جدتى امانى السيد

جدتى امانى السيد

أول ما دخلت البيت القديم، لقيت القرايب كلهم ملمومين. عمي الكبير، عمي الصغير، أبويا وأمي.. وبنات عمي وفاء، وداليا، وشهد كانوا وصلوا قبلي. جدتي كانت نايمة على السرير في الصالة الكبيرة. كانت خسيت أوي عن آخر مرة شفتها.. وشها أصفر، وخدودها داخلة لجوه، وشعرها الأبيض منكوش على المخدة، ونفسها طالع بالعافية. بس أول ما لمحتنا إحنا الأربعة واقفين، حاولت تسند إيدها وتقعد بطلوع الروح.

جيتوا كلكم؟.. تعالوا.. تقربوا اقعدوا جنبي. وما حدش فينا كان متوقع الكلام اللي قالته بعد كده زمان.. أنا ظلمتكم كتير يا بناتي. الصالة كلها سكتت. أنا فضلت واقفة مكاني في لحظات شكيت في وداني.. جدتي بتعتذر؟! الست اللي عمرها ما قالت كلمة عدلة في حقنا، جاية بتبكي وتطلب السماح؟

! دموعها نزلت على وشها وقالت أنا عشت عمري كله مخي مقفول.. كنت فاكرة إن العيلة هتنتهي لو مفيش ولد.. وكان قلبي بيتعصر كل ما أشوفكم. بس وأنا نايمة هنا الفترات اللي فاتت، فكرت كتير.

. ما أنتُم برضه من دمي.. أنا اللي كنت عاصية وظالمة. داليا بدأت تمسح دموعها.. وشهد دورت وشها وهي بتعيط.. وحتى وفاء الكبيرة وُشها أثّر فيه الكلام. أنا بس اللي فضلت باصة لها بجمود. مش عارفة ليه، كل ما كانت بتتكلم، كل ما كان قلبي بيبتضايق والإحساس بالخطر بيزيد جواه!

وفجأة.. جدتي زقت الغطاء وقامت! عمي الكبير اتخض يا أمي رايحة فين بس؟! أنتِ تعبانة! شالت إيده بتعب وقالت أنا مش فاضل لي كتير.. قبل ما أقابل ربنا، عاوزة أعمل لكم أكلة حواوشي بإيدي زي زمان واحطلكم فيه لحمه من اللي حرمتكم منها.

عمي قال لها يا أمي أنتِ حيلك مهدود، حواوشي إيه بس؟! قالت وهي بتهز رأسها بإصرار لازم أعملهم عشان أستريح. وقامت بتتسند على العكاز ورايحة على المطبخ بخطوات بطيئة. داليا وشهد جريوا عليها بدموع يا ستي خلاص إحنا مش زعلانين منك والله! ارتاحي أنتِ وإحنا هنعمل العجين والتتبيلة!

ووفاء قامت عشان تجهز الفرن. الثلاثة اشتغلوا معاها.. وأنا واقفة في نص الصالة،بصيت على ضهرها المحني وهي داخلة المطبخ.. وفكرت في جملة واحدة مش صح.. اللي بيحصل ده مش طبيعي! ست عاشت عمرها كله شايفانة بلا قيمة، وكانت تستخسر فينا حتى نص رغيف حاف.

. ليه فجأة وقبل ما تموت بساعات، تصر وتحفى عشان تأكلنا من إيدها؟! كل ما أفكر في الموضوع، أحس إن فيه حاجة غلط.. حاجة مرعبة. وفي الآخر، ووسط تلميحات العيلة واتهاماتهم ليا بإني قاسية، سحبت شنطتي ومشيّت من البلد في نفس اليوم العصر. على بال الليل، وأول ما نزلت من القطر السريع، موبايلي نور.. عشرات المكالمات! وجروب العيلة فيه أكتر من تسعين رسالة غير مقروءة! وفجأة.. لقيت مكالمة أمي جاية لي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *