرغ اللي جواه.
أحمد كمل وصوته بيتخنق بالدموع:
— أنا عارف إن كلمة “آسف” مابتصلحش حاجة، وعارف إن اللي عملته معاكي يومها كان قلة أصل وضغط رخيص. أنا اتعميت يا ريم.. اتعميت بخوفي من أمي ومن كلام الناس، اتعميت بخوفي إن بيتي يتخرب، فجيت على الست الوحيدة اللي كانت صايشة البيت ده وبتتحملني وتتحمل قرف عيلتي. أنا شفت الصور تاني.. وشفت تفريغ الكاميرات.. وشفت الأوراق اللي المحامي بعتها.. أنا اتصدمت من الوساخة اللي سارة وحسام عملوها.
رفعت راسي وبصلته:
— ولما شفت كل ده يا أحمد.. كنت فين لما سارة كانت بتقولي “ابدئي لمي الزبالة أحسن ما تضيعي وقتك”؟ كنت فين لما أخوك جه يصرخ في بيتي ويهددني؟ كنت فين لما أمك كانت بتتهمني إني فاجرة ومريضة عشان بطلب حقي وبحافظ على ذكرى جدتي؟
أحمد حط إيده على وشه وبدأ يعيط بالصوت:
— كنت جبان يا ريم.. كنت جبان وأعمى. افتكرت إنك إنتِ الكبيرة اللي هتعرفي تعدي وتسامحي كالعادة، وافتكرت إن السكوت هيعدي الموجة. بس اكتشفت إنك صح.. السكوت على قلة الأدب بيخلي الواطي يفتكر إن المكان بتاعه. حسام وسارة دلوقتي بيحاربوا بعض.. سارة سابت البيت وراحت لبيت أهلها بعد ما حسام صرخ فيها وقالها إنتِ السبب في الغرامات والقضايا، وأمي قاعدة محتارة ومش عارفة تلم الفضيحة قدام العيلة والناس.
وقفت ورحت وقفت جنب الشباك، وبصيت للشارع.
— وأنت يا أحمد؟ جايلي ليه دلوقتي؟
أحمد قام ووقف ورايا، بس ملمسنيش:
— جاي أقولك إنك عندك حق في كل حاجة. جاي أقولك إني مستعد أقف معاكي قدام الدنيا كلها.. مستعد أبيع أي حاجة عشان أسددلك خسارتك لو حسام مادفعش، مستعد أقطع علاقتي بسارة وحسام لو ده هيخليكي ترجعيلي. أنا مش قادر أعيش من غيرك يا ريم.. البيت من غيرك فاضي ومظلم.
درت وبصلته بثبات، وقلتله بصوت هادي جداً بس حاسم:
— أحمد.. إنت متأخر أوي.
أحمد بصلي برعب:
— يعني إيه؟
— يعني القضايا مش هتتقفل يا أحمد. حسام وسارة هيدفعوا ثمن كل سنتيمتر اتخرب في بيت جدتي، وثمن كل وردة اتقطعت، وثمن الغرامات والتلفيات بالكامل.. بالقانون والمحكمة. ده حق البيت وحق جدتي، وده مش محل تفاوض.
أحمد بلع ريقه وصوته بيترعش:
— وموضوعنا إحنا؟
— موضوعنا إحنا انتهى من اللحظة اللي اخترت فيها تقف مع الظالم ضد مراتك. الجبن يا أحمد في المواقف الصعبة مابيتنسيش. الست ممكن تسامح جوزها في أي حاجة، إلا إنه يسيبها تتداس قدام أهله ويطلب منها هي اللي تعتذر عن حقها. إنت هديت السور اللي بيني وبينك بيدك.. ورجوعنا لبعض معناه إني بقبل أكون الضحية المطيعة اللي بتسامح عشان “البيت يفضل مفتوح”.. وأنا مش هكون الضحية دي أبداً.
أحمد حاول يمسك إيدي، بس رجعت خطوة لورا.
— ريم.. أرجوكي، أدينا فرصة ثانية.. نروحي لاستشاري، نسافر، نعمل أي حاجة!
— أوراق الطلاق للضرر هتكون عندك مع أوراق قضية التلفيات يا أحمد. اتفضل امشى دلوقتي.. عشان عندي ميعاد مع المهندسين في الكومبوند.
أحمد بصلني بقلة حيلة كاملة، كأنه بيشوف واحدة تانية خالص غير ريم الهادية المطيعة اللي كان يعرفها. مسح دموعه، وبص للورد اللي جابه، وأخد نفس مكسور وخرج من الباب وهو بيهز رأسه بيأس.
بعد شهرين بالضبط..
كانت الشموس بتاعة أواخر الصيف بتملا الشوارع دفء.
كنت واقفة في جنينة بيت البحيرة.
الريحة كانت خرافية.. ريحة الطين الندي المنسق، وريحة الياسمين والورد البلدي الجديد اللي تم استيراده وزراعته بعناية تحت إشراف أكبر مهندسين لاندسكيب في مصر. النجيلة الخضراء المفرودة كانت بتلمع تحت الشمس كأنها سجادة من الزمرد.
البيت جوة رجع تحفة فنية. الباركية اتصقل وترمم ويرجع يلمع زي الأول، السجاد اليدوي اتنظف وتطهر بمواد خاصة رجعت ألوانه الأصلية، والحيطان اتدهنت بألوان دافية بتعكس النور اللي يدخل من الشبابيك الكبيرة.
وقفت في نص الجنينة، وبصيت لأحواض الورد الجديدة. الشتلات كانت صغيرة بس قوية، جذورها ثابته جوة الأرض، ومفتحة ورد أبيض وحمر ينبض بالحياة.
تليفوني رن.
كان الأستاذ إبراهيم المحامي.
— ألو، أستاذة ريم؟
— أيوة يا أستاذ إبراهيم، بشرني؟
— الصدمة القاضية تمت بنجاح يا ستي! المحكمة أصدرت حكمها اليوم بإلزام المدعى عليهما (حسام الدين وسارة الفولي) متضامنين بسداد مبلغ 850 ألف جنيه شاملة التلفيات والتعويض المادي والمعنوي ليكي، بالإضافة لإلزامهم بسداد غرامة إدارة الكومبوند البالغة 150 ألف جنيه والمصاريف القضائية. وتم التنفيذ الجبري والتعديل الإداري على حساباتهم البنكية بناءً على الصيغة التنفيذية اللي استلمناها النهاردة!
ابتسمت ابتسامة صافية من أعماق قلبي:
— والشهادة المرفقة بالأضرار؟
— أترفض أي استئناف مقدم منهم بعد تقديم فيديوهات الكاميرات واعتراف سارة الصوتي. حسام اضطر يبيع عربيته الجديدة عشان يسدد المبالغ ويقفل الملف قبل ما يصدر ضده حكم حبس للضرائب والاتلاف العمدي.. وسارة ورثها وأهلها اضطروا يتدخلوا عشان يرفعوا الحظر الإداري عن أسمائهم.
— وأحمد؟
إبراهيم اتنهد وقال:
— قضايا الطلاق للضرر صدر فيها حكم النهائي بالخلع والتسوية المالي بناءً على طلبك، وورقة الطلاق اتسلمت رسمياً لإيميله ومحاميه الصبح.
— الحمد لله يا أستاذ إبراهيم. شكراً ليك جداً على كل جهدك.
— العفو يا بنتي.. ده حقك وأنتِ أخدتيه بشرف وكرامة.
قفلت التليفون وحطيته في جيبي.
مشيت ببطء ناحية المطبخ. فتحت الشباك الخشب الكبير، والشمس دخلت مالية المكان نور ودفا.. نفس النور اللي كنت بشوفه وأنا صغيرة وهي جدتي واقفة بتعمل بان كيك وتغني بصوتها الدافئ.
حسيت بوجودها جنبي. حسيت كأنها واقفة معايا في المطبخ، بتطبطب على ضهري وبتسمعي ابتسامتها الصافية اللي بتقولي بيها: “برافو يا ريم.. حافظتي على البيت، وحافظتي على نفسك”.
مرات أخو جوزي السابق، سارة، كانت فاكرة إنها بتقدر تاخد أي حاجة هي عايزاه بالفهلوة، والغرور، وقلة الأدب، وأنانيتها اللي ملهاش حدود. كانت فاكرة إن الناس الغلابة أو الهدين ضعفاء ومبيعرفوش يردوا.
بس هي مكنتش تعرف إن الصمت مش دايماً ضعف.. الصمت ساعات بيكون مجرد ترتيب أوراق، وتحضير لهدية عمرها ما هتنساها طول حياتها.
هدية علمتها وعلمت العيلة كلها إن بيت جدتي مش مجرد جدران وزرع.. بيت جدتي هو حصن الكرامة، واللي يقرب منه أو يفكر يدوس عليه.. هيدفع الثمن بالكامل، بالورق، وبالقانون، وبأغلى ما يملك.
قعدت على الكرسي الخشب جنب الشباك، شربت فنجان القهوة بتاعي وأنا ببص للبحيرة الزرقاء الصافية قدامي، وابتسمت للست اللي ربتني وعلمتني إزاي أكون قوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *