روايه جديده 1

روايه جديده 1

“الفصل الأول”
وقفت فتاة في منتصف العشرينات أمام مكتب، تعقد ذراعيها على صدرها، وتحدق فيه بإعجاب واضح وهو منغمس في عمله، تحيط به الملفات من كل جانب، ترددت لحظة، ثم تنحنحت بخفة لتلفت انتباهه، وقالت بنبرة عاشقة:
“ممكن اخد من وقتك يا أستاذ همام؟”
اعتدل في جلسته فور أن سمع صوتها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة تنم عن احترام خاص لها.
“طبعا يا استاذة عهد اتفضلي.”
تقدمت وجلست أمامه، تحاول إخفاء توترها بابتسامة خفيفة، ثم سألته وهي تعبث بأصابعها:
“انت مش ناوي تتغدا ولا ايه؟”
حرك رأسه بالنفي، وأعاد نظره إلى الأوراق المكدسة أمامه.
“لا مش هينفع، عندي ملفات كتيره اوي عايز اخلصها واسلمها النهاردة.”
رمقته بنظرة حزن مصطنع، وقطبت جبينها بدلال واضح.
“خلاص براحتك ذنبي فى رقبتك، هفضل جعانه بسببك.”
عقد حاجبيه بدهشة، ورفع بصره إليها مستغربًا.
“ليه بس حضرتك؟ تقدري تنزلي تاكلي براحتك، لسه الوقت طويل.”
ابتسمت ابتسامة مشرقة أضاءت وجهها، وقالت بخفة صادقة:
“اصل انا مش هعرف اكل لوحدي والبت ملك مجاتش النهاردة، وقولت يعني لو تيجي انت معايا نتغدا سوا مش هيحصل حاجه، ولو على الشغل أنا هسهر معاك النهاردة اساعدك فيه لحد ما تسلمه كله.”
ارتبك قليلًا أمام إصرارها، وقبل أن ينطق، أردفت بصوت مملوء رجاء:
“علشان خاطري، تعالى معايا يا همام.”
تعلق بضحكتها، وسرح في ملامحها البريئة، حتى غاب عن الرد لحظة، بينما قلبه يخفق بعنف يناقض سكونه الظاهري.
لاحظت صمته، فاحمر وجنتاها بخجل، وهمست:
“ه همام انت سكت ليه؟”
انتبه لنفسه، وأزاح عنه شروده بابتسامة مرتبكة.
“ها، م مافيش.”
ثم اعتدل في مقعده وقال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
“تصدقي أنا حسيت دلوقتي بالجوع، يلا بينا، قبل ما الوقت يخلص.”
أومأت رأسها بسعادة، وتحركت إلى جواره بخفة ظاهرة، واتجها نحو المصعد، لكن قبل أن يصلا إليه، ظهر والدها فجأة، وتوقفت خطواتها حين سمعت صوته الغاضب.
“عهد!! رايحه فين كده؟”
ارتبكت، والتفتت إلى همام بنظرة قلقة، ثم أجابت بكلمات متقطعة:
“ا احنا رايحين نتغدا يا بابي فى المطعم.”
انتقل بصر والدها إلى همام، وحدق فيه بنظرة صارمة متفحصة، قبل أن يقول بلهجة لا تحتمل نقاشًا:
“اتفضلي روحي، ولينا كلام مع بعض بعدين.”
تركهما ودخل المصعد، فيما ظل الصمت ثقيلًا بينهما للحظات.
تنحنحت عهد بخجل وشيء من الارتباك.
“سوري يا همام عطلتك يلا بينا.”
هز رأسه نافيًا، وابتسم ابتسامة مختنقة تخفي شيئًا من الضيق.
“لا اتفضلي حضرتك روحي انتي، أنا هرجع مكتبي.”
استدار ليغادر، لكنها أسرعت تمسك بيده، وكأنها تخشى أن يبتعد فعلًا.
“علشان خاطري يا همام تعالى ننزل ناكل، بابي ميقصدش حاجه.”
توقفت أنفاسه لحظة وهو ينظر إلى يدها المتشبثة به، ثم رفع عينيه إلى عينيها، وصوته خرج مثقلًا بشيء لم تصفه الكلمات.
“مش عايز أسببلك مشكلة مع رياض باشا.”
ابتسمت برقة صادقة، وكأنها تطمئنه من أعماق قلبها.
“مافيش مشكله ولا حاجه، وبعدين كله فداك، يلا بقى عصافير بطني بتصوت.”
لم يستطع منع ابتسامة دافئة من التسلل إلى شفتيه، وأومأ برأسه أخيرًا. دلفا المصعد معًا، يجاور أحدهما الآخر، غير مدركين أن تلك اللحظات البسيطة كانت تمهيدًا لطريق لن يكون سهلًا أبدًا.
**********************
جلس همام وعهد متقابلين، يفصل بينهما طاولة صغيرة ازدحمت بأطباق تفوح منها رائحة شهية، غير أن كليهما لم يمد يده إليها، كان الصمت أثقل من الجوع، والنظرات أبلغ من الكلام.
ترددت عهد قليلًا، تعبث بطرف المنديل بين أصابعها، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بتوتر واضح:
“همام، هو انت فيه حد فى حياتك؟”
تجمد في مكانه، وكأن السؤال باغته على حين غرة لم يكن يتوقعه، ولم يكن مستعدًا له.
طال صمته، فخفت بريق عينيها، وقالت بصوت مختنق بالحزن:
“خلاص فهمت مش مجبر ترد عليا، ربنا يسعدكم.”
انتفض سريعًا، وكأن كلماتها طعنته، وقال مدافعًا وقد بدا عليه الارتباك:
“لا لا انتي فهمتي ايه؟ أنا مافيش حد فى حياتي خالص، اصلا معنديش وقت لكدة.”
تنفست بارتياح ملحوظ، وانفرجت أساريرها، وارتسمت ابتسامة صافية على شفتيها.
“خضتني، الحمدالله.”
قطب جبينه بعدم فهم، وحدق بها متسائلًا:
“خضتك! ليه مش فاهم؟”
أغمضت عينيها لحظة، تلوم نفسها على اندفاعها، ثم قالت بتوتر حاولت إخفاءه:
“ها، ل لا اقصد يعني الحمدالله، هتكون متفرغ لشغل وكده، أنا اهم حاجه عندي مصلحة الشركة بتاعتنا.”
نظر إليها بنظرة طويلة، كأنه يقرأ ما خلف كلماتها، ثم قال بنبرة مثقلة بشيء من الألم:
“مينفعش.”
رفعت حاجبيها بدهشة:
“هو ايه اللي مينفعش؟”
تنهد بعمق، وكأن صدره يضيق بما يحمله، ثم قال بصوت خرج بصعوبة:
“مينفعش اللي حضرتك حاسه بي، أنا فين وانتي فين؟ فيه فرق اجتماعي ما بينا، فرق ما بين السما والارض، واللي حصل النهاردة من رياض باشا، يأكدلك كلامي، لمجرد أنه شافنا نازلين مع بعض نتغدا عادي، المجتمع عمره ما هيعترف بينا اتنين، هيفضل شايفنا انتي عهد رياض بنت اكبر رجل اعمال، وانا همام مجرد موظف حسابات عندكم فى الشركه.”
تجمعت الدموع في عينيها، ولمعت تحت ضوء المكان، وهزت رأسها نفيا بإصرار:
“بس الحب ميعرفش حاجه اسمها فروق اجتماعيه، قلوبنا مش بأيدينا يا همام، أنا بحبك من أول لحظة شوفتك فيها، خطفت قلبي من وقتها، ومتأكده، انك انت كمان بتحبني زي واكتر، همام أنا عمري ما بصيت انت ابن مين ولا أنا ابقى ايه، أنا شيفاك أعظم راجل شافته عيوني.”
ابتلع غصة مؤلمة، وشعر أن كلماتها تضعف مقاومته، لكنه تمسك بعقله قبل قلبه وقال بصعوبة:
“صدقيني يا عهد، والله ما هينفع، ابوس ايدك بلاش تخليني اعشم نفسي بحاجه عمرها ما هتحصل.”
مدت يدها وأمسكت بكفه، كأنها تحاول أن تثبته أمامها، وقالت من بين دموعها:
“هيحصل، صدقني يا همام كل ما كان حبنا قوي كل ما هيقوي موقفنا، وهنقدر نكمل مع بعض، من غير مشاكل.”
سحب يده برفق مؤلم، وكأنه ينتزع قلبه معها، وقال بصوت مبحوح:
“أنا مش مستعد للخطوة دي دلوقتي يا عهد، مقدرش ادخل لعبه هكون خسران فيها.”
نظرت إليه نظرة طويلة، مزيج من عتاب وحب وإصرار، ثم قالت بصوت مختنق:
“مهما كان بابي ايه، الحب الصادق هيكون شفيع لينا قصاده، جرب وصدقني مش هتخسر حاجه، لان هفضل جنبك ومعاك مهما حصل.”
أنهت كلماتها ونهضت ببطء، محاولة أن تحافظ على ما تبقى من كرامتها، ثم ابتعدت عنه بخطوات متثاقلة.
ظل همام جالسًا مكانه، يحدق في أثرها، وقلبه ينزف بصمت، زفر بضيق شديد، ألقى ببعض النقود فوق الطاولة دون أن يلتفت إلى الطعام الذي لم يمس، ثم عاد إلى عمله، غير مدرك أن تلك اللحظة كانت أول صدع حقيقي في حكايتهما.
**********************
بالمــساء…
عادت عهد إلى الفيلا، وما إن دلفت إلى الداخل حتى وجدته جالسًا في الصالة، بوجه متجهم ونظرات لا تبشر بالخير، خفق قلبها بقلق، لكنها حاولت أن تخفي ارتباكها بابتسامة متوترة وهي تقول:
“مساء الخير يا بابي، ايه مصحيك لحد دلوقتي؟”
لم يبادلها الابتسامة، بل نظر إليها نظرة صارمة وقال بصوت غاضب:
“اللي اسمه همام ده حكايتك ايه معاه؟”
جف حلقها فجأة، وابتلعت ريقها بصعوبة، تقدمت بخطوات بطيئة وجلست أمامه، تحاول أن تبدو ثابتة رغم ارتجافها الداخلي.
“م مافيش، م مجرد زميل م مش اكتر.”
هز رأسه رافضًا، وحدق بها بنبرة حادة تخترق دفاعاتها:
“كدابه مكانش واضح انها مجرد صداقه، غير اصلاً مينفعش تكوني زمايل فى الشركة، لانك بنت صاحبها يعني شركتك، ازاي هيحترموكي بعد كده لما تمسكي الشركه بعد موتي؟”
ارتفع رأسها فجأة، وفي عينيها ضيق لم تستطع إخفاءه، قالت بصوت مختنق لكنه ثابت:
“وفيها ايه يا بابي؟ هما الموظفين دول مش بشر زينا، وليهم فضل كبير على الشركة دي؟ لولاهم مكانتش هتكون فى المستوى ده، بابي احنا كلنا ولاد حوا وادم يعني مافيش حاجه اسمها غني ولا فقير، ولا فيه حاجه اسمها من مستوانا أو مش من مستوانا ربنا خلقنا من طين، الطبقات دي، الانسان هو اللي اختراعها.”
