ندبه في شمس يونيو حكايات شروق خالد ج الاخير

ندبه في شمس يونيو حكايات شروق خالد ج الاخير

حكايات شروق خالد

**مضت سنوات أخرى، وحملت معها فصولاً جديدة من الحياة أثبتت أن دوام الحال من المحال، وأن الأيام تدور لتضع كل إنسان في مقامه الحقيقي.**
في عام 2036، كان سيف قد بلغ الثانية والأربعين من عمره. لم يعد مجرد رجل أعمال ناجح، بل أصبح رمزًا للعطاء والإدارة الحكيمة. أما والدته ماريان، فقد رحلت عن الدنيا بهدوء قبل عامين، تاركةً خلفها سيرة عطرة وإمبراطورية تُدار بالعدل والرحمة، بعد أن رأت ابنها يتربع على عرش النجاح ويغسل بيده كل آلام الماضي.
### تحدٍّ جديد.. واختبار للجيل الثالث
في إحدى قاعات المؤتمرات الكبرى بالقاهرة، وقف سيف يتابع وبجانبه ابن خالته “حازم” الذي أصبح ذراعه الأيمن وأحد المخلصين له. كان حازم قد تزوج وأنجب طفلين، وعاش سنواته الأخيرة في محاولة دؤوبة لرد جميل سيف الذي أنقذ عائلته من الضياع.
دخلت إلى القاعة فتاة في أول عشرينياتها، ملامحها تحمل براءة وانكسارًا مألوفًا. كانت “ندى”، ابنة خاله الآخر (شقيق عبير وماريان)، الذي تشتتت عائلته وسافر خارج البلاد بعد إفلاس العائلة القديم وانغمس في الديون حتى توفي.
* **حازم بلهجة هادئة:** “سيف.. دي ندى بنت خالنا الله يرحمه. تخرجت من كلية التجارة بتقدير امتياز، وجاية تقدم على وظيفة محاسبة في الشركة. البنت ملهاش حد هنا يا سيف، وعايشة مع والدتها في شقة إيجار بسيط.”
نظر سيف إلى الفتاة. تذكر كيف كان والداها وجدتها يمنعون عنه حتى اللعب مع أولاد أخواله. التقت عيناه بعيني ندى التي كانت ترتجف خوفًا من أن يُرفض طلبها بسبب تاريخ عائلتها الأسود معه.
* **سيف بابتسامة وقار غطت وجهه:** “أهلاً بيكي يا ندى في شركتك. حازم هيسلمك الشغل من بكرة. أنا مبهتمش بالأسماء ولا بالماضي.. أنا بهتم بالجهد والأمانة، وإنتِ بنت خالنا ومكانك موجود.”
نزلت دموع ندى، ليس حزنًا بل خجلاً وامتنانًا، وعرفت في تلك اللحظة أن القسوة التي زرعتها جدتها إلهام وخالتها عبير، لم تحصد عائلتها منها سوى الندم، بينما الرحمة والترفع اللذان زرعتهما ماريان في سيف هما اللذان ظلا يظللان على الجميع.
### اللحظة الدائرة.. عدالة الأيام
في نفس ذلك العام، قرر سيف إقامة حفل سنوي ضخم لتكريم أبناء العاملين المتفوقين في شركته، ودعا إليه شخصيات مرموقة ووسائل الإعلام، واختار أن يُقام الحفل في الحديقة المفتوحة لأحد الفنادق الكبرى المطلة على النيل.
كان الطقس حارًا، وشمس الصيف ساطعة، تمامًا كشمس ذلك اليوم البعيد من شهر يونيو.
أثناء الحفل، لاحظ سيف طفلاً صغيرًا من أبناء العمال، تعثر وسقط طبقه على الأرض، فجلس على سلم الحديقة يبكي والخجل يملأ وجهه، بينما كانت الشمس تشتد فوق رأسه.
توقف سيف عن الحديث مع ضيوفه من الوزراء ورجال الأعمال. مشى بخطوات واثقة نحو الطفل، وانحنى أمامه على الأرض دون مبالاة ببذلته الأنيقة أو نظرات الحاضرين وعدسات الكاميرات.
* **سيف وهو يبتسم ويمسح دموع الطفل:** “اسمك إيه يا بطل؟”
* **الطفل بخوف:** “اسمي مازن يا فندم.. أنا آسف الطبق وقع مني.”
* **سيف وهو يمسك يده الدافئة:** “ولا يهمك يا مازن، الشاطر ميعيطش.. تعال معايا.”
أمسك سيف بيد الطفل، ودخل به إلى القاعة الداخلية المكيفة، وأمر بجلوسه في المقعد المجاور له مباشرة على الطاولة الرئيسية، وطلب له أفضل طعام.
التفت سيف إلى الحاضرين وأمسك بالميكروفون ليقول كلمته الإنسانية التي هزت القاعة:
> “الشركات لا تُبنى بالجدران والأموال فقط، بل تُبنى بكرامة الإنسان. لقد تعلمت في حياتي أن الكرسي الفاضي جوه في التكييف مش محجوز لأصحاب الفلوس بس.. الكرسي ده محجوز لكل طفل وكل إنسان محتاج يحس بالأمان والتقدير. مفيش حد في شركتنا، ولا في دنيتنا، ملوش مكان.. كل الناس ليها مكان ومقام.”
>
ضجت القاعة بالتصفيق الحار، وفي الصفوف الخلفية، كان حازم يبكي بحرقة وهو يتذكر ابن عمتة الصغير “سيف” الذي طُرد يومًا من الغرفة المكيفة ليوضع في شمس الأسمنت الحارقة.
لقد دارت الأيام دورتها الكاملة؛ مات أصحاب الغل بفقرهم وندمهم، وعاش سيف ليثبت للعالم كله أن المقامات لا يُحددها البشر بقسوتهم، بل يرفعها الله بالصبر، والعمل، والقلوب النقية التي لا تعرف الحقد.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *