بقيتي عانس ج الاخير

بقيتي عانس ج الاخير

ومرت الأيام، والوجع بيمر معاها ببطء، لحد ما في يوم الباب خبط، وكان اللي داخل علينا هو “عمر” ابن عمي.
عمر كان مسافر بقاله 4 سنين شغال مهندس في الخليج، مكنش بينزل مصر خالص ومركّز في شغله ومستقبله لحد ما كون نفسه وبقى جاهز يتجوز ويستقر. أول ما دخل وشافني، ملامح وشي المكسورة والهم اللي باين عليا مخفيش عليه. قعد مع بابا وماما، وبدأنا نتبادل الزيارات، وبقى ييجي يقعد معانا كتير بحجة إنه بيعوض السنين اللي سافرها بعيد عننا.
في كل مرة كان عمر بييجي فيها، كنت بحس بنظراته ملاحقاني.. نظرات كلها احترام وتقدير، مش نظرة عطف ولا شفقة. مكنش يعرف تفاصيل اللي حصل معايا، بس لما عرف من بابا في قعدة رجالة إن خطوبتي اتفسخت قبل الفرح بأسبوعين، وإني ضيعت 5 سنين من عمري بستنى واحد مطمرش فيه العيش والملح، عمر اتأثر جداً وزعل عشاني بجد.
ومن هنا، بدأت المعاملة تتغير.. عمر بقى يتعمد يفتح معايا كلام في كل زيارة، يسألني عن رأيي في حاجات تخصه، في شقته الجديدة، في ديكوراتها، وكان دايماً يقولي: “إنتِ ذوقك راقي يا ميادة، ورأيك يهمني جداً”.
بدأ الإعجاب يتسلل لقلوبنا من غير ما نحس. كنت بشوف فيه الراجل اللي بجد، اللي مبيوزنش الست بـ “عداد سنينها” ولا بيشوفها بضاعة، بل بيحترم عقلها وكيانها. وعمر كان شايف فيا الست الأصيلة العاقلة اللي تقدر تشيل بيت وتصون راجل.. الـ 29 سنة اللي أحمد وأمه شافوها عيب، عمر كان شايفها قمة النضج والجمال.
وفي ليلة، كنا قاعدين بنشرب الشاي في البلكونة وبابا وماما جوة، عمر بص لي وابتسم، وقال بنبرة كلها رجولة وثقة:
ـ “تعرفي يا ميادة؟ أنا السنين اللي فاتت دي كلها كنت بدور على واحدة تملى عيني وقلبي، ومكنتش أعرف إن الجوهرة موجودة هنا في بيت عمي وأنا برة.. أنا هفتح الموضوع مع عمي بكرة، وأتمنى تقبلي بيا وتديني الفرصة إني أعوضك عن أي حزن شفتيه”.
الدنيا لفت بيا من الفرحة، حست إن ربنا بدأ يبعت لي العوض اللي يبرد ناري، والكسرة اللي كانت في عيني اتبدلت بلمعة أمل جديدة.
وفعلاً، عمر مكدبش خبر، وتاني يوم فتح الموضوع مع بابا، والبيت كله اتقلب فرحة وزغاريط مكنتش مصدقة إنها هتدخل بيتنا تاني. تمت الخطوبة في أجواء عائلية راقية، وعمر جاب لي شبكة كبيرة تليق بيا وبيه، طقم دهب كامل وفخم يليق بمهندس محترم وراجل بجد، الكل في المنطقة كان بيتكلم عن قيمتها وشياكتها، وأحمد وأمه عرفوا إن ربنا مبيكسرش خاطر حد صانه.
الخطوبة ماطولتش كتير، كانت يدوب 4 شهور، لأن عمر كان جاهز من كل حاجة وشقته كاملة مكملة. المفاجأة الكبيرة بقى إن عمر رفض تماماً إني أجيب أي حاجة في الشقة، وقالي بالحرف: “إنتِ هتيجي بشنطة هدومك يا ميادة، شقتك جاهزة ومش عايزك تتعبي في مسمار واحد”.
أما الحاجات والأجهزة اللي كنت اشتريتها وشقيت فيها في خطوبتي الأولى، فقررت إني مش هخلي أي ذكرى من الماضي تدخل حياتي الجديدة. أخدتها كلها وبعتها، والفلوس اللي طلعت منها روحت اشتريت بيها دهب لنفسي، شقايا وعمري رجعوا لي في إيدي سبايك وغوايش تزيدني قيمة.
