الجزء الثاني: الصندوق الأسود في تلفوني مسكت التلفون وإيدي بتتراشف. خرجت من أوضة الاجتماعات ورجلي بالعافية شايلاني. الموظفين في الشركة كانوا بيبصولي باستغراب، بس أنا مكنتش شايف حد قدامي. فتحت سجل المكالمات ودخلت على القائمة المحظورة اللي عمري ما فكرت أفتحها.روايات_مشيره_محمد وهناك، كانت المفاجأة اللي نزلت عليا زي الصدمة. ست مكالمات ورا بعض من رقم مريم، كلهم في ليلة واحدة من أربع شهور. وتحت المكالمات، كان فيه ثلاث رسائل صوتية محذوفة تلقائيًا لأن الرقم متسجل في قائمة البلوك. فتحت الرسالة الأخيرة اللي كانت مكتوبة نصًا: "أحمد.. أنت اللي سبتني، وأنا مكنتش عايزة أمشي أبدًا. أنا حاولت أقولك بس أنت قفلت كل الأبواب في وشي. لو بتهتم بأي حاجة كانت بيننا، كلمني.. أنا محتاجة وجودك معايا دلوقتي أكتر من أي وقت فات." قعدت على كرسي في الكوريدور وراسي بين إيدي. أنا عمري ما عملت بلوك لـ مريم! يوم الطلاق، اتفقنا نقفل الصفحة بهدوء، ومسحت رقمها بس عمر أيدي ما اتمدت عشان أحظرها. مين اللي عمل البلوك ده؟ وليه الرسائل دي مشفتهاش إلا النهاردة؟ المكالمة من الدكتور خالد كانت لسه مأثرة عليا، أخدت مفاتيح عربيتي ونزلت جري. المستشفى كانت على بعد نص ساعة، وفي الطريق كان عقلي بيشغل مشاهد السنة اللي فاتت كلها زي الفيلم. أنا ومريم اتجوزنا عن حب، بس الشغل والمشاكل الصغيرة كبرت بيننا، لحد ما جه اليوم اللي قررنا فيه نتطلق. يومها كانت ساكتة، دموعها كانت نازلة من غير صوت، وأنا كنت فاكر إنها خلاص مش عايزاني. بس الرسالة دي بتقول العكس تمامًا! وصلت المستشفى، وربحة ريحة المعقمات والمطهرات دخلت في صدري وزودت ضربات قلبي. سألت في الاستقبال عن الدكتور خالد، ودلوني على دور الرعاية المركزة للأطفال حديثي الولادة. لقيت الدكتور خالد واقف بيبص على الملفات. قربت منه وأنا بتنفس بصعوبة: "دكتور خالد؟ أنا أحمد.. جوز مريم.. قصدي أحمد زوج مريم السابق." الدكتور بصلي بنظرة فيها تقييم وهز رأسه: "أهلاً يا أحمد. كويس إنك جيت بسرعة. اتفضل معايا." مشينا في الممر، ووقفنا قدام شباك زجاجي كبير. شاورلي على حضّانة صغيرة جوه، وكان فيه طفلة صغننة خالص، أجهزة كتير متوصلة بجسمها الضعيف، بس كانت بتتنفس بانتظام. الدكتور خالد قال بهدوء: "دي بنتك. اتولدت بدري شوية، بس قلبها قوي وبتقاوم. هي محتاجة وقت في الحضّانة، بس الوضع بشكل عام مستقر." دموعي نزلت من غير ما أحس. قربت من الإزاز ولمسته بإيدي كأني بحاول ألمس إيدها الصغيرة. "هي.. هي سمّتها إيه يا دكتور؟" سألته برعشة في صوتي. الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "مريم سمتها (أمل). وكانت مصرة إن اسمك يتقيد في شهادة الميلاد أول ما تفوق." كلام الدكتور كان بيقطع في قلبي. ملتفت للدكتور وسألته: "ومريم؟ مريم عاملة إيه؟ أقدر أشوفها؟" ملامح الدكتور خالد تحولت للجدية وقال: "مريم عدت بمرحلة صعبة جدًا أثناء الولادة. كانت بتعاني من ارتفاع شديد في ضغط الدم، والعملية كانت خطيرة. هي دلوقتي في أوضة العناية المتوسطة، فاقت من البنج بس مجهدة جدًا. تقدر تدخولها، بس يا ريت بلاش أي توتر." الجزء الثالث: المواجهة والحقيقة الغائبة مشيت ناحية أوضة مريم، كل خطوة كانت بتقلب في خاطري ألف سؤال. فتحت الباب بالراحة. كانت نايمة على السرير، وشها أصفر وتعبان، وتحت عيونها هالات سودة. بس أول ما فتحت عينيها وشافتني، شفت في لفتة عينها مزيج من الخوف، والرجاء، والوجع. قربت من السرير وقعدت على الكرسي اللي جنبها. فضلت ساكت لحظات، ومش عارف أبدأ منين. مريم بصتلي بصوت واطي ومبحوح: "جيت ليه يا أحمد؟ مين قالك؟" قلت لها وأنا بطلع التلفون من جيبي: "الدكتور خالد كلمني النهاردة الصبح.. قال لي إن بنتي اتولدت. مريم.. ليه؟ ليه مكنتش اعرف؟ ليه خبيتي عليا كل ده؟" مريم لفت وشها الناحية التانية والدموع نزلت على خدها: "أنا مخبيتوش عليك يا أحمد. أنا حاولت أقولك ألف مرة. بس أنت قررت تبيع كل حاجة وتقفل خطك في وشي." أنا اتصدمت وقلت بحدة مكتومة: "أنا قفلت خطي؟ أنا عمري ما رفضت مكالمة منك! أنا اتفاجأت النهاردة إن رقمك معموله بلوك على تلفوني! وفيه ست مكالمات ورسائل صوتية متسجلة عندي وأنا عمري ما شفتها ولا سمعتها إلا من ساعة واحدة بس!" مريم لفت بصتلي باستغراب وشك: "يعني إيه؟ أنت بتهزر؟ أنت البلوك ده معمول من ليلة ما عرفت إن هكون أم! أنا اتصلت بيك وأنا بتموت من الخوف، وكنت محتاجة أسمع صوتك وأقولك إن فيه حاجة هتربطنا ببعض طول العمر.. لقيت التليفون بيديني مش متاح، والرسائل مبتوصلش!" مسكت إيدها، وكانت باردة زي الثلج: "صدقيني يا مريم.. والله العظيم ما عملتلك بلوك. أنا التلفون ده معملتش فيه حاجة.. استني.." فجأة، افتكرت حاجة غريبة كانت حصلت من أربع شهور. في الفترة دي، أنا كنت بمر بظروف شغل صعبة، وكنت بسافر كتير. وفيه ليلة من الليالي، شادي صاحبنا الأنتيم، واللي كان ماسك كل الأوراق القانونية الخاصة بالطلاق وشريكنا في الشغل، خد تلفوني عشان كان بيظبطلي أبلكيشن للشركة ورسائل الجيميل. شادي كان هو الوحيد اللي معاه الباسورد بتاع تلفوني في الأيام دي! بصيت لـ مريم وقلت بحيرة: "مريم.. افتكري معايا.. ليلة المكالمات دي.. هل كلمتي حد تاني؟ هل شادي كان يعرف؟" مريم عيونها اتوسعت وقالت بزهول: "شادي؟ شادي كلمني في نفس الليلة! قال لي إنك مش عايز تسمع اسمي تاني، وإنك طلبات منه يبلغني إن أي تواصل يكون عن طريقه هو بس، وقال لي إنك غيرت رقمك وعملتلي بلوك عشان تبدأ حياة جديدة مع حد تاني!" الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. شادي؟ صاحبي اللي متربي معايا؟ اللي كان بيقعد معايا كل يوم ويسمعني وأنا بتوجع على فراق مريم ويقولي "معلش يا صاحبي هي اختارت تبعد وربنا يعوضك"؟ الجزء الرابع: خيوط المؤامرة كل حاجة بدأت تتضح قدامي زي المكعبات اللي بتركب مع بعضها. شادي مكنش مجرد صاحب.. شادي كان حاطط عينه على شركتنا، وكان دايماً بيحاول يوقع بيني وبين مريم من أيام الجواز. كان بيكبر أي مشكلة صغيرة، ويجي يقولي "الستات يا أحمد مش بيقدروا التعب"، ويصحى يروح لـ مريم يقولها "أحمد مهمل ومش فارق معاه البيت". ولما حصل الطلاق، كان عايز يقطع كل خيوط الراجع، عشان يفضل مسيطر عليا وعلى الشغل، ومجرد ما مريم تبعد خالص، يضمن إن الشركة تتصفى لحسابه أو ياخد نصيبها بأقل سعر! مسكت إيد مريم بقوة وقلت لها: "شادي كداب يا مريم! شادي هو اللي لعب في التلفون وعمل البلوك، وهو اللي قالك الكلام ده عشان يكسرك ويخليكي تبعدي! أنا عمري ما نفيتك من حياتي، ولا عمر قلبي حب حد غيرك!" مريم كانت بتعيط بحرقة: "أنا صدقته يا أحمد.. صدقته لما قال إنك مش عايز تشوفني ولا عايز تعرف عن البيبي أي حاجة! أنا عشت أربع شهور في عذاب، كنت بفكر إزاي هربي بنتي لوحدي، وإزاي أبوها ينكرها بالطريقة دي!" قربت منها وبست رأسها: "أنا أسف.. أسف إني وثقت في الثعبان ده وسبته يدخل بيننا. بس والله حقك وحق بنتنا هيرجع، والنهاردة قبل بكرة." خرجت من أوضة مريم، وكان جواه نار بتغلي. كلمت المحامي الخاص بيا، مش شادي طبعاً، وطلبت منه يجهز أوراق مراجعة حسابات الشركة بالكامل من يوم ما اتطلقنا، ويجيلي فوراً على المستشفى. وبعد ساعة، شادي اتصل بيا عادي جداً كأن مفيش حاجة: "إيه يا أحمد يا صاحبي؟ أنت فين؟ فيه اجتماع مهم مع الموردين ولازم تحضر." حاولت أتحكم في أعصابي وأتكلم بنبرة هادية: "أنا في مستشفى سانت كاترين يا شادي.. مريم ولدت النهاردة." السكوت خيم على الخط لعدة ثواني. حسيت برعشة في نفسه قبل ما يقول بتلعثم: "إيه؟ ولدت؟ مريم؟ أنت.. أنت عرفت إزاي؟ وهي.. هي كويسة؟" رديت عليه ببرود يخوف: "الدكتور كلمني.. والحمد لله مريم والبنت كويسين. تعالى يا شادي.. تعالى عشان تفرح معايا بالبنت، ولازم نتكلم في كم حاجة كده تخص الشغل والأيام اللي فاتت." شادي قال بصوت متوتر: "أصل.. أصل عندي شغل كتير دلوقتي يا أحمد، ممكن نتقابل بالليل.." قطعت كلامه وقالت بصوت جوهري: "أنا مستنيك في كافيه المستشفى خلال نص ساعة يا شادي.. ولو مجيتش، أنا هجيلك المكتب ومعايا الشرطة والمحامي." الجزء الخامس: المواجهة الخاطفة وحساب العثور بعد نص ساعة بالضبط، شادي دخل الكافيه وهو بيلفت يمين وشمال، وشه كان أصفر وربكته باينة عليه جداً. قعد قدامي على الطاولة ومحاولش يحط عينه في عيني. "أحمد.. أنت فاهم غلط أكيد.." بدأ شادي يبرر قبل ما أنا أتكالم أصلاً. طلعت التلفون وحطيته على الطاولة بيننا: "أنا لسه مفهمتش حاجة يا شادي.. أنا مستنيك أنت تفهمني. إزاي البلوك ده اتعمل من تلفوني؟ وإزاي تروح لـ مريم وتقولها الكلام الوهمي ده؟ إيه الغل والكره اللي جواك ده كله؟" شادي حاول يتصنع القوة وقال: "أنا عملت كده عشان مصلحتك! أنت مكنتش شايف حياتك، مريم كانت ممرراك، ولما اتطلقتوا أنت بدأت تقف على رجلك تاني! لو كانت رجعتلك بالطفل ده، كنت هترجع لنفس الدوامة والمشاكل! أنا كنت بحميك!" ضحكت بمرارة وقفت على حيلتي: "تحميني؟ ولا عشان كنت بتسحب أرباح الشركة لحسابك من ورايا، وعارف إن مريم لو رجعت كانت هي اللي بتمسك الحسابات وهتكشف نصيبك اللي بتسرقه؟" شادي اتصدم وعيونه اتوسعت: "أنت بتقول إيه؟" في اللحظة دي، دخل المحامي بتاعي ومعه المراجع المالي، وحطوا ملف كامل على الطاولة. المحامي قال بصرامة: "استاذ شادي، مراجعة الحسابات المبدئية للست شهور اللي فاتوا أثبتت وجود تحويلات غير قانونية لحساب شركة وهمية باسمك. ده غير تزوير توقيعات أحمد على بعض العقود." شادي انهار وقعد على الكرسي ومش عارف يقول إيه، النظرة اللئيمة اللي كانت في عينه تحولت لخوف ورعب. قربت منه ووشي في وشة وقلت له بصوت واطي بس حاسم: "أنت خسرت كل حاجة يا شادي. الصداقة، الشغل، وحريتك كمان. الأوراق دي هتروح للنيابة فوراً، وأنا مش هسيب حق بنتي وزوجتي اللي حاولت تدمر حياتهم." شادي بدأ يترجاني: "أحمد.. عشان خاطر الأيام اللي بيننا.. أنا أسف.. أنا غلطت بس بلاش النيابة!" شلت التلفون من على الطاولة وقلت له: "الأيام اللي بيننا أنت مسحتها ليلة ما عملت البلوك ده. مع السلامة يا شادي." الجزء السادس: بداية جديدة على أنقاض الماضي بعد ما الشرطة أخدت الإجراءات مع شادي، رجعت لـ مريم. كانت قاعدة على السرير ومسكة (أمل) بين إيديها بعد ما الدكاترة سمحوا لها تشيلها لأول مرة. المنظر كان يجنن.. مريم بتبص للبنت بدموع فرحة، والبنت الصغيرة كانت ماسكة بصابع مريم الصغير. دخلت الأوضة وبصيتلهم، ومريم رفعت عينها ليا وابتسمت ابتسامة صافية من غير أي وجع أو شك. قعدت جنبها وبصيت للبنوتة الصغيرة: "شادي خد جزاؤه يا مريم.. وكل الكذب والغيوم اللي كانت بيننا اتمسحت خلاص." مريم هازت رأسها وقالت بصوت هادي: "المهم إننا عرفنا الحقيقة قبل ما الوقت يفوت يا أحمد.. المهم إن أمل طلعت للدنيا ولقيت أب وأم بيحبوها." مسكت إيد مريم وإيد أمل الصغيرة وقلت لها: "أنا اتعلمت درس كبير أوي يا مريم.. اتعلمت إن السكوت والثقة الزايدة في الغريب ممكن تهد بيوت. أنا مش هسيبكم تاني، وهنبدأ سوا من جديد.. لو أنتِ موافقة تنسي اللي فات وتديني فرصة ثانية." مريم بصت لأمل ورجعت بصتلي وقالت: "عشان أمل.. وعشان الحب اللي عمره ما مات في قلوبنا.. نبدأ من جديد يا أحمد." وبعد شهرين، كانت (أمل) كبرت شوية ونورت بيتنا من تاني، ورجعت أنا ومريم كتبنا كتابنا من جديد، بس المرة دي بكتابة عهد جديد، أساسه الصراحة المطلقة والإيمان إن اللي ربنا كاتبه للخير، مفيش أي كذب في الدنيا يقدر يغيره. روايات_مشيره_محمد