صحيت من البنج
صحيت من البنج
صحيت من البنج بعد العملية، لقيت أوضة المستشفى فاضية.
أول ما سألت الممرضة عن ولادي، اترددت قبل ما تجاوبني.
كانوا هنا وإنتِ في العملية يا مدام عايدة.
بصيت على التلات كراسي الفاضيين جنب سريري.
طب راحوا فين؟
وطّت عينيها على التابلت اللي في إيدها وقالت
مشيوا من حوالي ساعة.
لسه دماغي تقيلة من البنج، وحلقي كان بيوجعني من أثر العملية، لكن كلامها خلاني أفوق مرة واحدة.
ليه؟
بان عليها الإحراج.
قالوا إن ركنة العربية بقت غالية عليهم.
لثواني، بجد افتكرت إني سمعتها غلط.
أنا كنت لسه خارجة من عملية في القلب.
ولادي التلاتة كانوا واعدينني إنهم هيفضلوا موجودين لحد ما أفوق.
ابني أحمد قال إنه هيسيب مكتب المحاسبة بتاعه طول اليوم عشاني.
وبنتي سارة قالت إنها هتجيبلي ورد.
أما ابني كريم فقال إنه هيعدي عليّا بعد ما يخلص مواعيد شغله.
والتلاتة مشيوا عشان مش عايزين يدفعوا عشرين دولار ركنة!
لفيت وشي ناحية الشباك، على أمل إن الممرضة ما تشوفش وشي.
لكن مفيش فايدة.
دموعي نزلت لوحدها.
جهاز قياس ضربات القلب جنبي بدأ يصدر صوت أسرع.
مدام عايدة، لو سمحتي حاولي تهدي. قلبك محتاج راحة.
الكلام ده خلاني أعيط أكتر.
كنت عندي أربعة وستين سنة، نايمة لوحدي في مستشفى في سياتل بعد عملية في القلب، لما سمعت صوت خطوات تقيلة وقفت فجأة قدام أوضتي.
راجل طويل ظهر عند الباب.
لابس بدلة غامقة متفصلة بعناية، ونظارة بإطار رفيع، وفي إيده شنطة جلد.
شعره فيه خصلات بيضا، وكان شكله في منتصف الخمسينات تقريبًا.
الممرضة اعتدلت في وقفتها فورًا.
حضرتك مدام عايدة محمود؟
مسحت دموعي.
أيوه.
دخل الراجل الأوضة وبصلي بنظرة غريبة، مش عارفة أفهمها.
وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
غالبًا إنتِ مش فاكراني يا مدام عايدة.
ضيقت عيني وأنا بحاول أربط ملامحه بحاجة قديمة في ذاكرتي.
وفجأة قال
أنا مالك بيترسون… بس اسمي بقى مالك تشين بعد ما اتبنيت.
في اللحظة دي، حسيت إن الأوضة كلها اختفت من حواليا.
دورت في ملامحه، بحاول أربط الراجل الناجح ده بالطفل اللي كنت أعرفه من حوالي خمسين سنة.
وبعدين قال
إنتِ كنتِ بتشتريلي الغدا كل يوم وأنا في تالتة ابتدائي.
همست من غير ما أحس
إنت كنت جعان…
هز راسه.
وإنتِ الوحيدة اللي خدتي بالك.
الذكريات بدأت ترجع واحدة واحدة.
كنت وقتها عندي ستاشر سنة، وبشتغل مساعدة مدرسة عشان أهل بيتي كانوا محتاجين أي دخل زيادة.
الغدا في المدرسة كان تمنه تلاتة دولار.
مرتبي كان قليل جدًا.
لكن كل يوم كنت بلاقي طريقة أدي بيها مالك تذكرة غدا من غير ما أخليه يحس إنه محتاج أو فقير.
كنت بقوله
الكافتيريا عندها أكل زيادة.
وأحيانًا أقول له
هما محتاجين حد ياكل الأكل ده عشان ما يترميش.
لكن اللي عمره ما عرفه، إني كنت باصرف تقريبًا نص مرتبي عشان أتأكد إنه ياكل.
مالك سحب كرسي وقعد جنبي.
الممرضة اتنحنحت وقالت
حضرتك، لو مش من أقاربها المباشرين، مواعيد الزيارة محدودة.
مالك بص لها بهدوء وقال
أنا مالك المستشفى دي.
عيني الممرضة اتفتحت على آخرها.
وأنا كمان تقريبًا.
بعد ما الممرضة خرجت بهدوء، مالك قعد جنبي وفتح الشنطة الجلد اللي معاه.
طلع منها كارت غدا قديم لونه أصفر.
أطرافه كانت مهترئة من كتر ما اتلمس واتحفظ على مدار السنين.
مد إيده ناحيتي.
أنا احتفظت بآخر كارت إنتِ اديتيهولي.
إيدي اترعشت وأنا بلمسه.
ليه؟
بصلي وقال
كل ما كنت بحس إني طفل محدش فارق معاه أنا جعان ولا لأ، كنت أبص للكارت ده وأفتكر إن في حد كان مهتم بيا.
دموعي نزلت تاني.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
مالك حكالي إن بعد ما اتبنى، حياته اتغيرت تمامًا.
كبر، وبقى دكتور، وبعدها دخل مجال إدارة المستشفيات، وفي النهاية أسس شبكة مستشفيات ومراكز طبية كبيرة.
دلوقتي كان بيملك أربع مستشفيات في شمال غرب أمريكا.
وكل مستشفى فيهم كان فيه برامج مخصوصة عشان الأطفال اللي بيتعالجوا ما يناموش وهم جعانين.
بصيت له بدهشة.
كل ده عشان كنت بشتريلك الغدا؟
هز راسه.
لأ.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
عشان إنتِ خليتي طفل جعان يصدق إن لسه في خير في الدنيا.
لأول مرة من ساعة ما صحيت، أوضة المستشفى ما بقتش باردة زي الأول.
لكن مالك بص للكراسي الفاضية اللي جنب سريري.
ولادك فين؟
الدفا اللي حسيت بيه اختفى في لحظة.
مشيوا.
ملامحه اتغيرت.
ليه؟
بلعت ريقي.
قالوا إن الركنة غالية.
مالك سكت كام ثانية.
وبعدين مسك إيدي برفق.
أنا بدور عليكي من سنين يا عايدة.
كان في حاجة مختلفة في صوته.
حاجة جدية جدًا.
كنت دايمًا بتمنى ألاقي فرصة أردلك الجميل اللي عملتيه معايا. لكن كنت كمان عايز أطمن إن حياتك كويسة وإنك بخير.
بصيت له.
قصدك إيه؟
بدل ما يجاوبني، فتح الشنطة تاني.
المرة دي طلع ملف سميك لونه بني.
قلبي بدأ يدق أسرع.
عايدة، في حاجات لازم تعرفيها. وبعضها ممكن يوجعك.
بصيت للملف وأنا مش فاهمة.
مالك شرحلي إنه بعد ما قدر يوصل لي، بدأ يعرف أخبار عن حياتي من بعيد.
كان عارف إني بعيش على المعاش ومبلغ بسيط.
وكان عارف إني سحبت جزء من مدخرات معاشي عشان أساعد أحمد لما مشروع المحاسبة بتاعه كان متعثر.
وعارف إني ساعدت سارة تسدد جزء من ديون بطاقات الائتمان بتاعتها.
وكمان عارف إني اديت كريم فلوس عشان يساعد نفسه في تمن عربيته.
وبعدين صوته وطي.
وأنا عارف إن ولادك التلاتة بقوا بيسألوا عن فلوسك وممتلكاتك.
معدتي اتقبضت.
بيسألوا عن إيه؟
فتح مالك الملف.
أحمد قابل محامي متخصص في شؤون كبار السن مؤخرًا.
حسيت بالبرد بيسري في جسمي.
ليه؟
سارة كانت بتدور على أماكن لرعاية كبار السن.
إيدي شدت في البطانية.
وكريم كان بيسأل ناس عن إزاي ممكن حد يثبت إن أمه مش قادرة تدير أمورها المالية بنفسها.
لأ!
الكلمة خرجت مني من غير ما أحس.
هما ما يعملوش كده.
مالك بصلي بنظرة هادية.
هما ولادك، وأنا عارف.
هما بيحبوني.
مالك سكت لحظة.
وبعدين قال
أكيد هما هيقولوا إنهم بيحبوكي.
الإجابة دي خوفتني أكتر من أي اتهام مباشر.
المطر كان بدأ يخبط بهدوء على شباك المستشفى.
بصيت للكراسي الفاضية اللي كان المفروض ولادي يكونوا قاعدين عليها.
وبعدين رجعت بصيت لمالك.
ليه بتقولي الكلام ده دلوقتي؟
فك مالك اتشد.
عشان النهارده كان الاختبار.
بصيت له باستغراب.
اختبار إيه؟
كنت عايز أشوف هيعملوا إيه لما إنتِ فعلًا تحتاجيهم.
بص ناحية باب الأوضة.
كنت بتمنى إنهم يفضلوا معاكي.
همست
بس هما مشيوا.
أيوه.
وبهدوء، طلع أول ورقة من الملف.
كان عليها اسم مكتب محاماة واضح في أعلى الصفحة.
واسمي مكتوب تحتها.
وفي جملة واحدة متعلم عليها بالقلم الأصفر.
قلبي بدأ يدق بعنف.
وقبل ما ألحق أقراها، مالك بص في عيني وقال
عايدة… الركنة الغالية ما كانتش السبب الحقيقي اللي خلا ولادك يمشوا.
حسيت إن قلبي وقف.
وبعدين زق الورقة ناحيتي.
ولما قريت الجملة اللي تحتها خط أصفر…
فهمت أخيرًا ليه ولادي التلاتة كانوا محتاجين إني أصحى من عملية القلب من غير ما يكونوا موجودين جنبي.
حكايات زيزي
شكرًا إنك كملتي لحد هنا
فضلت باصة للورقة كأني خايفة أقراها.
إيدي كانت بتترعش، ومالك ما استعجلنيش.
اقريها يا عايدة… لازم تعرفي الحقيقة بنفسك.
قربت الورقة من عيني، وبدأت أقرا.
وكان أول سطر مكتوب
طلب تقييم الأهلية المالية للسيدة عايدة محمود، تمهيدًا لاتخاذ إجراءات قانونية للسيطرة على ممتلكاتها.
اتجمدت مكاني.
رفعت عيني لمالك.
يعني إيه السيطرة على ممتلكاتي؟
قال بهدوء
يعني لو قدروا يثبتوا إنك مش قادرة تديري فلوسك بعد العملية، ممكن يحاولوا يطلبوا من المحكمة تعيين وصي أو شخص يدير شؤونك المالية.
حسيت إن نفسي اتقطع.
ولادي؟
هز راسه.
واحد منهم بدأ الإجراءات بالفعل.
مين؟
مالك ما ردش فورًا.
قلبت الورقة بسرعة، ولقيت اسم المحامي وتوقيع مقدم الطلب.
أحمد.
ابني الكبير.
ابني اللي قال للممرضة إنه لازم يرجع مكتبه عشان عنده شغل مهم.
ابني اللي كنت بقول للناس طول عمري
أحمد سندي.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.
حتى أحمد؟
مالك قال
للأسف.
سكت لحظة، وبعدين أضاف
لكن ده مش أسوأ جزء.
بصيت له.
في إيه أسوأ من كده؟
طلع ورقة تانية من الملف وحطها قدامي.
المرة دي كانت عبارة عن نسخة من إعلان عقاري.
وفي أعلى الصفحة عنوان عقار أعرفه كويس جدًا.
بيتي.
البيت اللي عشت فيه أكتر من ثلاثين سنة.
البيت اللي جوزي الله يرحمه اشتراه قبل ما يموت.
البيت اللي كنت فاكرة إن ولادي بيحبوه لأنه شهد طفولتهم كلها.
تحت صورة البيت كان مكتوب
فرصة استثمارية مميزة مالك متعاون ومستعد للبيع.
شهقت
مين عرض بيتي للبيع؟
مالك بصلي مباشرة.
حد من ولادك.
حطيت إيدي على صدري.
بس البيت باسمي!
عارف.
وما ينفعش يبيعوه!
لو قدروا يثبتوا إنك غير قادرة على إدارة ممتلكاتك، الموضوع ممكن يتغير.
فضلت ساكتة.
وفجأة افتكرت حاجات صغيرة كنت بعتبرها عادية.
أحمد كان بيسألني من فترة
ماما، ورق البيت فين؟
وسارة كانت بتقول
إنتِ محتفظة بعقود البيت فين؟
وكريم مرة طلب مني أوقّع على ورقة وقال إنها تخص التأمين.
أنا وقتها ما شكيتش.
كنت أمهم.
كنت بثق فيهم.
مالك مد إيده للملف وأخرج ظرفًا أبيض.
ولسه في حاجة لازم تعرفيها.
فتحت الظرف.
كان جواه كشف حساب بنكي.
لكن اللي خلاني أرفع عيني بسرعة هو وجود تحويلات مالية باسمي.
