متلازمه دون

متلازمه دون

​قلت له: “علي.. انت بتدمر حياتك؟ انت بتدفع ثمن حادثة عدى عليها دهور؟ انت هتشيل عيل مش ابنك؟”

​علي بصلي بنظرة عمرى ما هنساه. كانت نظرة واحد كان ميت ورجعت فيه الروح.

​قال لي بالحرف:

“يا أحمد.. أنا من ليلة الحادثة دي وأنا مش بعرف أنام. كل ليلة بشوف دم مريم على إيدي. الفلوس اللي بجمعها، والنجاح اللي بحققه، كل ده كان بلا قيمة وأنا حاسس إني مجرم هربان من العدالة. ربنا مش بيسيب حد، وجابني لحد عندها. أنا مش بعطف عليها يا أحمد.. أنا بتنفس بفضل الفرصة دي. أنا بسترها وبستر نفسي من عذاب الآخرة.”

​سكتت. مكنتش عارف أرد أقول إيه. هل أخويا قديس؟ ولا مجنون؟ ولا ده أقصى درجات التكفير عن الذنب؟

​أخدت علي من إيده ودخلنا على أبويا فتحي وأمي.

​أبويا كان قاعد في الصالة وشكوشه اسود من كتر الزعل والكسفة قدام القرايب. أمي كانت بتعيط في صمت.

​علي قعد على الأرض قدام أبويا، وبدأ يحكي كل حاجة بالتفصيل.. من ليلة الحادثة، لحد لحظة ما شاف مريم في الشارع وشاف بطنها كبرت بالطفل البريء اللي مالوش أي ذنب.

​البيت كان فيه صمت أرعب من الصمت بتاع أول يوم.

​أمي حطت إيدها على بقها وبقت تصرخ بصوت مكتوم. أبويا فتحي جسمه كله كان بيمشي فيه الرعشة. الراجل اللي طول عمره ناشف وقاسي، عينيه اتملت دموع لأول مرة في حياته.

​أبويا قام وقف، وبص لعلي فترة طويلة، وبعدين طبطب على كتفه وقال بصوت مكسور:

“انت غلطت غلطة سودا زمان يا علي.. سيبت بنت بتموت وهربت زي الجبناء.. بس اللي بتعمله النهاردة ده، ده شغل رجالة.. ده كفارة ذنب. لو أسبوع واحد بس فات ومجبتش مريم وأمها يعيشوا معانا هنا في البيت الكبير.. مش هكون أبوك ولا أعرفك.”

​النهاية: الولادة والستر

​بعد تلات شهور، مريم ولدت بنت زي القمر.

​علي سمّى البنت “أمل”. مسكها بين إيديه في المستشفى والدموع نازلة من عينيه، وكان بيضحك زي الأطفال. مريم كانت قاعدة على السرير بتبتسم له وتقول بصوت متقطع: “علي.. بابا علي.”

​الناس اللي كانت بتتكلم وتغتاب، لما شافوا علي شايل البنت ومقعد مريم وأمها في أحسن مستوى، وشافوا إزاي العيلة كلها واقفة ضهر وسند ليها، الكلام كله اتخرس.

​علي اتجوز مريم مش عن حب بالمعنى التقليدي اللي الناس بتشوفه في الأفلام.. اتجوزها بحب أنقى وأعمق.. حب النجاة، حب الرحمة، والستر اللي ربنا بيبعته للناس في أشد أوقات الضلمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *