برشام حمل حكايات علي ابو الدهب ج الاخير

برشام حمل حكايات علي ابو الدهب ج الاخير

نظر إليّ بصدمة، ثم ساد صمت طويل… صمت فهم فيه كل شيء دون أن أتكلم.

جلستُ أمامه واعترفتُ بكل شيء؛ بشكي، بتبديلي للحبوب، بمراقبتي له، وبزيارتي لشقة الحي الشعبي. نظر إليّ أحمد بعينين لم أرَ فيهما غضباً، بل رأيت فيهما عتاباً حنوناً بحجم الكون، ممزوجاً بابتسامة ساخرة من تدابير القدر.

أمسك يدي وقال بصوت هادئ: “أنا آسف إني خبيت عليكي.. بس الموضوع كان حياة أو موت. بس تفتكري الفيتامينات بتاعتك دي هي اللي ثبتت الحمل؟”

ضحكنا معاً وسط الدموع. في تلك الليلة، لم ينتهِ زواجي، بل بدأ من جديد على أرض أكثر صلابة. تعلمتُ يومها أن الشك قد يرينا أشباحاً لا وجود لها، وأن الحقيقة أحياناً تكون أغرب بكثير مما تتخيله أكثر العقول غيرة. وفي اليوم التالي، أخذتُ أحمد من يده، وذهبنا معاً إلى الشقة المتهالكة، ليس كأعداء، بل لنساعد شيرين ومحمود على حزم حقائبهما وبدء حياتهما الجديدة بعيداً عن الخوف.

مرت الآن ثلاث سنوات على تلك الحادثة التي غيرت مجرى حياتنا بالكامل.

أحياناً، أقف في المطبخ وأتطلع إلى علبة الفيتامينات ذاتها، فأبتسم بمرارة وسخرية من طيش الغيرة وكيف يقودنا الشك إلى حافة الهاوية. شيرين ومحمود يعيشان الآن في أمان ببلدة صغيرة في أقصى الصعيد، ورُزقا بطفل جميل أسمياه “أحمد”؛ اعترافاً بجميل زوجي الذي لم يتخلَّ عنهما في أحلك الظروف.

أما عني وعن أحمد، فقد كانت تلك الهزة العنيفة بمثابة ولادة جديدة لزواجنا الذي كاد أن يبتلعه الروتين. تعاهدنا ألا نترك للظنون مساحة تبني بيننا الجدران، وأن تكون الصراحة سقفنا الوحيد.

تعلمتُ درساً قاسياً بنكهة كوميدية صاغها القدر ببراعة: أن العين قد ترى دليلاً قاطعاً، والعقل قد ينسج حوله قصة متكاملة الأركان، لكن الحقيقة قد تكون في مكان آخر تماماً… أبعد ما تكون عما تخبئه الظنون تحت مقاعد السيارات.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *