المطارد ج الاخير
المطارد ج الاخير
وفي المدينة وبعد ان ترجلت من سيارة الأجرة الخاصة ببلدتهم ، انفصلت عن مرافقتها من احدى فتيات البلدة مخالفة السير معها في الطريق المعتاد ، بحجة التقائها الضروري لإحدى صديقاتها من اهل المدينة لأمر مهم يخص الدراسة ، وسارت في الطريق الذي وصفه لها ، تقطعه على تخوف وتردد، مع رغبة قوية في المغامرة، كان الطريق في بداية الصباح تقريبًا خاليًا من السكان، وهي تسير بحرص حتى تفاجأت به يخرج لها من آحدى البنايات ،
– ندى .
هتف بها مقتضبه بابتسامة انارت وجهه الوسيم ، يتقدم نحوها بقميص اسود على بنطاله من الجينز ، والذي لائم جسده النحيف بخطوات مسرعة نحوها وكأنه لا يصدق رؤيتها ، اومأ لها لتتحرك بخطواتها فسارت هي للجهة التي يشير اليها حتى وقفت معه في ركن قريب بعيد نسبيًا عن الأعين المتلصصة وحركة المشاة في الشارع، تحدث قائلًا بلهفة :
– دا انا مكنتش مصدق انك هاتيجي .
ردت قائلة بهدوء :
– ما انا كنت فعلًا مش هاجي ، بس بصراحة خوفت لا تزعل وتفتكرني خايفة منك زي كل مرة ، وكمان عشان الطريق سهل وهايوصلني لمدرستي ، مش انت قولت كدة .
اومأ لها بلهفة مشيرًا لها بيده قائلًا :
– ايوة امال ايه ؟ شايفة الشارع الصغير اللي قدامك هناك ده ، هاتدخلي تمشي فيه وفي ظرف عشر دقايق هتلاقي المدرسة في وشك على طول.
اومأت برأسها صامتة فتابع بنظراته المتفحصة وكأنه يلتهم تفاصيل وجهها :
– ماتعرفيش انا فرحان ازاي دلوقت، انا حاسس قلبي هاوقف مني من ضربه السريع جوا صدري ، دا انا بحبك قوي ياندى .
قال فجاة مقبضًا على كفها ، جعلها ترتد للخلف مجفلة من فغلته ، رفع كفيه امامها بتراجع :
– اسف ، سامحيني والنبي انا مش عايزك تخافي مني تاني. .
ردت وهي تنظر نحو كفه قاطبة بدهشة :
– انت ايدك بتتنفض .
قال مقررًا :
– انا جسمي كله بيتنفض ، مش بقولك حاسس قلبي هايوقف من الفرحة .
– لدرجادي ؟
سألت غير مصدقة ، اردف هو :
– واكتر من الدرجادي كمان، بكرة لما يوصلك الحب اللي في قلبي هاتبقي زيي واكتر كمان .
صمتت وهي لا تستوعب كلماته فتابع، هو
– شوفي كدة انا عملتلك ايه ياندى .
قال وهو يخرج لها خلف ظهره ورقة كبيرة تحمل صورتها .
هتفت بسعادة وهي تتفحص الصورة :
– دي الصورة اللي انت بعتهالي امبارح على الوتس ،
– عجبتك الصورة ياندى ؟
اومأت برأسها ، فاأخرج لها علبة مخملية من جيب بنطاله قائلًا :
– طيب وايه رأيك في الهدية دي ؟
التمعت عيناها بشعاع الفرح لرؤية السلسال الذهبي الذي اخرجه لها والذي تدلي منه قلب ومعه حرف الكاف باللغة الأجنبية ، قالت متصنعة عدم الفهم :
– سلسلة مين دي ؟
– دي سلسلة فيها حرفي ياندى والقلب اللي فيها دا يبقى قلبي انا ، عايزك تلبسها وماتتقلعش من رقبتك نهائي .
لمسته بيدها بانبهار ولكنها تداركت نفسها ونزعته سريعًا :
– ايوة بس انا قولتلك ماينفعش اخد حاجة من حد غريب .
– ايوة ماانا قولتلك كمان كلمي اهلك عشان تبقى رسمي .
استفاق يدرك حدته في الحديث فخخف من لهجته قائلًا :.
– انا قصدي يعني ، عشان اعرف اكلمك براحتي وكمان اقدر البسك سلسلتي دي واجيبلك كل اللي بتحلمي بيه ، من دهب ولبس وجزم ، كل انت عايزاه ياندى .
ابتعلت ريقها وقد راقها الحديث وانعش داخلها الاحلام التي لطالما راودتها في مواكبة فتيات المدينة هنا ، تابع يسألها:
– ها هاتكلمي ابوكي عشان يوافق بالخطوبة .
اومأت برأسها صامتة لتجده امسك بكفها يضع بها السلسال:
– خليه في ايدك دلوقت عشان قريب قوي هالبسهولك هالبسهولك بإيدي ، والصورة بقى سيبهالي انا وخليها معايا تصبرني .
………………………………
– ايه ياعم ؟ هو احنا مقومينك من سريرك عشان تيجي تنام هنا،
اردف بها سالم ساخرًا نحو صالح والذي كان جالسًا بجذعه مستندًا بظهره على جزع الشجرة مغمض العينان مستمتعًا بملمس الهواء لبشرته ، ورائحة الخضرة المتنوعة وهي تخترق انفه ، فتح اجفانه اليه مرددًا باسترخاء:
– ماتلومش عليا ياعم سالم ، دي اول مرة من سنين طويلة اقعد قعدة زي دي، ولا احس فيها بهوا يسكر كدة.
– وه .
اردف بها سالم وقد ادرك مقصد الاَخر ، ربت بكفه على ركبة صالح مهونُا :
– معلش ياولدي ، انا كنت ناسي ومخدتش بالي ، لكن اطمن بكرة ربنا هايفك كربك وماهترجعش للمدوعق السجن دا تاني أبدًا .
تبسم صالح بزاوية فمه ساخرًا فجاء الرد من يونس في الجهة الأخرى :
– ادعي ياعم الحج وقول امين ، ماحدش عارف يمكن يحصل .
رد صالح على كلمات يونس :
– رغم احساسي انك بتستهزأ ، بس انا هاقول امين عشان فعلا ماحدش عارف ، ويمكن يحصل .
تدخلت نجية والتي كانت اَتية بصنية كبيرة ممتلئة بالطعام :
– مافيش حاجة بعيدة عن ربنا ، اقرب ياصالح عشان تاكل معانا ، وانت يايونس سيب العزيق وتعالى افطر .
رد صالح بإحراج :
– نفطر فين ياجماعة ؟ لهو انتوا مصحيني عشان كدة؟
– ايوة ياسيدي مصاحينك عشان تفطر معانا هنا في الهوا ، ااقرب ياللا بسم الله .
– ياجماعة ماينفغش ، هافطر كيف بس ؟
هدر عليه يونس الذي ترك فأسه ليغسل يداه تحت صنبور المياه الكبير،.
– ماتقوم ياعم انت محتاج عزومة ، ولا يكونش كمان مش عاجبك الوكل في الخلا وعلى الارض تحت الشجرة .
تبسم صالح له وهو يحاول الوقوف مستندًا على فرع الشجرة :
– مش عاجبني ازاي بس ؟ وانا نفسي فيها القعدة دي وبحلم بيها من زمان، بس على الأقل اكل وانا نضيف او مغسولة يدي حتى، ثواني هادخل اغسل وشي وراجع تاني .
اوقفه سالم يجذبه من كفه :
– رايح فين ياصالح ؟ ماهي الحنفية اهي ادخل تحتيها واغسل وشك زي يونس ولا هاتتكبر ؟
انشقت ابتسامة مرحة على وجه صالح وهو يردف :
– والله مامتكبر ، بس انا هاعملها ازاي دي وانزل بدماغي زي يونس ، مخي المتعور دا يتحمل ازاي بس ؟
– احلهالك انا ياسيدي .
اردف لها يونس وهو يقترب بخرطوم المياه السائلة من الصنبور :
– اغسل من المية دي ، ساهلة اهي
ضحك صالح من قلبه وهو يتناول خرطوم المياه ويمرر بها يغسل وجهه ويديه في تجربة لم يخوضها من قبل.
………………………..