حكــايات مــى عمــر اتسمرت ولاء في مكانها لما لاحظت حاجة محدش في القصر كله أخد باله منها.. أو يمكن أخدوا بالهم وطنشوا. لونا ما كانتش بتبص للشارع ولا للسما ولا للشجر.. لونا كانت بتبص على خيال انعكاس ممرضة وهي بتحط أزازت الدوا في الزبالة من غير ما تديها منها ولا نقطة. ولاء بلعت ريقها بالعافية وضغطت على إيدها بقوة عشان ما تصرخش. الممرضة كانت بتمسك السرنجة، تفضي نصها في الفوطة، وتدي لونا النص التاني أو مية بملح.. كانت بتتفرج على أداء تمثيلي مرعب بيحصل كل يوم في هدوء وبكل برود. في اللحظة دي، ولاء فهمت كل حاجة.. الهدوء اللي في القصر مش هدوء مرض، ده هدوء جريمة بتترتب بالراحة وعلى أهدى من النار. دخلت ولاء الأوضة بالراحة وهي ماسكة صينية الشوربة، والممرضة كانت لسه بتظبط المحلول. ولاء بصوت هادي ومبتسم: — صباح الخير يا ست البنات.. عملتلك شوية شوربة خضار بقى إنما إيه، ريحتها تجيب اللي في آخر الشارع. الممرضة بصت لولاء بضيق وزجرت فيها: — إنتِ مين سمحلك تدخلي دلوقتي؟ الدكتورة قالت لونا محتاجة ترتاح وما حدش يزعجها! ولاء ببرود وهي بتحط الصينية على الترابيزة: — أنا الشغالة الجديدة يا أبلة، والأستاذ رشاد قاللي أهتم بأكلها بنفسي.. وبعدين البنت مش محتاجة راحة أكتر من كده، البنت محتاجة تأكل لقمة تسندها ولا إيه؟ الممرضة نفخت بضيق وأخدت حاجتها وهي بتقول: — أما نشوف آخرتها معاكي.. أنا طالعة أبلغ دكتور يوسف باللي بتعمليه ده. أول ما الممرضة خرجت وقفلت الباب، ولاء اتلفتت بسرعة للزبالة، ووطت جابت الأزازة الفاضية والسرنجة، وحطتهم في جيب مريلتها الكبيرة، وقربت من السرير. لونا كانت بتبصلها بعيون واسعة وفيها خوف مكتوم.. شفايفها كانت بترتعش. ولاء قعدت على طرف السرير، ووطت على مستوى وش لونا، وقالت بصوت واطي ومحمل بحنية أم موجوعة: — مش هخليهم يؤذوكي يا حبيبتي.. والله العظيم ما هسمح لحد يمسك بسوء. إنتِ فاهماني يا لونا؟ لونا هزت رأسها بالراحة أوي، ولأول مرة من شهور، صباعها الصغير اتحرك ومسك في طرف إيد ولاء.. مسكة غريق بيتعلق في قشة. ولاء دموعها نزلت، بس مسحتها بسرعة وقالت: — شاطرة يا قلب ولاء.. بصي بقى، الأكل ده مش هنلمسه، والسرنجات دي أنا هعرف أتصرف فيها.. بس عايزكي تصبري معايا وتثقي فيا.. ماشي؟ لونا حركت شفايفها بالعافية وصوتها طلع مبشوش ومجروح: — هـ.. هم بـ.. يدوني.. دوا بيموتني؟ ولاء اتصدمت إن البنت فاهمة ومستوعبة الكابوس اللي عايشة فيه، وقربت باست رأسها وقالت: — محدش هيموتك طول ما أنا حية على وش الأرض.. أوعدك. خرجت ولاء من الأوضة وقلبها بيدق زي الطبولة.. كانت محتاجة دليل قاطع قبل ما تروح لرشاد. رشاد راجل مكسور ومشتقبل أي كلام وخلاص، ولو راحتله من غير إثبات، دكتور يوسف والممرضات هيطلعوها مجنونة ويطردوها في الشارع في نفس اللحظة. بالليل، بعد ما القصر كله نام، تسللت ولاء للمطبخ، وطلعت أزازت الدوا والسرنجة اللي أخدتهم، وفتحت تليفونها البسيط اللي معندهاش غيره، واستنت لحد الساعة تلاتة الفجر.. الساعة اللي كان أخوها اللي شغال في معمل تحاليل بيخلص فيها شفت الليل. اتصلت بيه بصوت موشوش: — أيوة يا حسام.. الحقني يا أخويا، محتاجة خدمتك في حاجة حيا أو موت. حسام باستغراب: — ولاء؟ خير يا بنتي في إيه على وش الفجر؟ ولاء: — معايا عينة دوا وسرنجة محتاجة أحللهم فوراً من غير ما حد يعرف.. هجيبهملك الصبح بدري، تحللهم وتقولي فيهم إيه بالظبط.. الموضوع فيه روح طفلة يا حسام! حسام لما حس بجدية صوتها قال: — هاتيهم يا ولاء وتعالي على المعمل الساعة تمانية الصبح قبل ما المدير ييجي. تاني يوم الصبح، ولاء حطت العينة في شنطتها وحاولت تخرج من القصر بذكاء.. استأذنت من رئيسة التدبير المنزلي إنها نازلة تجيب حاجات شخصية واديتها كلمتين حلوين لحد ما وافقت. جريت على المعمل، وسلمت العينة لحسام، وقعدت على أعصابها ساعة كاملة لحد ما حسام خرج من المدى وبطريقة وشة مش طالع منها خير أبداً. حسام بذهول وخوف: — ولاء.. إنتِ جبتي البتاع ده منين؟ ولاء بلهفة: — قولي في إيه يا حسام؟ الدوا ده إيه؟ حسام: — العينة دي مش دوا علاج خالص! دي مادة سمية مهدئة بتبطئ ضربات القلب وبتدمر الأعصاب على المدى الطويل.. المادة دي لما تتاخد بجرعات متواصلة بتخلي المريض يجيلي ويموت بالتدريج كأنه بيموت بموت طبيعي بسبب الفشل الكبدي والكلوي! اللي بياخد ده قدامه فعلاً تلات شهور ويقطع النفس! ولاء دموعها نزلت من الصدمة ورجليها ما شالتهاش، قعدت على الكرسي وهي بتبكي: — حسام.. اكتبلي تقرير رسمي ومختوم باللي بتقوله ده فوراً.. بسرعة! حسام: — تقرير رسمي؟ يا ولاء ده موضوع فيه نيابة ومحاكم! إنتِ مدخلة نفسك في إيه؟ ولاء بصتله بحسم وقوة عمرها ما حساتها قبل كده: — مدخلة نفسي في إنقاذ روح يا حسام.. اكتب التقرير واخلص! رجعت ولاء القصر وهي شايلة التقرير في صدرها زي الدرع. أول ما دخلت، لقيت دكتور يوسف واقف في الصالة مع رشاد، وكان بيحكي معاه بتمثيل وإتقان شديد: — يا أستاذ رشاد، أنا شايف إن الحالة بتتدهور، ولازم نمنع أي حد يدخل عليها.. حتى الشغالة الجديدة دي أنا لاحظت إنها بتتدخل في شغل الممرضات وده بيترتب عليه توتر للطفلة. رشاد كان قاعد على الكرسي، وشه شاحب وعيونه مطفية تماماً، وقال بنبرة ميتة: — اللي تشوفه يا دكتور.. أهم حاجة لونا ما تتوجعش. هنا، ولاء ما قدرتش تمسك نفسها، دخلت في نص الصالة بصوت زي الرعد: — البنت مش بتتوجع من المرض يا أستاذ رشاد.. البنت بتتوجع من السم اللي بيتحقن في دمها كل يوم بدم بارد! رشاد اتنفض من مكانه وبصلها بذهول: — إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ اتجننتي؟ دكتور يوسف وشه اصفر، بس حاول يتمالك نفسه وصرخ: — أنتِ إزاي تتكلمي بالطريقة دي؟ يا أستاذ رشاد الحرمة دي مجنونة ولازم تطرد فوراً! الأمن يا أستاذ رشاد! ولاء طلعت التقرير المكتوب والمختوم من شنطتها ورمته على الترابيزة قدام رشاد وقالت بقوة: — التقرير ده من معمل تحاليل معتمد.. فيه تحليل الدوا اللي الدكتور يوسف والممرضة بيدوه لبنتك! المادة دي سم مهدئ بيموت بالبطيء! بنتك معندهاش سرطان ولا هي بتموت.. بنتك بتتسمم كل يوم تحت عينك وأنت فاكر إنك بتعالجها! رشاد بص للتقرير وإيده بترتعش.. مسك الورق وبدأ يقرا الكلام وهو مش مصدق.. عينيه كانت بتتنقل بين السطور ووش دكتور يوسف اللي بقى زي الميت. رشاد بصوت مرعب ومبحوح: — يوسف.. الكلام ده صح؟ دكتور يوسف بدأ يتراجع لورا ويرتبك: — ده.. ده كلام فارغ! دي شغالة نصابة عايزة تبتزك يا أستاذ رشاد! التقرير ده مزور! ولاء بضحكة وجع وسخرية: — مزور؟ طب تعالى نطلب الإسعاف والشرطة دلوقتي فوراً ونعمل تحليل دم حالا للونا ونشوف مين اللي بيكدب ومين اللي بيقتل بنت صغيرة عشان الفلوس! دكتور يوسف أول ما سمع كلمة الشرطة، تلفّت حواليه وحاول يجري ناحية الباب، بس رشاد هجم عليه زي الأسد الجريح، مسكه من رقابته وزقه في الأرض بقوة وهو بيصرخ فيه: — بقى أنا مأمنك على روحي؟ أنا بديك ملايين عشان تعالجها وأنت بتموتها؟ ليه؟؟؟ ليه تعمل كده في طفلة ما أذتكش في حاجة؟ دكتور يوسف وهو بيتخنق وتحت إيد رشاد المغلولة اعترف وهو بيعيط من الخوف: — مش أنا يا رشاد بيه! مش أنا والله! ده أخوك مدحت! مدحت هو اللي دفعلي ملايين عشان أخلص منها قبل ما تكمل السن القانوني وتستلم ورث أمها! هو اللي قاللي أعمل كده عشان الورث يرجعله هو بعدك! الكلمات نزلت على رشاد زي الصاعقة.. أخوه؟ شقيقه؟ ابن أبوه وأمه هو اللي بيقتل بنته عشان الفلوس والشركات؟ رشاد ساب دكتور يوسف المرمي على الأرض وبيترعش، وبص لولاء وعيونه كلها دموع وندم، وقال بصوت متقطع: — أنا.. أنا كنت عمى؟ أنا كنت بمتع بنتي بإيدي؟ ولاء قربت منه وقالت بهدوء وحنان: — المهم إن ربنا كشفهم قبل فوات الأقت.. البنت لسه فيها الروح يا رشاد بيه.. نقدر ننقذها. في ظرف ساعات، القصر اتحول لخلية نجل.. الشرطة جرت وقبضت على دكتور يوسف والممرضات، وطلعت قوة ثانية قبضت على مدحت أخو رشاد وهو بيحاول يهرب بره البلد بعد ما عرف إن اللعبة انكشفت. فريق طبي جديد ومستقل جه للقصر، وبدأوا يعملوا غسيل سموم وعلاج مكثف للونا.. وفي خلال أسبوعين بس من وقف السم، بدأت الألوان ترجع لوش لونا الصغير.. بدأت تبتسم، بدأت تقعد، وبدأت تتكلم بصوت طبيعي. في يوم دافي والشمس طالعة، رشاد كان قاعد في الجنينة بيتفرج على لونا وهي بتلعب بالعروسة مع ولاء.. ولأول مرة من سنين، ضحكة لونا كانت مالية المكان. قرب رشاد من ولاء، وقعد جنبها على الدكة، وبصلها بامتنان عميق وقال: — أنا مش عارف أشكرك إزاي يا ولاء.. إنتِ مش بس أنقذتي حياه بنتي، إنتِ أنقذتي روحي أنا كمان من الضياع.. الفلوس والقصر والشركات دول كلهم ما يسووش حاجة جنبك.. طلباتك إيه يا ولاء؟ أطلب أي حاجة في الدنيا وهتكون تحت رجليكي. ولاء بصت للونا وهي بتضحك، وابتسمت ابتسامة هادية وصافية من قلبها، وقالت: — أنا مش عايزة فلوس يا أستاذ رشاد.. ربنا عوضني بلونا عن ابني اللي راحت روحه للسموات.. كل اللي طالبا منك إنك تفضل جنب بنتك وما تسيبهاش تاني لأي سبب في الدنيا.. الحنية والأمان هم العلاج الحقيقي اللي كانت محتاجاه. رشاد بصلها بدموع وقرر في اللحظة دي إن ولاء مش هتفضل مجرد شغالة في البيت.. ولاء بقت فرد من العيلة، بقت الأم والظهر والأمان اللي حرمتهم منه الأيام. ومن اليوم ده، رجعت الضحكة لقصر الشاذلي، واتقفلت صفحة الحزن والظلم للأبد. حكــايات مــى عمــر