ضرب بيده على الطاولة أمامه بقوة، فارتجفت هي في مكانها، وقال بلهجة تحذيرية قاطعة:
“عهد! متخلنيش اتبع معاكي اسلوب مش هيعجبك، اياكي اشوفك واقفه مع اللي اسمه همام ده، ولا أي موظف غيره، حتى اللي اسمها ملك دي ملكيش دعوه بيها، اعرفي مقامك انتي ايه، ومقامهم هما ايه.”
انكسرت نظرتها للحظة، وتجمعت الدموع في عينيها، لكنها تماسكت ونهضت ببطء، وصوتها يخرج مثقلًا بالألم:
“حاضر يا بابي، تصبح على خير.”
اتجهت نحو الدرج بخطوات متثاقلة، تشعر أن كل درجة تصعدها تثقل صدرها أكثر، لكنها توقفت فجأة عندما شق صوته سكون المكان:
“اعملي حسابك ترجعي بكرة بدري، عندنا عزومة فى فيلا فريد الهواري، ابنه رجع امبارح من امريكا وعايز يخدك ليه.”
اتسعت عيناها بصدمة واضحة، واستدارت نحوه سريعًا تهز رأسها برفض قاطع:
“مش موافقة يا بابي، أنا مش بفكر فى الجواز دلوقتي.”
هدر بها بغضب لم يترك مجالًا للنقاش:
“أنا اديت الراجل كلمة خلاص، اتفضلي على اوضك.”
لم تستطع أن تحبس دموعها أكثر. نظرت إليه نظرة ممتلئة بالخذلان، ثم ركضت إلى الأعلى، دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، كأنها تحاول أن تحتمي من العالم بأسره، ثم ارتمت على سريرها، ودفنت وجهها في الوسادة، تبكي بوجع وحزن لم تعرف لهما مثيلًا.
كانت تشعر أن قلبها ينتزع منها انتزاعًا، بين حب يتمسك بها، وواقع يفرض عليها قسرًا.
********************
في حارة من عشوائيات القاهرة،
كان الليل قد أرخى سدوله على الأزقة الضيقة، حيث تتشابك البيوت المتواضعة كأنها تتكئ على بعضها خوف السقوط، سار همام بخطوات مثقلة، يلقي التحية على كل من يصادفه بصوت خافت، يخفي خلفه انكسارًا لا يراه أحد.
وصل إلى بنايته القديمة، صعد الدرج ببطء، ثم دلف إلى الشقة الصغيرة. ألقى السلام على من في الداخل، واتجه مباشرة إلى غرفته، أغلق الباب خلفه، وألقى بنفسه على السرير كمن أرهقه حمل أثقل من طاقته.
حدق في السقف طويلًا، تتردد في أذنيه كلمات عهد، وصورتها لا تفارقه. كان الألم يعتصر قلبه، لأنه رأى الفارق بين عالمه وعالمها، ورأى نفسه في عيني والدها مجرد رقم لا أكثر.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء، ودخلت والدته بابتسامة حنونة تسبقها، اعتدل سريعًا في جلسته، محاولًا أن يخفي ما به، وقال بنبرة مختنقة:
“تعالى يا حبيبتي اقعدي، ايه مصحيكي لحد دلوقتي؟”
جلست إلى جواره، وربتت على يده بحنان اعتاده منها منذ صغره، وقالت:
“صليت العشا وقلبي كان قلقان عليك قولت استناك تيجي اطمن عليك وبعد كده ابقى أنام.”
انحنى يقبل يدها بحب خالص، وقال ممتنًا:
“ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك يا ست الكل.”
تأملته طويلًا، كأنها تقرأ ما يخفيه، ثم سألت برفق:
“مالك يا قلب امك؟ زعلان ليه؟”
تنهد بوجع، وحاول أن يرسم ابتسامة واهنة على شفتيه.
“مافيش يا حبيبتي، تعبان بس شوية من الشغل.”
رفعت يدها تمسح على خده بحنان أمومي خالص، وقالت بصوت دافئ:
“متشيلش هم يا قلب امك، سيبها على ربنا واللي عايزة هيكون.”
اهتز داخله شيء ما، ونظر إليها بعينين غلبهما الانكسار، وقال بصوت خرج مثقلًا:
“أنا عمري ما بصيت أعلى مني، طول عمري راضي بحالي وظروفي، لحد ما ظهرت هي، اتمنيت لو كان عندي فلوس، لو كان حالي غير كده، علشان اقدر ابقى معاها، الفقر وكسرت النفس وحشه اوي يا أمي.”
ابتسمت له ابتسامة هادئة، كأنها تطمئنه قبل أن تجيب، وقالت بحكمة صافية:
“لا عاش ولا كان اللي يكسر نفسك يا حبيبي، ربنا لما وزع الأرزاق وزعها على عبادة بالتساوي، مظلمش حد بس الرزق هنا مش فلوس بس، فيه رزق فى الصحه، رزق فى القلوب الصافيه، رزق فى العيلة، رزق فى الاولاد، رزق فى الفلوس، كل دي ارزاق متوزعه على اصحابها، علشان كده مهما كان احمد ربنا على اللي فى ايدك وخليك واثق أن ربك العدل الرزاق.”
انساب إلى قلبه شيء من السك..ينة مع كلماتها، وكأنها بلسم خفي يهدئ جراحه، ابتسم لها بإمتنان، وقبل يدها مرة أخرى وقال:
“ونعم بالله، ربنا يخليكي ليا، انتي أجمل رزق ربنا كرمني بيها.”
ابتسمت بحب صادق، وقالت بدعاء خرج من قلبها:
“ربنا يريح قلبك يا ابني ويرزقك الراحه والسك..ينة.”
نهضت بهدوء، واتجهت نحو الباب، ثم خرجت وأغلقته خلفها برفق.
ظل همام ينظر إلى أثرها لحظات، يتنفس بعمق، يحاول أن يجمع شتات نفسه. تنهد بألم مكتوم، ثم نهض متثاقلًا، واتجه إلى المرحاض، عل الماء البارد يطفئ شيئًا من نار تشتعل داخله، نار حب يخشى أن يحرقه.
*************************
“الفصل الثاني”
في صباح اليوم التالي…
وصلت عهد إلى مقر الشركة في اللحظة ذاتها التي وصل فيها همام، تقابلت خطواتهما عند مدخل المصعد، فتوقفا ينتظران في صمت ثقيل، كأن الكلمات تخشى الخروج بينهما.
كان الهواء مشحونًا بشيء غير مرئي، شيء يشبه العتاب المكبوت، لم يلتفت إليها، ولم تجرؤ هي على كسر المسافة بينهما.
وصل المصعد أخيرًا، فدلفا إلى الداخل، انغلق الباب عليهما، ليجد كل منهما نفسه أسير تلك المساحة الضيقة، وأسير ما في قلبه.
مد همام يده وضغط على الزر، بينما كانت عهد تراقبه بنظرات حزينة يملؤها رجاء صامت، ترددت لحظة، ثم خرج صوتها مختنقًا:
“مفكرتش فى كلامي يا همام؟”
أجابها دون أن ينظر إليها، وكأن النظر في عينيها سيضعف موقفه:
“قلتلك مينفعش يا استاذة عهد، وياريت تقفلي على الموضوع ده خالص.”
أغمضت عينيها لحظة، وأخذت نفسًا عميقًا تحاول به أن تثبت قلبها المرتجف، ثم قالت بنبرة موجوعة:
“فيه عريس طلب أيدي، وبابي موافق عليه، بس أنا مش عايزة غيرك أنت.”
كلماتها أصابت قلبه كسهام دقيقة، شعر بوخزة حادة في صدره، لكنه ظل صامتًا، متصلب الملامح، وكأن الصمت درعه الأخير.
انتظرت رده، وحين طال صمته، قالت بصوت أقرب إلى الرجاء:
“ساكت ليه يا همام؟ اتمسك بيا، زي ما أنا متمسكة بيك، قولي كلمة واحده، تطمني وتخليني اقف قصاد العالم كله علشانك.”
وفي تلك اللحظة، توقف المصعد معلنًا وصوله، انفتح الباب ببطء، كأن القدر نفسه يمنحه فرصة أخيرة، لكنه لم يغتنمها.
خرج صوته حزينًا، منكسرًا، يحمل وجع رجل يدفن قلبه بيديه:
“مبروك يا انسه عهد، ربنا يسعدك.”
ثم تحرك بخطوات ثابتة نحو مكتبه، تاركًا خلفه قلبًا يتهاوى.
وقفت عهد في مكانها لحظة، تحدق في أثره بعينين غمرتهما الدموع، أطلقت تنهيدة حارة كأنها تفرغ بها ما في صدرها من خيبة، ثم استجمعت شتاتها، واتجهت إلى مكتبها، لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن شيئًا بينهما قد انكسر، وربما إلى الأبد.
************************
مرت عدة أيام ثقيلة، كأن الزمن يتعمد أن يضغط على قلبيهما معًا، ذهبت عهد إلى الزيارة برفقة والدها كما أمرها، جلست أمام العريس، تستمع إلى حديث لا يصل إلى عقلها، وترد بابتسامة باهتة لا تمتد إلى عينيها، كان جسدها هناك، أما روحها فكانت عالقة في مكان آخر، عند رجل يهرب منها كلما اقتربت.
وفي الجهة الأخرى، كان همام يذبل بصمت، كل يوم يمر عليه وهو يشعر أن شيئًا منه ينتزع ببطء، صار يتجنب النظر إليها، يقلص الحديث معها، كأنه إن أطال الوقوف أمامها سيسقط في هوة لا عودة منها، رغم محاولاتها المستمرة لكسر جدار بروده.
وفي أحد الأيام، داخل الشركة، اتخذت عهد قرارًا متهورًا.
نهضت من مقعدها فجأة، والغضب يتصاعد في عينيها، واتجهت بخطوات سريعة نحو مكتب همام، فتحت الباب دون استئذان، ودلفت إلى الداخل، ثم أغلقته خلفها بقوة.
رفع رأسه بصدمة، قبل أن تتقدم نحوه ببطء محسوب، ونظراتها مشتعلة بنفاد صبر:
“اسمع بقى، أنا جبت اخري معاك، ما هو انت هتعترف بحبك ليا برضاك أو غصب عنك، وجنان بجنان، هصرخ واقول عليك بتتحرش بيا، ها يا ابن الناس؟ هتعترف بما يرضي الله، ولا افضحك بما لا يرضي الله؟!”
اتسعت عيناه بعدم تصديق، وحدق بها مذهولًا، ثم قال بنفاذ صبر:
“انسه عهد، بلاش جنان ارجوكي، واتفضلي روحي على مكتبك.”
لكنها لم تتراجع، اقتربت منه بسرعة، حتى باتت تقف أمامه مباشرة، ونظرت في عينيه برجاء صادق:
“همام، ارجوك أنا بتعذب بسببك، بحبك ومش قادرة اتصور نفسي مع غيرك، انت عارف لو مكنتش شايفه حبي فى عيونك، مكنتش هعمل كل ده، أنا رفض العريس، ميهمنيش هو مين ولا ابن مين، انا عايزة راجل واحد بس هو انت يا همام.”
أغمض عينيه بألم، وكأن كلماتها تمزق دفاعاته، وقال بصوت مختنق:
“هظلمك معايا يا عهد، مش هقدر اعيشك فى ربع مستواكي حتى.”
لكنها أمسكت بتلابيبه فجأة، واقتربت منه حتى كادت أنفاسها تلامس وجهه، وهمست بحرارة:
“أنا مطلبتش منك تعيشني فى مستوايا، أنا عايزه اعيش معاك انت على قد ظروفك، حياتك اللي عايشها دلوقتي، نقسمه لقمتنا مع بعض واخر اليوم اكون نايمه فى حضنك بنفكر سوا هنعمل ايه بكرا، ولو في يوم طلبت منك حاجه فوق طاقتك طلقني وقول عليا بتاعة كلام.”
ابتلع ريقه بصعوبة، وتسارعت أنفاسه رغماً عنه.
“ابعدي يا مجنونة حد يدخل علينا.”
لكنها اقتربت أكثر، وصوتها انخفض حتى صار همسًا مشاكسًا:
“أنا أقولك عايزه اكون فى حضنك، وانت تقولي ابعدي، كفايه بقى تقل عليا يا عم حسين يا فهمي.”
رغم توتره، لم يستطع منع ابتسامة حقيقية من الظهور، رفع يديه وكوب وجهها بين كفيه، ونظر إليها بنظرة لم يعد فيها هروب، وقال بصدق كامل:
“بحبك يا مجنونة.”
اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بفرح طفولي:
“اخيرا قالها ابن…”
ثم توقفت فجأة وسألته بمرح:
“امك اسمها ايه؟”
تراجع خطوة، وعقد ذراعيه على صدره محاولًا استعادة هيبته:
“حليمة، اسمها حليمة.”
قفزت بسعادة كطفلة انتصرت أخيرًا:
“أخيرًا قالها إبن حليمة، يا خلق يا هوه همام أبن حليمة قالي بحبك.”
نهض سريعًا، ووضع يده على فمها همس بقلق:
“وطي صوتك يا مجنونة، الموظفين بره هيسمعوكي.”
تقابلت أعينهما في لحظة مشحونة، لحظة قصيرة لكنها كافية لإذابة المسافات بينهما، بدأ يخفض يده ببطء، واقترب منها أكثر، حتى كاد أن يلامس شفتيها، لكنها انتبهت فجأة، وابتعدت بخجل واضح، وقد احمر وجهها:
“ا أنا هروح اشوف شغلي بقى.”
ثم ركضت نحو الباب، وقبل أن تخرج التفتت إليه بعينين لامعتين وقالت بنبرة عاشقة:
“بحبك يا همام.”
وأغلقت الباب خلفها بسرعة.
ظل واقفًا مكانه لحظة، وقلبه يخفق بجنون لم يعرفه من قبل، ابتسم بسعادة عارمة، كأن العالم بأسره انحصر في تلك الجملة التي خرجت من بين شفتيها.
ثم عاد إلى مقعده، يحاول استعادة هدوئه، لكنه كان يعلم، أن اعترافه اليوم سيكلفه كثيرًا غدًا.
*************************
عادت الابتسامة تشرق على شفتي عهد من جديد، وكأن الغيم الذي خيم على أيامها الماضية انقشع أخيرًا، وفي الجهة الأخرى، كبر الأمل داخل قلب همام، وبدأ يرسم في خياله مستقبلًا مشرقًا يجمعهما معًا، رغم كل ما يقف في طريقهما.
خرجت عهد من باب الشركة، فوجدته يقف على جانب الطريق يلوح بيده لسيارة أجرة، ركضت نحوه بخفة، وقالت بتساؤل مرح:
“بتعمل ايه يا همام؟”
نظر إليها بمزاح خفيف وقال:
“بتشمس، هكون بعمل ايه يا ذكية بوقف حاجه أركبها علشان أروح.”
ابتسمت على كلماته وقالت بدلال مشاكس:
“يا غلس، طيب ايه رأيك انا عازمة نفسي عندكم على الغدا، يرضيك عهودة حببتك تبقى جعانة كده وتسيبها.”
تغيرت ملامحه فجأة، وظهر التوتر في عينيه، وقال بحزن خفي:
“تيجي عندنا؟ بلاش احسن يا عهد، المكان هناك شعبي ومش هيعجبك، والبيت قديم ومش حلو.”
أمسكت يده بحب، ونظرت في عينيه بثبات لا يعرف التردد:
“مافيش حاجه إسمها مش هتعجبني، مدام أنت عايش فيه أكيد هيعجبني، أي مكان يخصك، الجنة بالنسبالي يا همام، أنا وأنت واحد، شيل من دماغك أنا بنت مين، خليك عارف بس ابقى حبيبة مين!”
ارتجف قلبه لكلماتها، ونظر إليها بعشق صادق وقال:
“انتي حبيبتي، وعمري وأجمل ما فى حياتي.”
أمسكت يده وأرغمته أن يتحرك معها نحو سيارتها وهي تقول:
“طيب يلا يا حبيبي، اتفضل سوق أنت العربيه، وأنا هفضل أملي عيوني منك، لحد ما نوصل البيت.”
صعدا السيارة، وأدار همام المحرك، وانطلقت بهما نحو الحارة التي نشأ فيها، حيث الأزقة الضيقة تعج بالحياة، والأصوات المتداخلة تحمل دفء البساطة.
توقف أمام البناية القديمة، ونظر إليها بشيء من الحرج وقال:
“هو ده البيت، لو حاسه أنك مضايقة ممكن تمشي عادي.”
نظرت إليه نظرة طويلة، فيها عتاب رقيق، ثم ترجلت من السيارة دون أن ترد، واتجهت نحو محل صغير قريب، وقالت بابتسامة مشرقة:
“السلام عليكم يا عم عزوز، مش اسمك كده صح؟”
أومأ الرجل مبتسمًا:
“وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته، صح يا بنتي، ما الإسم مكتوب على اليافته أهو.”
قالت بسعادة طفولية:
“عايزة حلويات كتير.”
ثم أشارت إلى همام قائلة:
“شايف الأخ ده؟ أبقى حاسبوا عليهم بقى.”
ضحك الرجل وقال:
“إنتي تأمري يا ست البنات.”
وضعت يدها في ذراع همام وهي تهمس بمزاح:
“شخلل عشان تعدي.”
تعالت ضحكاته على كلماتها، ودفع النقود، وأخذ منه كيس الحلويات وأعطاها لها، أخذته بسعادة، وصعدوا معًا إلى الأعلى.
فتح همام الباب، فأستقبلته والدته بترحاب دافئ، ثم وقعت عيناها على عهد، فبدت الدهشة لحظة في ملامحها، قبل أن تغمرها بحضن حنون:
“منورة يا بنتي اتفضلي.”
تمسكت بها عهد بسعادة وقالت:
“إنتي ماما حليمة مش كدة؟”
أومأت بحب:
“ايوه أنا يا حبيبتي، كلمة ماما طالعه منك زي السكر.”
ابتعدت عنها بخجل:
“أنا آسفه يعني لو قولتها ليكي من غير استئذان.”
هزت رأسها رافضة:
“متتأسفيش يا حبيبتي، ده أنا حبيتها منك أوي.”
ثم أشارت لها بالدخول.
“أتفضلي يا بنتي.”
نظر همام إلى والدته بتوتر، لكنه لم يحتاج للكلام، فقد قالت له بهدوء وابتسامة مطمئنة:
“مش محتاجه أعرف دي مين، عيونك قالت كل حاجة يا حبيبي، ربنا يسعدكم يارب، أنا حبيتها وهي تستاهل الحب اللي فى قلبك ليها، أدخلها مينفعش تسيبها لوحدها، وأنا هروح أحضركم الأكل.”
قبل رأسها بامتنان، ثم دخل.
وجد عهد تقف أمام الصور المعلقة على الحائط، تتأمل تفاصيل حياته، اقترب منها وأشار قائلاً:
“دي صورة بابا الله يرحمه، ودي صورة اختي متجوزة وعايشه فى شقة صغيرة مع حماتها ومعاها ولدين.”
ابتسمت له وقالت بصدق:
“أختك، شبهك أوي، عارف، أنا بحسد كل اللي حواليك علشان عاشوا معاك كل لحظة فى عمرك.”
اقترب منها وهمس:
“وأنا عمري ابتدا وإنتي معايا يا عهد، واللي فات من عمري وإنتي مش فيه، ملهوش أي قيمة.”
ابتسمت بسعادة وقالت بدلال:
“أنا عايزة أشوف اوضك يا همام، بليز علشان خاطري.”
أشار إلى الباب المقابل، فركضت نحوه كطفلة متحمسة، دخلت الغرفة، وتأملت كل شيء فيها بإعجاب، لم تر فقرًا ولا تواضعًا، رأت همام فقط.
وقفت عند خزانة ملابسه، ثم عند عطره، تستنشق رائحته بعشق صريح، قبل أن تجلس على سريره، تمرر يدها ببطء فوق الغطاء، كأنها تشعر بوجوده.
كان يقف عند الباب، يراقبها بصمت، ويده داخل جيب بنطاله. قال أخيرًا بمزاح يخفي اضطرابه:
“ولما أتجنن دلوقتي وأدخل واقفل الباب علينا وأعمل حاجه يرفضها الدين والمجتمع هيحصل حاجه؟”
ابتسمت بثقة ناعمة:
“بس أنا واثقه فيك، وعارفه لو حصل إيه، هتحافظ عليا حتى من نفسك.”
ضغط بأسنانه على شفته السفلى وقال بنفاذ صبر:
“بت انتي ناوية تجنني، بتقيدي النار فيا بأقل مجهود منك، وبعد كده تطفيني بكلمتين منك.”
اقتربت منه وهمست:
“لو عايز تطفي ناري ونارك يبقى بالحلال، اتقدم ليا ونتجوز وسعتها نبقى نجيب عربية المطافي لينا احنا الاتنين.”
تغيرت ملامحه فجأة، وابتعد عنها إلى الخارج.
لحقت به ووضعت يدها على كتفه:
“مالك يا همام ليه اتغيرت فجأة كده.”
تكلم بصوت مثقل:
“تفتكري ابوكي هيوافق عليا؟ هيرضى بنته تعيش فى مستوى زي ده؟”
أجابته بثقة:
“طبعا هيوافق مدام أنا موافقة، ايه هيخليه يوقف قصاد سعادة بنته؟”
حرك رأسه بعدم اقتناع وقال:
“ده كلام أفلام وروايات بس يا عهد مجرد خيال، إنما الحقيقة بقى، مافيش أب هيقبل يعيش بنته حياة زي دي، خصوصًا، انها متعودة تعيش حياة ترفيهية.”
حركت رأسها بالرفض وقالت:
“لا طبعا مش خيال يا همام، وانا سبق وقلتلك، ميهمنيش الفلوس ولا المظهر ولا الحياة الترفيهية، أنا كل اللي يهمني هو أن أفضل جنبك، وبابي مدام شايف سعادتي معاك مستحيل يرفض.”
هز رأسه بعدم اقتناع، لكن صوت والدته سبقهما:
“يا حبيبي هي عندها حق، مدام صاحبة الشأن موافقة وقابلة تعيش معاك فى أي مكان، يبقى مستحيل ابوها يرفض، الفلوس مش كل حاجه، فيه السعادة وراحة البال اهم منها مليون مرة.”
اندفعت عهد نحوها تحتضنها بسعادة:
“الله عليك يا حبيب والديك، هو ده الكلام السكر من الناس السكر، بحبك يا حليمو.”
ربتت حليمة على ظهرها بحنو:
“ربنا يسعدكم يا حبيبتي ويقرب ليكم البعيد ويجمعكم على خير مع بعض.”
وقف همام ينظر إليهما، وابتسامة امتنان صادقة ترتسم على وجهه.
في تلك اللحظة، شعر أن الدنيا بأكملها قد تكون ضده، لكن وجود هاتين المرأتين في حياته كاف ليجعله يقاتل.
*************************
“الفصل الثالث”
كان يجلس خلف مكتبه الخشبي العتيق، منكفئًا فوق أوراقه، يحاول أن يغرق نفسه في تفاصيل العمل هربًا من أفكار تطارده منذ الصباح، كانت ملامحه هادئة ظاهريًا، لكن عينيه تكشفان عن توتر دفين.
قطع ذلك الهدوء صوت طرقات متتابعة على الباب، طرقات لم تكن عادية، بل حملت في حدتها شيئًا من التوجس.
رفع رأسه وقال بصوت ثابت:
“اتفضل.”
دخل السكرتير الخاص بمكتب رياض، فتجمد همام في مكانه لحظة، ونظر إليه باستغراب واضح وقال:
“انت! خير؟”
أجابه الرجل بصوت غليظ يخلو من المجاملة:
“رياض باشا عايزك فى مكتبه.”
انقبض قلبه دون أن يشعر، لكن ملامحه لم تفضحه، أومأ برأسه وقال:
“ماشي روح وأنا جاي وراك.”
خرج السكرتير، وبقي همام لحظة واقفًا مكانه، يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يهبط فوق صدره، كان يعلم أن تلك المواجهة قادمة، لكنه لم يتوقع أن تأتي بهذه السرعة، أخذ نفسًا عميقًا، شد قامته، ثم اتجه بخطوات محسوبة نحو مكتب رياض.
وقف أمام الباب، طرقه بخفة، فأتاه الصوت المألوف يأذن له بالدخول.
فتح الباب، ودلف إلى الداخل، وتكلم باحترام واضح:
“اؤمرني حضرتك.”
كان رياض يجلس خلف مكتبه، ينظر إليه نظرة طويلة فاحصة، نظرة تحمل في طياتها احتقارًا مبطنًا. ثم قال بصوت حاد:
“ادخل اقعد.”
اقترب همام وجلس على المقعد المقابل، بينما كان قلبه يدق بعنف داخل صدره، كأنما يستعد لمعركة غير متكافئة.
نهض رياض من مكانه، وسار ببطء متعمد حتى وقف أمامه مباشرة، ثم قال بنبرة مهينة:
“تاخد كام؟”
رفع همام عينيه إليه بعدم فهم، وقال متسائلًا:
“يعني ايه؟ مش فاهم حضرتك.”
عاد رياض إلى مقعده، جلس متكئًا إلى الخلف، ونظر إليه بازدراء صريح:
“يعني نقصر الطريق على بعض، أنت وقعت بنتي فيك، علشان تطلع بقرشين منها، وانا قولت اقصر الطريق عليك، واديك القرشين دول بنفسي، وتبعد عن عهد وتسيبها تشوف حياتها، البت عبيطه وفرحت بالكلمتين اللي بتغنيهم ليها.”
أطبق همام جفنيه بقوة، كأنه يحاول أن يحبس غضبه قبل أن ينفجر. كان الإهانة كصفعة على وجهه، لا لكرامته فقط، بل لحبه الصادق. ثم قال بصوت مختنق بالغضب:
“بس أنا عمري ما فكرت فى الفلوس، أنا بحب عهد وعايز اتجوزها، وهي بتحبني وموافقة تعيش معايا على قد ظروفي، ومش عايزين حاجة من فلوسك.”
ضرب رياض بيده على سطح المكتب بعنف، فاهتزت الأوراق، وقال بغضب مستعر:
“اسمها الانسه عهد، انت نسيت نفسك ولا ايه يالا، انت فاكر هتعرف تضحك عليا بالكلمتين دول، أنا ممكن اوديك وراه الشمس لو مبعدش عن عهد بنتي، بص على قدك يا حلو، واعتبر نفسك مطرود من الشغل.”
في تلك اللحظة، اشتعلت نظرات همام، ولم يعد قادرًا على كبت غضبه. نهض ببطء، واقترب منه خطوة خطوة، وقال من بين أسنانه:
“شركتك عندك، اللي خلقك خلق غيرك كتير، ربك مبينساش عباده، بس أعمل حسابك عهد مش هسيبها وهتجوزها برضاك أو غصب عنك.”
كان ذلك كافيًا ليفقد رياض أعصابه تمامًا، فاندفع نحوه، وأمسكه بقوة من عنقه، وضغط بأصابعه بعنف، وقال بتوعد مخيف:
“لو شفتك فى نفس المكان اللي فيه بنتي حتى لو صدفة، اختك وامك اترحم عليهم يا ننوس عينها.”
شعر همام بالاختناق، لكنه لم يخفض عينيه، بل نظر إليه بنظرة تحد واضحة، وقال بصعوبة:
“لو فكرت تمس شعرا واحده منهم، مش هرحمك يا رياض، فااهم.”
دفعه رياض بعيدًا بقوة، فتراجع همام خطوة، ثم استدار وغادر المكتب وأنفاسه تعلو وتهبط بعنف، بينما يغلي صدره بالوعيد.
وما إن خرج، حتى وجد عهد تقف أمامه، ملامحها يملؤها القلق والدهشة. قالت بتساؤل سريع:
“همام مالك ورايح فين كده؟”
نظر إليها بعينين مشتعلتين، وقال بغضب مكتوم:
“ماشي من هنا وحسابي مع ابوكي قريب اوي.”
تجمدت في مكانها، وقالت بعدم فهم:
“انت بتقول ايه؟ مش فاهمه منك حاجه يا همام، وبابي ماله عملك ايه؟”
دفعها جانبًا دون قصد لإيذائها، لكنه كان غارقًا في غضبه، وقال وهو يغادر:
“ابوكي عندك اسألي!”
وقفت تتابع أثره حتى اختفى عن ناظريها، وقلبها يرتجف خوفًا مما حدث. ثم تحركت بسرعة نحو مكتب والدها، ودخلت دون استئذان، وقالت بقلق:
“بابي ايه حصل بينك وبين همام معصبه كده؟”
نظر إليها ببرود قاسي وقال:
“طرده من الشركه وحسك عينك تتكلمي معاه، فاااهمه؟”
تجمعت الدموع في عينيها، وقالت برفض واضح:
“ليه يا بابي ليه؟”
هدر بها غاضبًا:
“علشان ده واحد نصاب، طمعان فى فلوسك يا متخلفة، وانتي زي العبيطه ماشية وراه، ورفضي ابن فريد علشانه.”
هزت رأسها نفيًا، والدموع تنهمر على وجنتيها، وقالت بين شهقاتها:
“لا يا بابي همام مش نصاب، أنا وهو بنحب بعض، وانا واثقه فيه ومستحيل اكون لغيره، ارجوك يا بابي ابوس ايدك وافق اننا نتجوز أنا سعادتي معاه هو.”
كان عناده أصلب من رجائها، فقال بتحذير صارم:
“عهد، انا قلتلك مستحيل ده يحصل، الولد ده لو مبعديش عنه أنا هحبسه، وهشرد أهله كلهم.”
شهقت بألم حقيقي، وقالت متوسلة:
“ليه يا بابي، انا بحب همام ومش هقدر اشوف نفسي مع غيره، انت عايز تقف ليه فى طريق سعادتي، أنا متأكدة أن هو بيحبني بجد، وانه مش طمعان فينا زي ما بتقول.”
ضغط على أسنانه وقال ببرود قاسي:
“انا قلتلك اللي عندي يا عهد، لو فكرتي تقربي من الولد ده هحبسه، وجربي تستهتري بكلامي.”
لم تعد قادرة على الوقوف أمامه. شعرت أن الأرض تميد بها. خرجت من المكتب راكضة، والدموع تحجب عنها الرؤية. هبطت الدرج بسرعة تكاد تسقطها، ثم صعدت إلى سيارتها، وأدارت المحرك بيد مرتجفة، وانطلقت بها بسرعة جنونية، كأنها تحاول أن تهرب من قدر يطاردها بلا رحمة.
************************
جلس همام على أحد المقاعد الحديدية المنتشرة على جانب الطريق، كأنما احتمى بها من صخب العالم وضجيجه، كان الشارع يعج بالمارة والسيارات، إلا أنه لم يكن يرى شيئًا مما حوله، عيناه مثبتتان أمامه، لكن روحه كانت غارقة في كلمات قاسية ما زالت تتردد في أذنه، كلمات رياض التي جرحت كرامته قبل قلبه.
شعر بمرارة لم يختبرها من قبل. لم يكن الألم فقط في الإهانة، بل في شعوره بالعجز. لام القدر، لام الفقر، لام الظروف التي جعلته يقف في مواجهة رجل يملك المال والنفوذ بينما لا يملك هو سوى قلب يحب بصدق، تملكه إحساس بالتمرد على كل شيء، وكاد يفقد اتزانه من شدة الغليان داخله.
في تلك اللحظة، أعلن هاتفه عن اتصال وارد.
نظر إلى الشاشة، فظهر اسمها، “عهد”.
تأمل الاسم طويلًا، كأنما يستمد منه قوة أو يودعه بصمت. ثم ضغط على زر الاستجابة، وتكلم بصوت مختنق:
“ايوه يا عهد.”
جاءه صوتها مبللًا بالدموع:
“انت فين يا همام عايزة اشوفك؟”
أغمض عينيه لحظة، يحاول أن يسيطر على ارتجافة صوته، ثم قال بصعوبة:
“سبيني دلوقتي يا عهد، عايز ابقى لوحدي شوية.”
لكنها لم تستسلم، وجاءه صوتها متوسلًا:
“ارجوك يا همام أنا محتاجك.”
زفر بضيق، فضعفه أمام احتياجها كان أقوى من غضبه، وأخبرها بمكانه ثم أغلق الخط، وأعاد رأسه إلى الخلف متكئًا على المقعد، ينتظر قدومها بقلب مثقل.
لم تمضي دقائق حتى توقفت سيارة أمامه. ترجلت منها عهد بسرعة، كأنما تخشى أن يختفي إن تأخرت لحظة. اقتربت منه، وجلست بجواره دون تردد، ثم أمسكت يده بين كفيها وتكلمت بأسف صادق:
“أنا اسفه يا همام، علشان اللي عمله معاك بابي، أنا بحبك ومستحيل أفرط فيك مهما حصل، أنا واثقه فيك، حتى لو شوفت بعيوني مش هصدقهم.”
نظر إليها، وفي عينيه انكسار موجع، وقال بصوت يحمل مرارة الواقع:
“المشكله ان هو معاه حق يا عهد، انا كنت عارف أنه هيرفض وهيشوفني طمعان فى فلوسكم، اصل من المنطق ايه هيخلي بنت جميلة وغنية تحب واحد زي حالتي غير لو أنا واحد بتاع ورقتين وشاطر علشان عرفت اوقعك فى حبي.”
وضعت يدها على وجنته، وأجبرته أن ينظر في عينيها، وقالت بعشق صاف:
“متقولش على نفسك كده يا همام، علشان أنا، واثقه فيك لابعد الحدود، عارفه انك بتحبني زي ما أنا بحبك واكتر، وان الفلوس اخر همك، وأنا هفضل متمسكه بيك لآخر لحظة فى عمري.”
ارتجف صوته وهو يرد عليها:
“مش هتقدري تستحملي العيشه بتاعتي.”
هزت رأسها بابتسامة دافئة وقالت:
“لو هتأكلني لقمة حاف بملح أنا قابلة المهم نبقى سوا.”
ابتسم بحزن، وقال بنبرة منكسرة:
“بلاش تفرحي بحلاوة البدايات يا عهد، شوية وهتزهقي وهتشتاقي لعيشتك القديمة، إذا كان احنا واللي مفروض علينا الفقر عافيه مش طايقنه انتي يا بنت الحسب والنسب هتستحمليه؟”
أجابته بثقة لا تعرف التردد:
“اه هستحمله وهحبه كمان، مدام هكون معاك وفى حضنك.”
اقتربت منه أكثر، حتى لامست أنفاسها وجهه، وقالت بهمس حار:
“بحبك يا همام، وده بالنسبالي أهم بكتير من الفلوس.”
تنهد بحب، لكنه ما زال أسير خوفه، وقال بنفاذ صبر ممزوج بالقلق:
“يا بنتي بقى انزلي على أرض الواقع، مش منطقي، انك تسيبي كل حاجه علشاني، والله ما هتستحملي.”
نظرت إليه بعناد عاشق وقالت:
“جربني ومش هتندم.”
انفلتت منه ضحكة رغماً عنه، وقال بمزاح خفيف يهرب به من ثقل اللحظة:
“اجربك ايه يا بنتي هو انتي أنبوبة؟”
وضعت رأسها على كتفه، وابتسمت بخفة محببة:
“لا انا بوتجاز، وخمسه شعلة كمان، ولو مأكلتنيش دلوقتي حالاً، هفرقع فى وشك.”
ضحك من قلبه لأول مرة منذ ساعات، وانحنى يقبل رأسها بحب صادق، كأنما وجد في وجودها ملاذًا من قسوة العالم. ثم استقام، وأمسك يدها بقوة دافئة، وتحركا معًا نحو أحد المطاعم القريبة، يمشيان جنبًا إلى جنب، وكأنهما يتحديان الدنيا بأكملها بخطوات صغيرة، لكنها ثابتة.
************************
مرت عدة أيام ثقيلة، ازدادت فيها علاقة همام وعهد عمقًا وتشبثًا، كأن كلًا منهما يحاول أن يعوض الآخر عن قسوة العالم، كان همام يخرج كل صباح باحثًا عن عمل جديد، يحمل أوراقه وقلبه المثقل بالأمل، غير أن الأبواب كانت تغلق في وجهه واحد تلو الآخر.
لم يكن يجهل السبب، نفوذ رياض سبق خطواته، وكلمته وصلت إلى كل شركة قد يقصدها، فتحول اسمه في سوق العمل إلى ظل مرفوض.
ومع كل خيبة يعود بها، كانت عهد تستقبله بابتسامتها، تخفف عنه، تمازحه، تلقي على قلبه ضحكاتها كأنها تضمد جراحه بصوتها.
لكن العاصفة كانت تدبر في الخفاء.
في صباح لم يشرق بنور حقيقي، استيقظت عهد على صوت باب غرفتها يفتح بعنف، انتفضت من فراشها، لتجد والدها يقف أمامها، وملامحه مشدودة بالغضب.
ألقى على وجهها مجموعة من الأوراق، فتساقطت فوقها كأوراق اتهام ثقيلة، وقال بنبرة صارمة:
“هو ده اللي بتحبيه ومتمسكه بي؟ مش قلتلك ده واحد نصاب وطمعان فيكي، البيه مختلس فلوس من خزنة الشركة، واكتشفها المحاسب الجديد النهاردة.”
اتسعت عيناها بصدمة خالصة، وأخذت تهز رأسها نفيًا وهي تقول بدموع مرتجفة:
“مستحيل! همام مش نصاب ولا حرامي يا بابي، أنا متأكدة أنه معملش كده.”
صرخ بها بغضب لم يترك مجالًا للهدوء:
“عندك الاوراق اهي فيها اللي يثبت كلامي، بصي عليهم.”
أمسكت الأوراق بيد ترتجف، وعيناها تسبحان بين السطور دون أن تستوعب شيئًا. كانت الكلمات تتراقص أمامها، لكنها لم تر سوى صورة همام في مخيلتها.
الدموع انسابت على وجنتيها وهي تكرر بانكسار:
“كدب محصلش، همام مش حرامي.”
قال ببرود قاسي:
“مش مشكلتي تصدقي ولا متصدقيش الاوراق دي المحامي هيقدمها لشرطة وهيروح لمكانه اللي يستاهله.”
نهضت مسرعة، وأمسكت بيده ترجوه:
“لا لا، ابوس ايدك يا بابي متعملش كده، أنا متأكده أن فيه حاجه غلط، همام مستحيل يعمل كده، وحياتي عندك.”
نفض يدها بعنف وقال:
“ابعدي، متفكريش أن هتأثر بالشويتين دول.”
ثم خرج، تاركًا خلفه صمتًا يصرخ في قلبها.
لم تمكث لحظة واحدة. بدلت ملابسها بسرعة، وضعت الأوراق في حقيبتها، وانطلقت بسيارتها بسرعة تكاد تسابق نبضات قلبها.
وقفت أسفل البناية، ترجلت وصعدت الدرج بخطوات متعثرة. طرقت الباب، ففتحت لها حليمة، التي لم تمهلها فرصة للسؤال، إذ دخلت مسرعة نحو غرفة همام.
كان مازال نائمًا، وجهه هادئ على غير عادة الأيام الماضية. جلست بجواره على السرير، نظرت إليه بدموع حائرة، ثم ربتت على ظهره وقالت بصوت مختنق:
“همام يا همام اصحى.”
فتح عينيه باستغراب، وما إن رآها حتى جلس سريعًا وقال بدهشة:
“عهد! انتي بتعملي أيه فى اوضي دلوقتي؟”
أخذت نفسًا عميقًا بصعوبة، وأخرجت الأوراق من حقيبتها وقالت:
“خد بص على الورق ده كده.”
اعتدل في جلسته، أخذ الأوراق، وبدأ يقرأ. ومع كل سطر، كانت عيناه تتسعان في صمت مذهول.
رفع رأسه إليها بغضب ممزوج بالقهر وقال:
“محصلش والله العظيم ما حصل، أنا عمري ما امد ايدي على فلوس مش بتاعتي.”
تكلمت من بين شهقاتها:
“بس الورق بيقول عكس كلامك يا همام.”
نظر إليها بوجع عميق، وقال بصوت مكسور:
“انتي مصدقة الكلام ده يا عهد؟”
هزت رأسها سريعًا:
“لا طبعا يا همام، بس انا خايفه عليك بابي مصمم يقدم المستندات دي لشرطة.”
ظل ينظر إليها طويلًا، وكأنه يفتش في عينيها عن يقين يطمئنه، ثم قال بألم:
“بس نظرة عيونك بتقول غير كده يا عهد، انتي مصدقة أن انا حرامي مختلس؟!”
أبعدت نظرها لحظة، فسبقه صوته وهو يقول:
“تعرفي أن نظرت الشك اللي فى عيونك ليا دي كسرتني يا عهد.”
أمسكت وجهه بين كفيها وقالت بعشق صادق:
“لا عاش ولا كان اللي يكسرك يا همام، أنا سبق وقلتلك حتى لو شفتك بتعمل كده بعيوني هكدبهم واصدقك، انت حاجه كبيره اوي فى نظري، أنا بس خايفه عليك، بابي مش هيسكت، أنا متأكدة أن المحاسب الجديد ده هو اللي عمل كده ولبسها ليك، وانا مش هسكت غير لما اكشف الحقيقه.”
نظر إليها بعينين منكسرتين وقال:
“مش عايز ابهدلك معايا يا عهد، أمشي وانسيني وعيشي حياتك مع اللي يستحقك.”
صرخت بانهيار:
“محدش يستحقني غيرك يا همام، انت حياتي ودنيتي كلها.”
وفي تلك اللحظة، دوى طرق قوي على الباب، طرق لم يكن غريبًا على مسامع همام.
تجمد للحظة، ثم نظر إليها وقال بصوت مختنق:
“أمشي يا عهد علشان خاطري، مش عايزك تشوفيني وانا كده.”
لكن الباب فتح، ودخل رجال الشرطة.
تقدموا نحوه، وأمسكوا به، وأرغموه على التحرك معهم.
كانت نظراتهما معلقة ببعضهما، كأن العالم اختفى ولم يبقى سواهما.
دموعه توقفت داخل عينيه، تأبى السقوط حفاظًا على كرامته،
بينما دموعها انهمرت كشلال لا يتوقف.
خرج به من الباب، وقلبها ينتزع من صدرها مع كل خطوة يبتعد بها عنها.
*************************
“الفصل الرابع”
وصلت عهد إلى المنزل مكسورة الروح، كأن الطريق ابتلع منها ما تبقى من قوتها، كانت خطواتها متعثرة، ودموعها تنساب على وجنتيها بلا توقف، لا تمسحها ولا تحاول إخفاءها، وكأنها تترك للحزن حرية أن يعلن عن نفسه.
كانت خيبة الأمل تركض خلفها كظل ثقيل، تطارد أنفاسها، تخنق صدرها.