تحويلات أنا ما عملتهاش.
مالك… أنا ما حولتش الفلوس دي.
قال بهدوء
عارف.
أمال مين عملها؟
قرب كرسيه مني.
عشان كده أنا جيت النهارده بنفسي.
قبل ما أكمل سؤالي، الباب اتفتح فجأة.
دخلت الممرضة وهي متوترة.
مدام عايدة… في ناس بره بيسألوا عنك.
قلبي اتقبض.
مين؟
بصت ناحية مالك، وبعدها قالت
أولادك التلاتة.
اتسمرت في مكاني.
مالك قام بهدوء.
وهل قالوا إنهم عايزين يدخلوا؟
الممرضة بلعت ريقها.
قالوا إنهم عايزين يتكلموا مع والدتهم فورًا.
بصيت لمالك.
أنا مش عايزة أشوفهم.
كانت أول مرة أقول الجملة دي في حياتي.
مالك قرب مني وقال
متأكدة؟
بصيت للباب.
لأني لو شفتهم دلوقتي… مش عارفة هقدر أصدق أي كلمة منهم تاني ولا لأ.
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت أحمد من بره
ماما! افتحي الباب!
ثم صوت سارة
إحنا جايين نطمن عليكي!
وبعدها صوت كريم، لكن نبرته كانت مختلفة تمامًا
لازم نتكلم في موضوع مهم قبل ما تخرجي من المستشفى.
مالك رجع بصلي.
وبهدوء قال
عايدة… ما تفتحيش الباب.
اتسعت عيني.
ليه؟
فتح الملف مرة تالتة، وطلع آخر ورقة.
لأن الورقة دي… فيها سبب زيارتهم الحقيقي.
قربها مني.
ولما شفت أول سطر…
حسيت إن كل اللي حصل من أول ما صحيت من البنج كان مجرد بداية ثبتت عيني على الورقة، لكن صوابعي كانت بتترعش لدرجة إني ما قدرتش أمسكها كويس.
مالك قال بهدوء
خدي وقتك.
بدأت أقرأ.
طلب عاجل لإدارة أصول السيدة عايدة محمود مؤقتًا، بدعوى عدم قدرتها على اتخاذ قرارات مالية سليمة.
حسيت إن الدنيا لفت بيا.
هم عايزين يحجروا عليّا؟
مالك هز راسه ببطء.
ده اللي بيحاولوا يعملوه.
بس ليه؟ أنا مش مريضة في عقلي!
عارف.
وأنا لسه واعية وبفهم كل حاجة!
وأنا عارف ده كمان.
بصيت له بانهيار.
طب عايزين إيه مني؟
قبل ما يرد، خبط أحمد على الباب بعنف.
ماما! افتحي!
سارة صرخت من بره
إحنا ولادك، ومن حقنا نطمن عليكي!
كريم كان ساكت.
وده بالذات خلاني أقلق.
مالك قرب من الباب، لكنه ما فتحوش.
عايدة، قبل ما تقرري تشوفيهم، لازم تعرفي حاجة.
إيه؟
فتح الملف على صفحة تانية.
الورقة دي اتقدمت للمحكمة قبل عمليتك بيومين.
شهقت.
قبل العملية؟
أيوه.
يعني كانوا مخططين لكل ده وأنا لسه عايشة معاهم وبثق فيهم؟
مالك ما جاوبش.
لأن صوت أحمد جه من بره تاني
ماما، إحنا مش عايزين منك حاجة! إحنا بس عايزين نطمن عليكي!
غمضت عيني.
الجملة دي كانت توجعني أكتر من أي حاجة.
لأني كنت عارفة إن أحمد عمره ما كان بيكلمني بالنبرة دي إلا لما يكون عايز مني حاجة.
مالك بصلي.
تحبي أخرجهم؟
فكرت ثواني.
وبعدين قلت
لأ.
استغرب.
لأ؟
خليهم يدخلوا.
عايدة…
قاطعته
بس متقولهمش إنك عرفت حاجة.
مالك ابتسم ابتسامة صغيرة.
كنت مستني منك تقولي كده.
دخل أحمد الأول.
وشه كان متوتر، لكنه حاول يبتسم.
ورا سارة، وبعدها كريم.
التلاتة وقفوا قدام سريري.
أحمد قرب مني
ماما، إنتِ عاملة إيه؟
بصيت له.
الحمد لله.
سارة مسكت إيدي.
خوفتينا عليكي.
بصيت على إيدها فوق إيدي.
نفس الإيد اللي كنت بدفع لها بيها أقساط ديونها.
نفس الإيد اللي كنت بشتري لها بيها احتياجات بيتها.
وقتها فهمت إن الإنسان أحيانًا بيكتشف الحقيقة مش لما يسمع كلام جديد…
لكن لما يبدأ يشوف الكلام القديم بشكل مختلف.
كريم بص لمالك.
حضرتك مين؟
مالك رد بمنتهى الهدوء
صديق قديم لوالدتكم.
أحمد ابتسم ابتسامة مصطنعة.
طيب لو سمحت، ممكن تسيبنا شوية لوحدنا؟
مالك ما اتحركش.
للأسف مش هينفع.
أحمد اتضايق.
دي والدتنا.
مالك بص له.
وعشان كده أنا موجود.
ساد الصمت.
سارة حاولت تغير الموضوع
ماما، إحنا كنا عايزين نكلمك في حاجة مهمة.
قلبي دق أسرع.
حاجة إيه؟
بصت لأحمد.
أحمد أخذ نفسًا طويلًا.
ماما، بعد العملية دي… إنتِ محتاجة حد يهتم بيكي.
ابتسمت.
وأنا شايفة إن ده حقيقي.
قال بسرعة
وعشان كده إحنا شايفين إن الأفضل تنتقلي لمكان مريح شوية.
مكان إيه؟
سارة قالت
دار رعاية ممتازة.
فضلت باصة لها.
دار رعاية؟
مؤقتًا يا ماما.
كريم أضاف
لحد ما صحتك تتحسن.
ضحكت بهدوء.
وصحتكم إنتوا؟
الثلاثة سكتوا.
بصيت لأحمد.
وإنت؟ مش كنت هتفضل معايا طول اليوم؟
اتوتر.
كان عندي ظرف.
بصيت لسارة.
وإنتِ؟ مش كنتِ هتجيبيلي ورد؟
وطّت عينيها.
نسيت يا ماما.
وبعدين بصيت لكريم.
وإنت؟
ما ردش.
لأول مرة حسيت إن الصمت اللي بينهم كان أصدق من أي إجابة.
مالك وقف بهدوء.
أعتقد إن الوقت مناسب إن عايدة ترتاح.
أحمد بص له بحدة.
إحنا مش هنمشي.
مالك رد
هتمشوا.
حضرتك مش من حقك تأمرنا.
مالك ابتسم.
صحيح.
ثم أخرج هاتفه ووضعه على الطاولة.
لكن المحكمة من حقها تعرف مين قدم طلب إدارة أموال والدته قبل يومين من دخولها غرفة العمليات.
وش أحمد اتغير.
سارة شهقت.
وكريم رجع خطوة للخلف.
أما أنا…
ففضلت باصة لأولادي التلاتة.
ولأول مرة في حياتي، ما شفتش في عيونهم أولادي.
شفت ثلاثة أشخاص خايفين من حاجة أكبر مني.
وقبل ما أي واحد فيهم يتكلم، هاتف مالك رن.
بص للشاشة.
وبمجرد ما شاف اسم المتصل، اختفت الابتسامة من وشه.
قال
لازم أرد.
خرج من الأوضة.
وبعد أقل من دقيقة رجع.
كان وشه شاحب.
قرب مني وقال بصوت منخفض
عايدة… عندي خبر مش هتحبيه.
إيه؟
بص لأحمد وسارة وكريم.
وبعدين قال
المحكمة وافقت على عقد جلسة طارئة بكرة الصبح.
سكت لحظة.
وفي شخص تاني طلب يدخل طرف في القضية.
سألته
مين؟
فتح هاتفه، ووراني الاسم.
ولما شفته…
حسيت إن إيدي بردت.
لأن الاسم ما كانش غريب عليّا.
كان اسم شخص كنت واثقة فيه طول عمري فضلت باصة للاسم على شاشة موبايل مالك، ومخي مش قادر يستوعب.
مستحيل…
مالك سألني
تعرفيه؟
هزيت راسي ببطء.
ده محامي جوزي الله يرحمه.
أحمد اتغيرت ملامحه فجأة.
لاحظت الحركة دي.
بصيت له.
إنت تعرفه؟
لأ طبعًا يا ماما.
لكن صوته ما كانش مقنع.
مالك قفل الموبايل وقال
الغريب إنه مش بس طلب يدخل طرف في القضية… هو كمان قدم مستندات.
سألته