طارق وسلمي سهر محمد ١
طارق وسلمي سهر محمد ١
”الجواز ده مجرد حبر على ورق. أنا لا طمعان فيكي، ولا عايز أورث لحم أخويا زي ما الناس في البلد بتقول. أنا عملت كده عشان البنت دي تتربى في بيت العيلة، وعشان محدش يجرؤ يرفع عينه فيكي.”
طارق قال جملته وهو واقف مديها ضهره، بيبص من شباك الصالة على الشارع الضلمة. صوته كان خشن، وتعب السنين كله باين في نبرته.
سلمى كانت قاعدة على طرف الكرسي، ضامة بنتها الصغيرة “نور” اللي نايمة في حضنها كأنها بتحميها من الدنيا كلها.
رفعت عينيها لطارق، عيونها كانت دبلانة من كتر العياط على جوزها “حسن” اللي مات من شهور قليلة، وقالت بصوت مهزوز بس مليان قهر:
“وانت فاكر إنك كده بتحميني؟ انت كرتني في عيشتي يا طارق. أجبرتني أوافق على جوازي منك عشان ماتاخدش البنت مني بحجة المحاكم والوصاية. أنا بكرهك… وبكره اليوم اللي دخلت فيه بيتكم.”
طارق قفل عينيه بقوة، كأن كلماتها سكاكين بتشق صدره. بلع ريقه بصعوبة، ولف وبصلها. ملامحه كانت جامدة، مفيهاش أي تعبير يوضح النار اللي قايدة جواه.
قال بهدوء مرعب: “الكره مش هيموتني يا سلمى. بس الجوع والبهدلة في المحاكم كانوا هيموتوكي انتي وبنت أخويا. اطلعي نامي. أوضتك انتي ونور فوق، هي نفس أوضتك القديمة. أنا بنام هنا في أوضة المكتب ومابطلعش الدور اللي فوق خالص.
كلي، واشربي، واخرجي، واعملي كل اللي انتي عايزاه. اعتبريني مش موجود في البيت ده أصلاً.”
سلمى قامت وقفت، شالت بنتها كويس، وبصتله نظرة أخيرة كلها احتقار، وطلعت السلم من غير ما تنطق ولا كلمة.
أول ما غابت عن عينه وسمع باب الأوضة بيتقفل، طارق سند راسه على الحيطة، وخد نفس طويل كأنه كان مكتوم. طلع من جيبه علبة سجاير، ولع واحدة، وقعد على الكرسي اللي كانت قاعدة عليه، وبص لمكانها الفاضي.
لو تعرف الحقيقة! لو تعرف إن “حسن” جوزها اللي بتبكي عليه ليل نهار وتشوفه ملاك، ساب وراه مصيبة كانت هتسجنها وتشرد بنتها في الشوارع.
لو تعرف إنه شال الليلة كلها، وباع نص أرضه عشان يسدد ديون أخوه اللي خسرها في القمار من وراهم، وإنه اتجوزها بس عشان الديانة ميتعرضولهاش، كان زمانها بتبوس إيده… بس هو اختار يسكت. اختار يبقى هو الوحش في نظرها، عشان تفضل صورة أخوه نضيفة قدامها وقدام بنته.
بعد شوية، سمع صوت خطوات خفيفة على السلم.