ندبه في شمس يونيو حكايات شروق خالد ج الاخير
ندبه في شمس يونيو حكايات شروق خالد ج الاخير
**مرت ست سنوات أخرى، ولم تكن هذه السنوات مجرد استكمال للنجاح، بل كانت ساحة لكشف الحقائق وإعادة ترتيب الحسابات بطرق لم يتوقعها أحد.**
في عام 2032، تحولت شركة “مصطفى الجمل” بعد الاستحواذ على محلات “الهدى” إلى كيان اقتصادي ضخم يُدار بأحدث الأنظمة التكنولوجية. سيف، الذي شارف على الثانية والثلاثين من عمره، لم يعد مجرد مهندس ناجح، بل أصبح وجهًا بارزًا في مجتمع المال والأعمال، لكن قلبه ظل يحمل ندبة ذلك اليوم؛ ليس غِلًّا، بل درسًا في الحياة جعله لا يظلم أحدًا، ولا يثق بسهولة.
### زيارة غير متوقعة في “لندن”
في مكتب سيف الفاخر المطل على نهر التايمز، دخلت سكرتيرته لتخبره بأن هناك شابًا مصريًا يبحث عن عمل، ويرفض المغادرة قبل مقابلته، ويطلب إيصال رسالة واحدة: *”أنا ابن خالتك عبير”*.
تسمر سيف في مكانه لثوانٍ. تذكر “حازم”، ابن خالته الذي كان يرفل في النعيم ويدبّ بقدميه داخل الغرفة المكيفة بينما هو يحترق في الخارج. طلب من السكرتيرة إدخاله.
دخل حازم، لكنه لم يكن ذلك الفتى المتعجرف. كان مكسورًا، يرتدي ملابس بسيطة، وعيناه تملأهما الخيبة والخجل. لم يستطع حتى النظر في عيني سيف.
* **سيف ببرود ممزوج بالوقار:** “اتفضل يا حازم.. اقعد. إيه اللي جابك لندن؟”
* **حازم بنبرة باهية:** “سيف.. أنا مش جاي أطلب عطف، أنا جاي أدور على لقمة عيش. الدنيا دارت بينا يا سيف. بعد ما المحلات اتقفلت وأبويا هرب، أمي (عبير) جاله جلطة وقعدت في الفراش، وجدتي إلهام في أيامها الأخيرة في المستشفى الحكومي.. إحنا اتدمرنا.”
صمت سيف، واستمع إلى حازم وهو يشرح كيف أن والدته عبير، قبل أن تفقد القدرة على النطق كاملة، بكت بحرقة وقالت له: *”سافر ودور على سيف.. هو الوحيد اللي هيقدر يساعدك، وأبوه مصطفى عمره ما أكل حق حد، إحنا اللي افترينا”*.
### المواجهة الكبرى في القاهرة
لم يتخذ سيف قرارًا فوريًا بشأن حازم، بل اتصل بوالدته ماريان في القاهرة وقصّ عليها ما حدث. ماريان، التي اشتعل رأسها شيبًا وقارًا، شعرت بغصة. ورغم النصر، إلا أن صلة الدم والمرض جعلت قلبها يرق قليلًا، وقررت الذهاب بنفسها لزيارة والدتها “إلهام” في المستشفى قبل فوات الأوان.
دخلت ماريان غرفة المستشفى البسيطة. كانت إلهام غائبة عن الوعي تقريبًا، وجسدها هزيل. بجانبها كانت عبير، تجلس على كرسي متحرك، نصف وجهها مشلول إثر الجلطة.
عندما فتحت عبير عينيها ورأت ماريان، انهمرت دموعها بغزارة، وحاولت جاهدة أن تنطق بكلمات غير مفهومة، وهي تشير إلى يد ماريان لتطلب منها السماح.
* **ماريان وهي تقترب بدموع حابسة:** “خلاص يا عبير.. مفيش داعي للكلام. ربنا يسامحكم على اللي عملتوه في طفل ملوش ذنب. أنا مش جاية أشمت، أنا جاية أقول لك إن ابنك حازم في أمان.”
في تلك اللحظة، فتحت الجدة “إلهام” عينيها ببطء، ونظرت إلى ماريان. كان في عينيها خوف وندم حقيقي. حاولت مد يدها المرتعشة، وقالت بصوت مبحوح يكاد يُسمع: *”سيف.. سيف يا ماريان.. قوليله يسامحني.. الشمس كانت حامية أوي.. أنا حاسة بنار في قلبي من يومها”*. كانت هذه آخر كلماتها قبل أن تدخل في غيبوبة الوفاة.
### صناعة المستقبل.. من رحم الماضي
بعد وفاة الجدة، قرر سيف وماريان اتخاذ خطوة غير متوقعة أذهلت الجميع:
* **إعادة بناء الإرث:** لم يبيعوا محلات “الهدى” ولم يمحوا اسمها، بل أعاد سيف افتتاح الفرع الرئيسي القديم بعد تجديده بالكامل، وأطلق عليه اسم *”مؤسسة الهدى للتنمية والتدريب”*.
* **فرصة ثانية:** عيّن سيف ابن خالته حازم مديرًا إداريًا للمؤسسة في القاهرة بعد أن أثبت حسن نيته ورغبته في التعلم، واشترط عليه أن يكون الهدف الأول للمؤسسة هو رعاية الأطفال الأيتام ومجهولي النسب وتوفير بيئة كريمة لهم.
* **رد الاعتبار:** في يوم الافتتاح، وقف سيف ممسكًا بيد والدته ماريان، وألقى كلمة أمام وسائل الإعلام قال فيها: *”النجاح الحقيقي ليس في سحق من ظلموك، بل في أن ترفعهم معك عندما يسقطون، لتثبت لهم أن معدنك كان دائمًا أفضل من معدنهم”*.
من بعيد، كانت عبير تراقب المشهد من كرسيها المتحرك، وتبكي بصمت، لكنها هذه المرة دموع راحة، لأنها علمت أن ابن ماريان، الذي طردته يومًا في شمس يونيو، هو الوحيد الذي أشرقت شمسه لإنقاذ عائلتها من الضياع التام.