في خلال الـ 4 شهور كنا فرشنا اللمسات الأخيرة، وفرحي اتعمل في قاعة من أفخم قاعات الفنادق، كنت طالعة فيها زي الأميرة، وعمر عينه مكنتش بتنزل من عليا والفرحة مش سيعاه. الكل كان حاضر ومبهور، ونظرات الفخر في عين أبويا وأمي تسوى الدنيا وما فيها.
بعد الفرح بكام يوم، جهزنا الشنط، وودعت بابا وماما والدموع في عينيا بس المرة دي دموع فرح وانتصار، وأخدت إيد جوزي وسافرت معاه برة مصر عشان نبدأ حياتنا الجديدة. وأنا في الطيارة، بصيت من الشباك وابتسمت، وحمدت ربنا من كل قلبي.. العوض لما بييجي من ربنا بيمحي كل وجع السنين، وبيثبت للكل إن الـ 29 سنة مكنتش نهاية المطاف، دي كانت البداية الصح مع الراجل الصح.
ومرت 3 سنين بحلوها ومرها، 3 سنين عشتهم في جنة ونعيم مع عمر، ربنا كرمني فيهم بأجمل هدية كان ممكن أحلم بيها.. ولد وبنت توأم، “آدم” و”ليلي”، ملوا عليا الدنيا بهجة وفرحة، وخلوني أحس بمعنى الأمومة اللي كانوا بيعايروني ويخوفوني إن السن هيحرمني منها.
نزلت مصر في زيارة لأهلي، وكنت داخلة العمارة وأنا شايلاهم في حضني، وعمر شايل الشنط جمبي والضحكة مش مفارقة وشنا. جاراتنا وسلايفنا أول ما شافوني نازلة بالتوأم وفي عز شبابي ونضجي، وعمر مهتم بيا وبولاده، العمارة كلها اتقلبت بالترحيب والزغاريط.
لكن المفاجأة الكبيرة كانت لما قعدت مع ماما بالليل في الصالة، وبدأت تحكيلي عن اللي حصل في غيابي.. وعن أحمد!
ماما بصت لي وقالت بنبرة فيها العبرة: “سبحان الملك يا بنتي، يمهل ولا يهمل.. فاكرة أحمد والبت الصغيرة اللي جابها عشان تخلف له بدري وتعمله عزوة؟”
رديت بلهفة: “آه يا ماما، مالهم؟”
ماما كملت: “من أول شهر جواز والدنيا اتقلبت فوق دماغهم. البت طلعت صغيرة وطايشة، لا بتفهم في أصول ولا شيل مسؤولية بيت، طول الوقت عايزة تخرج وتتفسح وتشتري لبس ومبتعملش لقمة في البيت، وأمه اللي كانت بتتحكم بقت تبكي من لسانها وطول لسانها عليها! وطبعاً لما خلفت منه عيل، المشاكل زادت وبقت تقوله (أنا مش هقعد أربيلك عيال وأنا لسه صغيرة وشبابي بيضيع)”.
سكتت ماما شوية وبعدين كملت والصدمة باينة في صوتها: “الموضوع وصل بينهم للطلاق، والعروسة الصغيرة اللي جابوها مسمتش عليهم.. رفعت عليه قضايا في المحاكم، وبصفتها حاضنة، أخدت منه كل حاجة! أخدت الشقة اللي شقي وتعب فيها، والفرش، والشبكة الكبيرة اللي جابها، ونفقة مأكل وملبس.. سابته على الحديدة بمعنى الكلمة، ودلوقتي أحمد رجع يقعد في أوضة في شقة أمه القديمة، ومطارد بالوصولات والمحاكم، والعربية اللي كان بيتباهى بيها باعها عشان يسدد مصاريف المحاميين!”
بصيت لماما وأنا مش مصدقة، واشتعلت في قلبي آية ربنا: *{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}*. أحمد اللي سابني قبل فرحي بأسبوعين عشان “خايف متخلفش”، ربنا حرمني منه عشان يديني توأم زي القمر مع راجل صانني، وهو اللي جري ورا السن الصغير، ربنا جازاه بواحدة هدت حيله وأخدت شقته وشقاه وسابته مكسور قدام المنطقة كلها.
حضنت ولادي ورفعت راسي للسما، وقولت: “الحمد لله على عدلك يا رب.. العوض مش بس إنه بيديك الأحسن، العوض إنه بيوريك حكمته وعدله في اللي ظلمك وأنت في قمة فرحك”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *