برشام حمل حكايات علي ابو الدهب ج الاخير
برشام حمل حكايات علي ابو الدهب ج الاخير
نظرتُ إليها، والكلمات تدور في عقلي كإعصار مدمر. لم أستطع الحراك، ولم تسعفني قادمتي على الوقوف، فاستندتُ إلى إطار الباب الخشبي المتهالك.
استجمعت شيرين أنفاسها وسط شهقاتها المستمرة، وتابعت وهي ترتجف:
“أخويا لو عرف إني متجوزة محمود هيدبحني أنا وهو… أستاذ أحمد هو الوحيد اللي وقف جمبنا، لما لقى الشريط معايا في المكتب وشافني بتموت من الرعب، خده مني وشاله في عربيته عشان أخويا ميفتش شنطتي ويشوفه.. كان بيحاول يهربنا ويساعدنا ننقل حاجتنا هنا في السر عشان نسافر الصعيد عند أهل محمود!”
أشارت بيدها المرتعشة إلى الغرفة العارية، وتابعت بكاءها:
“أنا كنت باخد الحبوب دي من ورا أخويا عشان مأحملش لحد ما نمشي.. بس الحبوب فجأة مكنتش بتعمل حاجة.. ووقعت الفاس في الراس وبقيت في الشهر الثالث، ومبقاش قدامي غير إني أقدم إجازة وأهرب قبل ما بطني تبان!”
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن الأرض تدور بي.
الحبوب التي استبدلتها… لم تكن لإجهاض، ولم تكن لعشيقة. كانت طوق النجاة الوحيد لفتاة مرعوبة تحاول حماية حياتها وحياة زوجها السرّي من بطش عائلتها. وتدخلي “الذكي” ووجداني المشتعل بالغيرة، هو الذي جعلها تحبل، وهو الذي عجل بنهاية قصتها ودفعها لتقديم إجازة الوضع!
التفتُّ إلى الشاب، محمود، الذي كان ينظر إليّ بعينين ملؤهما الانكسار والخوف، ثم نظرت إلى شيرين الراكعة عند قدمي. الخيانة التي عشتُ مرارتها لثلاثة أشهر، والسيناريوهات المرعبة التي نسجتها في مخيلتي، والدموع التي سكبتها في الخفاء… كل هذا كان وهماً صَنَعَه شكي. أحمد لم يكن خائناً، بل كان بطلاً في قصة شخص آخر، رجل يحمل عبء سر ثقيل لينقذ روحين، وكان يتكتم على الأمر حتى عني، خوفاً من أن تتسرب أي معلومة لعائلة شيرين.
تراجعتُ خطوات إلى الخلف، ونزلت درجات السلم بسرعة لا ألتفت ورائي، ودموعي تنهمر بغزارة… لكنها لم تكن دموع قهر هذه المرة، بل كانت خليطاً غريباً من الراحة، والندم، والسخرية من القَدَر.
عدتُ إلى البيت قبل أحمد بساعة. جلستُ في المطبخ، في نفس المكان الذي سقطت فيه الملعقة من يدي صباحاً.
وعندما انفتح باب الشقة ودخل أحمد، يبدو عليه الإرهاق والتعب، لم أنتظر حتى يخلع حذاءه. وقفتُ أمامه، ووضعت علبة الفيتامينات وشريط حبوب منع الحمل الفارغ على الطاولة.