من حفر حفره لمراته ج الاخير

من حفر حفره لمراته ج الاخير

حكايات مني السيد حصري
الكلمة نزلت على ضهر مريم كأنها كرباج مبلول في مية نار.
وقفت في نص الصالة، رجلها اتسمرت في الأرض، وإيدها السليمة اتطبقت على بطنها بطريقة غريزية كأنها بتحاول تدفن اللي جواه جوة ضلوعها عشان عينه متطولوش. بصتلي وعينيها كانت متسعة لآخرها، الدم هرب من شفايفها وبقت باهتة كأنها ورقة جرنال قديمة.
هو… هو شاف تحليل المعمل يا دينا؟ همست بصوت بيتهدج، عامل زي ورقة شجر بتكركب في ريح أنا كنت حطاه في قعر درج التسريحة تحت الإيشاربات… كان نفسه في عيل بقاله سنتين، وكنت فاكرة إن دي اللحظة اللي هتلين قلبه…
يلين قلبه إيه يا مريم؟ الراجل ده قلبه حجر ومبلول في زفت! امشي قدامي متقفيش ثانية واحدة!
شديتها من كوعها، بس طارق مسبلناش فرصة.
باب الأوضة اترزع في الحيطة بقوة خلت البياض يفرط منه في الأرض، وخرج وشه أحمر زي الجمر وعينيه فيها نظرة حد عازم على جناية. كان ماسك في إيده ورقة التحليل البيضا اللي عليها شعار معمل في شارع البحر، ومطبقها نص تطبيقة بغل.
على فين يا مدام؟ طارق قرب، صوته كان هادي بغدر يخوف أكتر من الزعيق، وعضلات فكه بتكز على بعضها خارجة بالشنطة ومع مين؟ مع المحروسة أختك عشان تلففك على بيوت أهلك وتعملوا عليا حفلة؟ لأ يا بت الناس، طلاق مش هطلق، والشقة دي مش هتخرجي منها خطوة واحدة غير بإذني.
طارق، متمدش إيدك ومتعملش حركة غبية! وقفت قدامه وزعقت في وشه، ونزلت الشنطة اللي في إيدي على الأرض عشان استعد لو فكر يهجم.
طارق بصلي باحتقار، ونفض إيده في الهوا وكأنه بيهش دبانة
إنتي ملكيش دية هنا يا دينا، اطلعي برة وخليكي في غلك، دي مراتي وفي بطنها حتة مني، والشرع والقانون والشارع معايا. اللي تخرج من بيت جوزها غصب عنه تبقى ناشز ومالهاش مليم، وابني مش هيتربى في بيت حد!
مريم هنا ردت، بس مكنش زعيق، كانت نبرة صوت تانية عمري ما سمعتها منها طول تلات سنين جواز. نبرة الست اللي خسرت كل حاجة ومبقاش عندها حاجة تخاف تخسرها
ابنك؟ مريم ضحكت، ضحكة مكسورة بتوجع القلب بقاله سنتين بتقولي مش وقته يا مريم، مش معانا مصاريف ولادة يا مريم، الدكاترة غاليين يا مريم… وإنت كنت بتوفر فلوس ولادته عشان تفرش شقة طنطا لنجلاء؟! كنت واكل لحمنا ومجوعنا عشان تدفع أقساط الهانم وتكتبها باسمها؟!
قولتلك الشقة مش باسمها يا جاهلة! دي توكيل رسمي لإدارة الشقة بس عشان الإسكان مقفول! صوته طلع يرج السلم برة.
كداب! صرخت أنا في وشه وطلعت الورقة من جيبي كداب وعقد التنازل اللي مكتوب بخط الإيد وممضي عليه شاهدين ده مش توكيل! ده تنازل صريح عن حصتك في البرج لنجلاء عبد الحميد بمجرد سداد آخر قسط! يعني بعد شهرين كانت الشقة هتبقى بتاعتها على بياض، وإنت تطلع يا حيلتها تشتري شقة جديدة ولا تتجوزها هناك ومريم تترمي في الإيجار بعيلها!
طارق اتجنن لما شاف الورقة في إيدي بجد. هو كان فاكر إننا شوفنا مجرد إيصالات تحويل بنكية وسط السحارة، مكنش متخيل إن الورقة العرفي اللي بينه وبين نجلاء كانت جوة الظرف البني الصغير. حصري على صفحة روايات و اقتباسات هجم عليا فجأة. مد إيده الضخمة زي الكماشة عشان يخطف الورقة من إيدي، بس أنا كنت حذرة، رجعت خطوة لورا وخبطت في درابزين الصالة، ومريم صرخت صرخة رمت روحها في النص بيني وبينه، مسكت قميصه بإيدها السليمة وعضت على شفايفها
سيبها يا طارق! سيبها بقولك!
طارق زقها بزنده، الزقة مكنتش قوية أوي بس مريم كانت مهزوزة ورجلها اتكعبلت في طرف سجادة الممر، وقعت على ركبتها وصوت أنين مكتوم طلع من صدرها وهي سانة على إيدها المورومة. الوجع ضرب في جسمها كله ووشها اتعصر.
المنظر ده عما عيني. حسيت بدمي بيفور في نفوخي.
شفت طفاية السجاير الإزاز التقيلة المحطوطة على ترابيزة الصالون الصغيرة، مسكتها بإيدي ورفعتها في وشه
قسماً بعزة جلال الله، لو قربت خطوة تانية، الطفاية دي هتنزل في نفوخك أقسمهالك نصين! والله ما بهزر ولا بخاف منك، والشارع كله هيشهد إنها دفاع عن النفس بعد ما ربيت مراتك الحامل في الأرض!
طارق وقف متسمر مكانه. شاف في عيني إني مستعدة أعملها بجد. الجبان دايماً لما يلاقي اللي قدامه بايع روحه، بيرجع خطوة لورا. نزل إيده بالراحة وبص على مريم اللي كانت لسه ساندة على ركبتها في الأرض وبتكتم وجع بطنها.
أنتي كويسة يا مريم؟ سألتها وأنا عيني مبعدتش عن طارق ثانية واحدة.
مريم هزت راسها ببطء، وعيونها كانت بتلمع بقسوة جديدة
قوميني يا دينا… قوميني ومش هنقعد دقيقة واحدة هنا.
مديت إيدي الشمال وسندتها على حيلها، وهي اتسندت عليا بكل تقلها. طارق كان واقف بيتنفس بصوت عالي وسريع، صدره طالع نازل زي الكير، وبص على الباب
افتكروا إنكم اللي بدأتم الحرب دي. لو خرجتي يا مريم، الشنطة دي مش هتطولي غيرها، وكل حاجة في الشقة دي بتاعتي وعفشي وشقايا.
مريم مبصتلوش أصلاً. عدت من جنبه كأنه مش موجود، كأنه هوا فاسد. مريم بصت للباب اللي كان موارب، وخرجت السلم خطوة خطوة، وأنا في ضهرها، شنطة الهدوم في إيد،

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *