عديت ج الاخير

عديت ج الاخير

ضحكت بخفوت وبعدين اعتدلت:
– صحيح يا آسر… احم مهندس آسر، كانوا بيقولوا فيه اجتماع النهارده لسكان العمارة، لازم نحضره.

رد بهدوء:
– يستحسن أكيد بس عادي.
ليه؟ وراكِ حاجة؟

قعدت على الكرسي قصاده بتنهيدة طويلة، وأنا مش على مزاجي القرار اللي هقوله:
– هنزل القاهرة عشان نهلة أختي هتولد، ولازم أبقى معاها.

بان الاستنكار على ملامحه وقال بسرعة:
– وهتقعدي قد إيه؟!

ردّيت وأنا بحاول أبين إن الموضوع بسيط:
– مش كتير أنا اتحججت بشغلي، وكفاية عليا يومين.

استرخى في قعدته، وبصلي بنظرة فيها مكر خفيف:
– بس عادي لو عايزة تقعدي أسبوع أنتِ معاكِ واسطة جامدة.

رفعت حاجبي وبصيتله بجدية:
– هتقدر تستغنى عني؟!

“قولتها بجدية
لكن جوايا كنت بتمنى أقولها بطريقة تانية،
طريقة تخليه يفهم عمق الإحساس اللي بحاول أخبيه”

اعتدل في قعدته وبصلي بهدوء:
– لا، مقدرش أنتِ مترجمة شاطرة عندنا ومنقدرش نستغنى عنك يا هنا.

هزيت راسي بخفة وقومت واقفة:
– شكرًا يا باشمهندس حضرتك كنت عايز مني إيه؟

رد ببساطة:
– ولا حاجة خلاص، مادام هتسافري روحي حضّري حاجاتك ومتتأخريش.

– ماشي، شكرًا ليك.

وقف كلامي عند الباب، قبل ما أسمعه بيقول بهدوء:
– مفيش بينا شكر يا هنا.

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وخرجت…
سندت نفسي للحظة على الباب بحاول أنظم وتيرة أنفاسي وأهدي الخفقة اللي فجأة بقت أعلى من اللازم.
وبعدين اتحركت عشان أحضر شنطتي وأسافر.

جهزت وخلّصت كل حاجة لكني فجأة قعدت على السرير.
لحظة صمت طويلة، تقيلة كأنها بتسحبني غصب عني لجوايا.
قدام عيني كانت بتتكرر نفس المشاهد نفس الذكريات اللي طول عمري بحاول أهرب منها وبحاول أتجاهلها.
مين كان يصدق؟
مين كان يتخيل إني في يوم أبقى هِنا بعد كل اللي كنت فيه؟
الدنيا طلعت أقسى بكتير مما كنت فاكرة
وفجأة، من غير مقدمات، يظهر نور… نور ييجي كده مرة واحدة، من غير ما تحس، ومن غير ما تكون مستعد له.
أنا هنا البنت الضعيفة… الضحية.
ضحية أهل… وحبيب… وصاحب.
كنت عايشة إزاي؟ ولمين؟ وفين؟
إزاي فضلت كل السنين دي في مكان غلط ومع ناس غلط؟
الإنسان غريب أوي يبقى قدامه طريق النجاة، واضح وصريح ومع ذلك يفضل واقف في الهلاك.
ليه؟
عشان خايف.
خايف يبقى لوحده خايف يحس إنه وحيد.
لكن الغريبة إن الوحدة لما جربتها لقيتها أهدى بكتير.
وحدة من غير دوشة من غير خناقات
من غير صراع بيستنزف الروح كل يوم.
يمكن غيري يقدر يتقبل ويرضى ويمكن كمان يحب.
لكن أنا…
أنا كنت اكتفيت.
اكتفيت من الألم من الظلم من الإهانة من قلة التقدير.
مش هكدب كان فيه لحظات حلوة.
بس الوحش كان طاغي طاغي لدرجة إنه كان بيمحي أي حاجة حلوة عدت.
القسوة كانت بتنهش فيَّ حتى وهم مش موجودين.
لو الكلام يقدر يوصف الوجع مكنتش هكتفي بالبُوح ده كله.
لكن مهما اتكلمت محدش هيحس.
محدش هيعرف أنا مين ولا إزاي وصلت لهنا ولا إزاي قدرت أبعد بعد كل ده.
وفجأة الذكريات بدأت تسحبني لورا…
Flash back…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *