بابا حط حاجه في الشاي لماما حكايات نور محمد
بابا حط حاجه في الشاي لماما حكايات نور محمد
المكان ينفذوا أوامره.
عمر بص بصه أخيرة على القزازة اللي في الكيس، وبصه على التقرير، وبصه على الطفلين اللي مرعوبين ومستخبيين ورا مكتبه.
وفي اللحظة دي.. حد شد أكرة باب القسم القزاز المقفول بعنف من برة.
خبطات عنيفة، متتالية، ومجنونة نزلت على الباب القزاز.
طارق الشافعي كان بيضرب بكف إيده على الإزاز وهو بيبص لجوه النقطة، ملامح وشه كانت مزيج مرعب بين الغضب الأعمى والقلق المزيف اللي بيحاول يرسمه. الإضاءة الخافتة للقسم كانت عاكسة ضلّه على الأرض كأنه وحش كاسر بيدور على فريسته.
الرائد عمر شاور لياسين وليلى بصباعه على شفايفه بمعنى ولا صوت، ولا حركة، ونزل على ركبته ثواني يتأكد إنهم متداريين تماماً ورا الكاونتر الخشب العريض. سحب مسدسه الميري من الجراب اللي في وسطه، اتأكد من الأمان، ورجعه تاني بس خلى إيده قريبة منه.
وقف عمر، ومشى بخطوات بطيئة، هادية، وموزونة ناحية الباب. ملامحه اتحولت لوش الضابط البارد اللي مابيديش أي رد فعل. فتح السقاطة الحديد، وورّب الباب مسافة صغيرة متسمحش لطارق إنه يدخل بجسمه كله.
خير يا فندم؟ بتخبط كده ليه؟ ده قسم شرطة مش مستشفى طوارئ! عمر قالها بنبرة حادة وصارمة.
طارق زق الباب بإيده بيحاول يفتحه أكتر، بس عمر كان ساند بكتفه وعضلاته مخلية الباب زي الصخرة.
طارق بدأ يلهث، وقال بصوت متقطع بيمثل فيه الرعب
ولادي… ولادي يا فندم! أنا الدكتور طارق الشافعي، أنا اللي بلغت النجدة من ربع ساعة. مراتي مريضة نفسياً، عندها انهيار عصبي، غافلتني وهربت من البيت وخطفت ولادي… ياسين وليلى. أنا لفيت الشوارع كلها، حد من الحراس في الشارع اللي ورا قاللي إنه شاف عيلين بيجروا ناحية القسم هنا… هما هنا؟ أرجوك قولي إنهم هنا!
عمر بص في عينين طارق مباشرة. عينين بتلمع بذكاء شيطاني، مفيهاش ذرة حزن ولا رعب حقيقي، بل فيها ترقب. عيون صياد مستني يتأكد إن الفخ قفل على فريسته.
أطفال؟ في السن ده؟ وفي المطر ده؟ عمر رد ببرود وهو بيمسح وشه بإيده، كأنه ضابط تعبان في نوبتجية ليلية ممله. لا يا دكتور. مفيش أطفال دخلوا القسم من أول الليل. بس ادخل… ادخل اعمل محضر رسمي بتفاصيل أشكالهم ولبسهم عشان أعمم النشره على الدوريات اللي في الشارع.
عمر وسّع الباب وخطى خطوة لورا. طارق دخل بسرعة، عينيه بتلف زي الرادار في كل شبر في القسم. بيبص على الكراسي الفاضية، على الطرقات الضلمة، وعلى المكاتب.
إنت متأكد يا حضرة الظابط؟ طارق سأل وهو بيقرب من مكتب النوبتجية، المكان اللي الأطفال مستخبيين وراه. أصل أنا حاسس إنهم قريبين… أنا قلبي حاسس.
عمر وقف بين طارق وبين الكاونتر الخشب، ربع إيديه على صدره وقال بابتسامة خفيفة
قلب الأب بقى. اقعد يا دكتور طارق. اقعد على الكرسي ده واديني بيانات المدام والأولاد. هي المدام بتاخد أدوية إيه بالظبط؟
طارق قعد على الكرسي وهو بيهز رجله بعصبية، وقال أدوية اكتئاب ومهدئات. هي حالتها متأخرة… بتشوف تهيؤات، وبتتخيل إني بأذيها. أنا دكتور تخدير، وعارف حالتها كويس. أنا خايف تعمل في الولاد حاجة وتنتحر.
تنتحر؟ عمر رفع حاجب واحد. وإيه اللي يخليك تفكر في الانتحار؟
لأنها هددت بكده كتير! طارق صوته علي شوية، كأنه بيحاول يثبت روايته. ممكن تكون خدت جرعة زيادة من أدويتها وخدت الولاد معاها عشان تموتهم وتموت. لازم نلاقيهم فوراً!
في اللحظة دي، جهاز اللاسلكي اللي على مكتب عمر، واللي كان مربوط بفرقة المباحث والإسعاف اللي اتحركت لفيلا الدكتور، طلّع صوت شوشرة عالية، وبعدها صوت الملازم أول حازم شق السكوت المرعب اللي في القسم
نداء من قوة المداهمة للرائد عمر… يا فندم، إحنا كسرنا باب الفيلا بناءً على الإشارة. مفيش أي أثر للأطفال… بس لقينا الزوجة. المدام ملقاة على سرير غرفة النوم الرئيسية… فاقدة الوعي تماماً، النبض شبه معدوم، وفي زرقان شديد في الأطراف.
وش طارق الشافعي جاب ألوان. الصدمة شلت تفكيره لثانية. هو كان متأكد إنه قفل باب الأوضة عليها، وإنه بلغ إنها هربت عشان يكسب وقت لحد ما السم يشتغل وتموت تماماً، وبعدين يرجع يكتشف الجثة ويعمل بطل، ويكون اتخلص من ولاده بإنه يوديهم أي مكان بعيد أو يلبسها تهمة قتلهم لو لقوهم. بس دخول الشرطة لبيته مكنش في الخطة أبداً بالسرعة دي!
عمر داس على زرار اللاسلكي وقال بصوت هادي ومرعب لطارق
حالتها إيه يا حازم؟ الإسعاف معاك؟
الإسعاف شغال معاها يا فندم… المسعف بيقول إن ده مش أثر مهدئات عادية. ده هبوط حاد في الدورة الدموية نتيجة جرعة مكثفة من مخدر طبي قوي جداً. هما بيركبولها جهاز تنفس صناعي وهينقلوها فوراً لمركز السموم والعناية المركزة… الدكتورة لسه فيها الروح، هتلحق تعيش يا فندم!
كلمة هتلحق تعيش نزلت على طارق زي رصاصة الرحمة على خطته الشيطانية. لو عاشت، هتنطق. لو عاشت، هتقول إن هو اللي أجبرها تشرب الكوباية اللي فيها المخدر وإنه كان بيهددها.
طارق قام من على الكرسي كأن لدغته عقربة. عينيه وسعت، وبدأ يتنفس بصعوبة. بص لعمر اللي كان واقف ملامحه زي الجليد، وباصص له بنظرة فاحصة.
هي… هي أكيد شربت الدواء بتاعها بالغلط… أنا لازم أروحلها المستشفى فوراً! طارق قالها وهو بيلف عشان يجري ناحية باب القسم.
على فين يا دكتور؟ صوت عمر رن في القسم كله، أقوى من صوت الرعد اللي ضرب