دفعت باب المنزل ودخلت، لتجده جالسًا في مكانه المعتاد، مستقيم الظهر، جامد الملامح، وكأن شيئًا لم يحدث.
لم يبد عليه أثر قلق، ولا حتى انزعاج.
رجل قرر، فانتهى الأمر بالنسبة له.
اقتربت منه بخطوات مترددة، وانحنت قليلًا أمامه، وصوتها يرتجف تحت وطأة الرجاء:
“بترجاك يا بابي ساعد همام، هو مظلوم أنا متأكدة، ابوس ايدك.”
رفع عينيه إليها ببرود قاسي، وكأن كلماتها لا تعنيه، ثم قال بنبرة آمرة لا تحمل سوى الحسم:
“اعملي حسابك خطوبتك بكرة على أسر فريد الهواري.”
شعرت وكأن صفعة غير مرئية هوت على وجهها.
هزت رأسها بسرعة، بعناد ممزوج بالخوف، وصوتها يخرج مختنقًا من بين دموعها:
“أنا قولتلك مش موافقة عليه يا بابي، أنا مستحيل اكون مع حد تاني غير همام.”
استقام بجسده فجأة، ونظرة السيطرة تلمع في عينيه، وقال بصوت لا يقبل الجدال:
“وانا قولت خطوبتك بكره ورجلك فوق رقبتك.”
تكسر شيء بداخلها عند تلك الكلمات.
ارتفع صوتها، لا قوة فيه، بل وجع يمزق الحروف:
“أنا مش عايزاه يا بابي، مش هقدر اكون مع أي راجل غيره.”
وفجأة، مد يده وأمسكها من شعرها بعنف أوجع فروة رأسها، فشهقت من الألم، بينما هو يضغط أكثر، وصوته يخرج غاضبًا، مشحونًا بالشك والغيرة والسلطة:
“ليه مش هينفع عمل معاكي ايه بالظبط؟ انطقي.”
لم يكن الألم في قبضته فقط،
بل في اتهامه.
دموعها ازدادت، لكنها رفعت عينيها إليه، والصدق يرتجف في نبرتها:
“معملش معايا حاجه والله العظيم، همام كان بيخاف عليا حتى من نفسه، وعلشان كده حبيته يا بابي، حبيت شهمته، أنت لو عرفت همام هتحبه صدقني والله.”
ازدادت قبضته قسوة، كأنه يريد أن يقتلع اسم همام من جذوره داخلها، وقال بتحذير بارد:
“الواد ده تنسي، كده كده مش هيخرج من الحبس دلوقتي خالص، وانتي هتتجوزي أسر الهواري، فااااهمه.”
كانت كلماته الأخيرة كالحكم النهائي.
ثم دفعها بقوة، فسقطت أرضًا، ارتطم جسدها بالأرض الباردة، وبقيت لثواني لا تتحرك، ليس من شدة الألم، بل من ثقل الحقيقة التي ألقيت عليها.
رفعت رأسها ببطء، تنظر إليه بعينين يغمرهما الانكسار.
لم تعد ترى أباها، بل رجلًا غريبًا، يختار المال على قلب ابنته.
نهضت بصعوبة، كأن جسدها صار أثقل من قدرتها على حمله، واتجهت نحو الدرج بخطوات بطيئة.
كل درجة تصعدها كانت كأنها تبتعد أكثر عن طفولتها، عن أمانها القديم.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، مستندة إليه للحظة، تحدق في الفراغ أمامها، في الجدران التي شهدت أحلامها الصغيرة.
ثانية واحدة فقط حاولت فيها أن تتماسك، ثم انهارت، انفجرت دموعها، وسقطت أرضًا، تحتضن نفسها، واسم همام يخرج من بين شهقاتها الممزقة، كأنه النجاة الوحيدة في بحر يغرقها.
“همام.”
لم يكن نداء بصوت عالي، بل كان استغاثة روح.
***********************
داخل القضبان الحديدية، جلس همام على الأرض، يضم قدميه إلى صدره كمن يحاول أن يحتمي من العالم بجسده فقط، أسند رأسه عليهما، وعيناه معلقتان بفراغ لا ينتهي.
كان السجن حوله صاخبًا بأصوات متداخلة، لكن داخله كان أشد ضجيجًا.
صور تتلاحق دون رحمة، ضحكة عهد، ارتعاشة صوتها حين تناديه باسمه.
نظرة عينيها وهي تراه يقتاد بين رجال الشرطة.
تلك النظرة، المكسورة، المصدومة، التي ظلت عالقة في صدره ك..سكي..ن بارد.
ارتفعت أنفاسه، ثقيلة، متقطعة.
أغمض عينيه سريعًا، كأنه يخشى أن تخونه دمعة، أن تسقط رغمًا عنه، أن تفضحه أمام ذاته قبل الآخرين.
كتمها بقسوة، فهو لم يبقى له سوى كبريائه.
زفر تنهيدة حارة خرجت من أعماقه، كأنها تحمل وجع عمر كامل، وفي تلك اللحظة اخترق سكونه صوت خشن:
“الحلو بقى جاي هنا في أيه؟ مخد..رات ولا سرقة ولا حاجة تانيه؟”
فتح عينيه ببطء، ورفع رأسه باتجاه الصوت.
نظر إلى الرجل بضيق صامت، عينان فارغتان من الخوف، ممتلئتان فقط بالاحتقار، لم يرد، وفجأة جاءت الركلة قاسية في جانبه، تبعها صوت غاضب يهدر:
“لما اكلمك ترد عليا يا روح أمك.”
اشتعل شيء بداخله، لم يكن خوفًا، بل غضبًا نابعًا من خسارته لكل شيء.
نهض بسرعة، وكأن الألم أعاد إليه الحياة للحظة، ولكمه في وجهه وهو يصيح:
“انت مجنون! ابعد عني احسنلك، أنا واحد خسران كل حاجه، ومش باقي على الدنيا فى حاجه.”
تجمد المكان لثانية، ثم انفجر.
أمسكه الرجل من عنقه بعنف، وأصابعه تضغط حتى كادت تقطع أنفاسه، وقال بنبرة شرسة:
“مدام مش باقي على الدنيا، أنا بقى حققلك امنتيك وهخرجك منها.”
لم تكن مجرد كلمات، كانت إعلان حرب.
في لحظة، التف الرجال حوله.
قبضات تتساقط، أقدام تركله.
أصوات سباب وضحكات خشنة تمزق الهواء.
قاوم في البداية، ضرب بيديه، حاول أن يبعدهم، لكنهم كانوا أكثر، وأقسى.
كل ضربة كانت تسحب منه نفسًا.
كل ركلة كانت تسقط جزءًا من قوته.
حتى خارت قواه أخيرًا، وسقط جسده على الأرض، يتلقى الضرب بلا دفاع.
سال الدم من جبينه، خطًا داكنًا فوق الأرض الإسمنتية الباردة.
كان الألم يضرب جسده، لكن داخله كان في مكان آخر.
بين الفوضى والضجيج، وسط العتمة التي بدأت تزحف إلى وعيه، ظهرت صورتها أمام عينيه، عهد، كما كانت تبتسم له.
كما كانت تنظر إليه بثقة لا تتزعزع.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة، بالكاد ترى.
كأن آخر ما أراد أن يحمله معه قبل أن يغيب، هو ملامحها.
ثم أغمض عينيه، وسقط في العتمة.
************************
في اليوم التالي…
لم يكن استيقاظًا طبيعيًا، كان انتزاعًا قاسيًا من حلم لم يكتمل.
فتحت عهد عينيها فجأة، وكأن أحدهم ناداها باسمها في الظلام.
ثواني قليلة ظلت تحدق في سقف غرفتها، لا تتحرك، تحاول أن تتذكر أين هي، وماذا ينتظرها.
ثم عادت الحقيقة دفعة واحدة.
اليوم، خطبتها، شعرت بأن صدرها يضيق حتى كاد يؤلمها.
جلست ببطء فوق فراشها، وأسندت ظهرها إلى الوسادة، ورفعت يدها تمررها في شعرها بعصبية، تدفعه إلى الخلف كأنها تحاول أن تزيح الفكرة معه، خاتم، في إصبعها، باسم رجل آخر.
همام لم يفارق ذهنها منذ أغلق عليه باب السجن، وصوته، ونظرته الأخيرة، ووجعه الصامت، كلهم هنا، داخل صدرها.
حركت رأسها بعنف، وكأنها ترفض المشهد كله.
“لا، لا.”
همست بها لنفسها، ثم ألقت الغطاء بعيدًا ونهضت دفعة واحدة، كانت خطواتها سريعة، غير متزنة، كأنها تسابق شيئًا ما، أو تهرب منه.
ارتدت ملابسها دون اهتمام بما ترتديه، لم تنظر في المرآة، لم تفكر في شكلها.
كل ما كان يدور في رأسها فكرة واحدة:
يجب أن تخرج، الآن.
نزلت الدرج بسرعة، ويدها ترتعش قليلًا وهي تمتد إلى مقبض الباب.
فتحت الباب بثقة مصطنعة، لكن جسدها تجمد في مكانه.
أجساد ضخمة تقف أمام المدخل، رجال بملامح جامدة، أعينهم مستقيمة لا تنحرف.
كانوا يقفون كجدار بشري، لا يفسح مجالًا حتى لنسمة هواء.
رفعت رأسها ببطء، والغضب يشتعل في عينيها:
“انتوا مين؟ وبتعملوا ايه هنا؟”
أجابها أحدهم بصوت غليظ، خالي من أي تعبير:
“احنا الحرس الشخصي لحضرتك يا فندم، ورياض باشا قالنا انك ممنوعه من الخروج النهاردة.”
في تلك اللحظة فهمت، لم يكن منزلها، كان قفصًا.
اتسعت عيناها بذهول، ثم تحول الذهول إلى غضب مشتعل، تقدمت خطوة للأمام، كأنها ستشق طريقها بالقوة:
“ابعدوا من سكتي أنا هخرج يعني هخرج.”
لم يتحرك أحد، رد الحارس بهدوء مدروس، لكن خلفه تهديد واضح:
“احنا عندنا أوامر بمنعك من الخروج بأي طريقه، حتى لو هنكتفك، ياريت حضرتك تسمعي الكلام، وتتفضلي تدخلي جوة، علشان منستعملش العنف معاكي.”
العنف، الكلمة سقطت على أذنها كإهانة.
هي ابنته، وليست مجرمة.
نظرت إليهم بنظرة طويلة، مختلطة بين الاحتقار والعجز.
كانت تعرف أنها لن تستطيع تجاوزهم.
ولو حاولت، سيحولون الأمر إلى مشهد مهين آخر.
ضغطت على أسنانها حتى شعرت بألم في فكها، ثم دفعت الباب بقوة، أغلقته بعنف ارتج له المكان.
استدارت إلى الداخل، وخطواتها هذه المرة بطيئة، ثقيلة.
جلست على المقعد القريب، ويديها تسقطان على جانبيها، حدقت أمامها طويلًا.
أدركت فجأة أنها لم تعد تجبر فقط على الخطوبة، بل تمنع حتى من الاعتراض، حبها محاصر، حريتها محاصرة، وصوتها، محاصر.
رفعت يديها إلى وجهها، كأنها تحاول أن تلتقط أنفاسها، ثم أنزلتهما ببطء، لا، لن تبكي الآن، البكاء لن يفتح الباب.
بدأ عقلها يعمل بسرعة.
تنظر حولها، النوافذ؟ الهاتف؟ الخدم؟
أي ثغرة صغيرة يمكن أن تتحول إلى فرصة.
لمعت في عينيها نظرة مختلفة.
لم تعد نظرة فتاة تبكي، بل نظرة فتاة تبحث عن خطة.
إن كانوا يظنون أنها ستسير إلى مصيرها مطأطئة الرأس، فهم لا يعرفونها جيدًا.
***********************
جلس رياض خلف مكتبه العريض، وأصابعه تتشابك فوق سطحه المصقول، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ليست ابتسامة سعادة، بل ابتسامة رجل يشعر أن الخيوط كلها في يده.
كان في داخله إحساس لاذع بلذة الانتصار.
رفع عينيه نحو الشاب الجالس أمامه في استرخاء متعمد، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وكأن الأمر كله صفقة عادية لا أكثر.
قال رياض بنبرة افتخار خافتة، لكنها محملة بالشماتة:
“اهو الولد عرفنا نحبسه وكمان اخد علقة موت فى الحبس، وده هيكسر نفسه ويخليه يحرم يبص لفوق تاني.”
لم يتغير تعبير أسر، بل تحركت شفتيه بابتسامة ساخرة قبل أن يقول ببرود:
“اصلا الولد ده كان اخر همي، مش شغلني لانه شبه الصرصار سهل اوي افعصه بجزمتي، أنا بس اللي شاغلني هي عهد، بفكر احببها فيا ازاي.”
نهض رياض من مقعده ببطء، ودار حول المكتب كأنما يشرح خطة استثمار، لا خطة للسيطرة على قلب ابنته، قال بنبرة لئيمة محسوبة:
“سيب ايدك شويتين تلاته، هاتلها هدايا غالية، سفرها اسبوع برة، خليك قصاد عينيها على طول، بلاش تديها فرصة تفكر فى الولد ده، وانا واثق أنها يومين بالكتير وهتنسى وتحبك انت.”
كان يتحدث عنها كأنها مشروع يحتاج إدارة جيدة.
رفع أسر حاجبه بسخرية خفيفة، وقال بتهكم واضح:
“اسيب جيبي اكتر من كده ايه يا رياض باشا، أنا دافع ليك مبلغ وقدرة، علشان تسد بي ديون الشركة بتاعتك، وكمان حاطط مبلغ معتبر ليك فى البنك بأسمك، وجايب ليها شبكة الماظ بشئ وشويات، مافيش حد بيعمل كده غير الا وهو شاري، وانا بنتك عجبتني من يوم العزومة ودخلت دماغي ومن وقتها وانا أقسمت أنها هتكون ليا.”
لحظة صمت قصيرة مرت بينهما.
صمت لا يحمل ودا، بل حسابات.
نظر له رياض بضيق خفي، فأسلوب أسر المستفز لم يكن يعجبه، لكنه يحتاجه.
قال ببرود أثقل:
“ما أنا بساعدك اهو علشان تتجوزها، وخليت المحاسب الجديد يظبط ورق الاختلاس علشان ابعد الولد ده عن طريقكم، وجيت على قلب بنتي وكسرته، مقابل مساعدتك ليا، يبقى خالصين يا ابن فريد الهواري.”
الجملة الأخيرة خرجت ببطء، كعقد يقرأ بصوت مسموع.
ابتسم أسر ابتسامة جانبية ملؤها اللؤم، وقال:
“عندك حق وهنشوف بنتك تستاهل بعد كل ده، ولا رميت فلوسي على الأرض.”
لم تعجبه النبرة، لكن المال يجعل الرجل يتجاهل ما يكره.
نهض أسر، عدل سترته، وتوجه نحو الباب بخطوات واثقة، وقال قبل أن يخرج:
“نتقابل بليل يا رياض باشا، سلام.”
أُغلق الباب خلفه بهدوء، ساد المكتب صمت ثقيل.
تحولت ملامح رياض ببطء، زال القناع المهذب، وظهرت نظرة جشع خالصة في عينيه.
نظر نحو الباب الذي خرج منه أسر، وقال بصوت خفيض مشبع بالطمع:
“ده انت كنز واتحدف عليا، اجوزك بس البنت وبعد كده أخد كل اللي انا عايزة منك.”
عاد إلى مقعده، وفتح أحد الملفات أمامه، وكأن ما حدث منذ لحظات مجرد بند ضمن جدول أعماله.
لا حب، لا أبوة، لا ندم، فقط صفقة.
************************
عند همام…
تحرك رأسه ببطء شديد، وكأن عنقه يحمل ثقل جبل.
ألم حاد انساب في جسده كله مع أبسط حركة، فأن بصوت خافت لم يسمعه أحد سواه.
فتح عينيه بصعوبة، ورمشه ثقيل، والرؤية ضبابية للحظات.
أدار عينيه حوله بارتباك، جدران بيضاء، رائحة مطهر قوية، صوت أجهزة منتظم يخترق الصمت.
الذاكرة عادت دفعة واحدة.
الزنزانة، الضرب، الدم، صورتها.
رأى ممرضًا يمر بجواره، فمد يده بتعب، وأمسك بطرف ثوبه بصعوبة، وصوته بالكاد يخرج:
“أنا فين دلوقتي؟”
نظر إليه الممرض بنظرة سريعة، وقال بنبرة جافة عملية:
“فى المستشفى العسكري.”
ثم حرر يده ومضى، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من الألم.
أغلق همام عينيه مجددًا.
لم يكن الألم الجسدي هو ما يقت..له،
بل الإهانة، العجز، والفكرة التي تنهش صدره: أنه أصبح بلا شيء.
زفر ببطء، يحاول أن يهدأ، لكن قلبه فجأة تسارع، شعور غريب تسلل إليه.
فتح عينيه بسرعة، كأن أحدًا نداه باسمه.
“عهد؟”
لكن الغرفة كانت فارغة.
لا شيء سوى صدى الأجهزة.
ابتسم بسخرية من نفسه.
كيف تخيل أنها ستأتي؟
أدار وجهه نحو النافذة، يحاول أن يقت..ل الأمل داخله، لكن فجأة، سمع صوتًا يعرفه جيدًا.
“مين اللي عمل فيك كده؟”
تجمد قلبه، التفت نحو الباب ببطء، وكانت هناك.
تقف عند العتبة، عيناها ممتلئتان بالقلق والخوف، وكأنها تحمل وجعه فوق كتفيها.
اقتربت منه بخطوات حذرة، كأنها تخشى أن تلمسه فينكسر أكثر.
قال بصوت ضعيف، لكنه ممتلئ بشيء يشبه الحنين:
“الزمن هو اللي عمل فيا كده يا عهد، أنا اللى وجعني اكتر بعدك عني يا نور عيوني.”
جلست بجواره فورًا، دون تفكير، وأمسكت يده بحنان، كأنها تطمئنه أنها هنا، وأنها لم تتركه.
قالت بنبرة عاشقة صادقة:
“أنا الموت عندي اهون من أن ابعد عنك يا همام، انت عارف أنا عملت ايه علشان اعرف اجيلك دلوقتي؟”
نظر لها بدهشة، الألم اختلط بالقلق في عينيه:
“ليه هو مانع خروجك؟”
أومأت برأسها بحزن، وهمست:
“ايوه ومعين حراسة عليا بس انا علشانك مستعدة اعمل اي حاجه، خليت الدادة تساعدني وخرجت معاها على أن بنتها ولبست النقاب لان بنتها منتقبه.”
رغم الألم، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة:
“مجنونة واتوقع منك أي حاجه.”
انحنت وقبلت يده بحب، ثم نظرت إليه بعينين تلمعان بالدموع:
“أنا بحبك يا همام، وحبك هو اللي بيقويني، علشان كده مستعدة اهد الدنيا كلها علشان خاطرك.”
رفع يدها ببطء، رغم الألم، وقبلها هو الآخر، وقال بصوت ممتلئ بالعشق:
“وانا بعشقك، ومستعد ارمي نفسي فى النار علشان أحميكي يا نن عيوني.”
مدت يدها تتحسس الجروح على وجهه برفق، وكأن لمستها بلسم:
“قطع ايديهم اللي مدوها عليك، شد حيلك، وكسرهم كلهم، أنا واثقه أن حبيبي سوبر هيرو.”
ضحك بخفة رغم الألم، وقال:
“بعشقك وبعشق خفة دمك.”
لكن ابتسامته خفتت قليلًا، وتوترت ملامحه، ثم قال:
“عهد ممكن اطلب منك طلب؟”
أومأت سريعًا، بلا تردد:
“طبعا يا حبيبي اؤمرني.”
قال بنبرة مختنقة، وكأن الكلمات ثقيلة على قلبه:
“أمي أبقى أطمني عليها، زمانها حزينه وبتعيط علشاني، ومش هتقدر تيجي ليا لانها مش بتقدر تنزل السلم ولا تطلعه من رجليها، واختي صعب تيجي علشان عيالها وجوزها مش هيرضى يدخلها قسم شرطة، انتي هتكوني، حلقة الوصل بينا.”
ترددت لحظة، الخوف مر في عينيها، لكنها ابتسمت رغم ذلك:
“هحاول، المشكله لو بابي شم خبر أن خرجت من وراه مش هيعديها بالساهل، بس متقلقش مش هغلب يعني، اهم حاجه خلي بالك على نفسك علشان خاطري.”
نظر إليها بحب خالص، وقال:
“خاطرك غالي عندي يا عهد، حاضر هخلي بالي على نفسي، وانتي كمان خلي بالك على نفسك يا عمري.”
وقفت ببطء، وكأنها تجبر نفسها على الابتعاد، وقالت بصوت مبحوح:
“أنا لازم امشي بقى هجيلك تاني، ومش هسكت غير لما اوصل للحقيقة واخرجك من هنا.”
أومأ لها، وعيناه تمتلئان قلقًا عليها:
“ماشي يا حبيبتي، اوعي تعرضي نفسك للخطر يا عهد!”
لم تجبه بالكلمات.
اكتفت بابتسامة عاشقة، ثم انحنت فجأة وقبلته على خده قبلة سريعة أربكته، قبل أن تركض نحو الباب وتغادر.
ظل ينظر إلى الباب بعد خروجها، وكأن جزءًا من روحه خرج معها.
رفع يده ببطء إلى مكان القبلة، وأغمض عينيه، واستقرت على وجهه ابتسامة هادئة.
لأول مرة منذ دخوله هذا الجحيم، شعر أنه ليس وحده.
*************************
“الفصل الخامس”
وصلت عهد إلى الفيلا بعد أن اطمأنت على حليمة، والدة همام.
قلبها كان مثقلًا، لكن فيه بصيص راحة لأنها رأته حيًا.
تحركت بحذر شديد من الباب الخلفي، تتلفت حولها كمن يرتكب جر..يمة، تعبر الحديقة بخطوات خفيفة، تحاول ألا تحدث صوتًا.
دفعت الباب الزجاجي ببطء، وتجمدت.
كان يجلس على الأريكة، ظهره مستقيم، يضم أصابعه أمامه، وعيناه مثبتتان عليها منذ اللحظة التي دخلت فيها.
لم يكن غاضبًا بالصورة المتوقعة.
كان هادئًا، وهدوءه أخطر.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وصوتها خرج متقطعًا:
“ب بابي، ا انت رجعت بدري ليه؟”
نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء حذر:
“شوفتي واطمنتي عليه؟”
توقف قلبها لثانية.
اتسعت عيناها، وارتبكت:
“ها…ه هو مين؟”
استقام فجأة، والغضب بدأ يتسلل إلى ملامحه، واقترب منها خطوة خطوة:
“أنا مش مانع خروجك؟ ازاي تتجرئ وتكسري كلمتي، عموما أنا لما جاتلي المكالمة من رجالتي اللي واقفين هناك، قولتلهم يسبوكي تطلعي ليه عارفه ليه؟ علشان تشوفي بعينك أنا عملت فيه ايه، ولو مبعديش عنه المرة الجايه هخلص عليه.”
تراجعت خطوة للخلف، وجهها شحب، وصوتها خرج مذهولًا:
“ت تقصد ايه؟ ا انت اللي عملت كده فى همام؟”
انفجر صوته هذه المرة، دون قناع:
“ايوه انا، ومش بس كده لا انا اللي حبسته، ولو مبعديش عنه هق..تله هو وأهله يا عهد.”
سقطت الكلمات عليها كرصاص بارد.
هزت رأسها بعدم تصديق، والدموع بدأت تتجمع في عينيها:
“لا لا مستحيل تعمل كده، انت إزاي كده؟ إزاي يجيلك قلب تكسر بنتك بالطريقة دي؟ أكيد ده مش حقيقي، رد عليا يا بابي قولي أنك مستحيل تطلع بالقسوة دي.”
ابتسم، ابتسامة صغيرة باردة، لا علاقة لها بالأبوة.
“دي مش قسوة يا عهد، أنا أبوكي وعايز مصلحتك، ومصلحتك مش مع الولد الجربوع ده، مصلحتك مع أسر الهواري، شاب جميل أبن عيلة عنده فلوس عمرها ما تخلص، ده اللي هيحققلك كل اللي نفسك فيه وهيعيشك عيشه أحلى من عيشتك كمان.”
شهقت وهي تصرخ، والدموع تنساب بلا توقف:
“أنا مش صغيرة يا بابي وعارفه مصلحتي كويس أوي، سعادتي مع همام، أه هو معهوش فلوس، بس راجل وهيقدر يحميني، مش عايزة فلوس أسر ولا ممتلكاته ولا جماله، أنا عايزة أتجوز الراجل اللي قلبي حبه وأختاره أرجوك يا بابي، خرج همام، وخلينا نتجوز، علشان خاطري.”
هز رأسه ببطء، وكأنه يستمع لطفلة تتحدث عن لعبة مكسورة.
“أنا ممكن أخرج الولد ده فى حالة واحدة، لو نهيتي علاقتك بي ووافقتي تتجوزي أسر، سعتها بس هخرجه من السجن.”
ساد صمت ثقيل.
هذه ليست مساومة، هذا حكم إعدام معلق بكلمتها.
نظرت إليه برجاء، صوتها أصبح ضعيفًا، متكسرًا:
“بلاش يا بابي أرجوك، أنت كده بتحكم على بنتك بالموت، بتقضي على سعادتي بأيديك.”
أجاب بلا اكتراث:
“بالعكس أنا بفوقك من الوهم والعبط اللي فى دماغك دول، وده آخر كلام عندي، يا تختاري موته هو وأهله، يا تختاري تنقذي بكلمتين منك ليه، وموافقتك على الجواز من أسر.”
هنا، حدث التحول، توقفت دموعها فجأة، لم تختفي، لكنها تجمدت.
اعتدلت في وقفتها ببطء، كأنها تحمل على كتفيها عمرًا كاملًا، ونظرت إليه نظرة مجروحة، لكنها صلبة.
تحدثت بصوت ميت من الداخل:
“موافقة يا بابي، بس تخرجه النهاردة.”
هز رأسه بالرفض، وكأنه ينتظر هذه اللحظة منذ البداية:
“مش النهاردة لما تلبسي خاتم أسر فى إيدك وتكلمي الولد ده قصادي وتنهي كل حاجه معاه وكمان تهيني علشان أتأكد أنكم مستحيل ترجعوا لبعض.”
ارتجف جسدها كله، الإهانة، ليس فقط الفراق، أن تكسر قلبه بلسانها.
تعالت شهقاتها، بالكاد استطاعت أن تقول:
“حاضر يا بابي.”
استدار عنها، وكأن الصفقة أُغلقت رسميًا.
أما هي، فبقيت واقفة لثواني لا تتحرك.
ثم تحركت ببطء شديد، كأن قدميها تجران جرًا.
صعدت الدرج، وكل درجة تصعدها كانت كأنها تصعد نحو مقصلة.
دخلت غرفتها، أغلقت الباب خلفها، وسارت حتى سريرها، ثم سقطت عليه، وجهها في الوسادة، تكتم صراخها حتى لا يسمعها أحد.
لم تكن تبكي فقط، كانت تودع نفسها.
*************************
بالمساء…
الفيلا كانت مضاءة بالكامل، كأنها تستعد لاحتفال، لكن الجو لم يكن احتفالًا، كان أشبه بمحاكمة.
تجمعت العائلتان في صالون رياض، الأحاديث سطحية، الضحكات مصطنعة، وكل شيء يبدو مرتبًا أكثر من اللازم، وكأنهم يحاولون تغطية توتر خفي.
بعد الاتفاق الرسمي، التفت رياض إلى الخادمة وقال ببرود:
“أطلعي هاتي عهد.”
صعدت الخادمة الدرج مسرعة، طرقت الباب مرة، ثم مرتين، ثم ثلاثًا.
“آنسة عهد؟ آنسة عهد افتحي.”
لا رد، وضعت يدها على المقبض، حاولت فتحه، لكنه كان مغلقًا من الداخل.
بدأ القلق يتسلل إلى صوتها، وطرقت بقوة أكبر:
“آنسة عهد.”
ثم صرخت فجأة، بصوت ارتجف فيه الخوف الحقيقي:
“رياض باشا ألحق، الانسه عهد مش بترد عليا وقافله الباب من جوه!”
انتفض رياض من مكانه كأن صاعقة ضربته، وركض نحو الدرج، تبعه أسر بخطوات سريعة متوترة.
وقف رياض أمام الباب يطرق بقوة، وصوته خرج لأول مرة خاليًا من السيطرة:
“عهد! افتحي الباب!”
لكن الصمت كان ثقيلًا، مخيفًا.
اقترب أسر، وبدأ يضرب الباب بقبضته:
“افتحي يا عهد، افتحي احسنلك، هكسر الباب والله!”
لا شيء، ابتعد رياض خطوة، أشار بيده بعصبية:
“اكسروا الباب!”
اندفع الرجال، وبدأت الضربات تتوالى، حتى انكسر القفل وانفتح الباب بعنف.
دلفوا جميعًا، وتجمدوا.
كانت ملقاة على الأرض، بجوار السرير، جسدها ساكن تمامًا، وشعرها منسدل حول وجهها، ويدها ممتدة على الأرض.
ركض أسر إليها أولًا، انحنى بجوارها، وربت على وجهها بخفة:
“عهد، عهد!”
لكن لا استجابة، تحسس نبضها بقلق، فتنفس براحة خفيفة حين وجده موجودًا.
مال بجسده وحملها بين ذراعيه بسرعة، ونزل بها الدرج، ورياض خلفه، وجهه شاحب لكنه متماسك ظاهريًا.
وضعت في السيارة، وانطلقت بهم نحو المشفى، الطريق بدا أطول من المعتاد، وصوت أنفاس أسر كان أعلى من صوت المحرك.
بعد وقت…
وقفوا أمام باب غرفة الطوارئ.
حملها أسر مرة أخرى، وكأنها شيء هش قد ينكسر بين يديه، ووضعها على السرير.
جاء الطبيب سريعًا، بدأ يفحصها بدقة، تحت نظرات متحفزة من رياض، وأخرى غاضبة متوترة من أسر.
مرت دقائق بدت كساعات.
أخيرًا، اعتدل الطبيب ونظر إليهما بوجه مهني خالي من العاطفة:
“عندها صدمة عصبية شديدة، شكلها اتعرضت لصدمة كبيرة.”
تبادل أسر نظرة سريعة مع رياض، نظرة تحمل اتهامًا صامتًا.
ثم عاد بعينيه للطبيب:
“طيب المفروض ايه يحصل دلوقتي؟”
رد الطبيب بهدوء:
“أنا اديتها حقنة مهدأة، ومش هتفوق غير تاني يوم، بعدها هنشوف حالتها مستقرة ولا محتاجة تدخل أكبر، بس هي أكيد محتاجة دكتور نفسي يتابع معاها، عن إذنكم.”
خرج الطبيب، وأغلق الباب خلفه.
ساد صمت ثقيل.
نظر أسر إلى رياض، ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من المرح، وقال بتهكم بارد:
“شكلي رميت فلوسي على الأرض يا رياض.”
ارتبك رياض قليلًا، لكنه تماسك سريعًا:
“لا خالص، اللي بيحصلها ده طبيعي، وكان متوقع، الولد ده عرف يعلقها بي كويس أوي، أنا عملت اللي عليا، وبعدتها عنه وبقت ليك، الباقي ده بتاعك أنت.”
نظر أسر إلى عهد وهي نائمة، وجهها شاحب، ملامحها هادئة بشكل مخيف.
ضغط على أسنانه، وصوته خرج منخفضًا لكنه مليء بالوعيد:
“ما هي لو مبقتش ليا برضاها، أنا هعرف أخليها ازاي تبقى بتاعتي غصب عنها.”
اقترب من السرير ببطء.
أمسك يدها الباردة، وفتح علبة صغيرة كان يحتفظ بها في جيبه.
أخرج خاتم الخطبة.
لحظة صمت قصيرة، ثم أدخله في إصبعها، لم تتحرك، لم تعترض، لم تبكي.
نظر إلى رياض بعينين تحملان تحديًا صريحًا، وقال:
“مفهوم.”
أومأ رياض برأسه بتوتر:
“مفهوم.”
ثم خرجا من الغرفة، وأغلق الباب خلفهما.
وبقيت عهد وحدها، جسد ساكن على سرير أبيض، وخاتم يلمع في إصبعها، كأنه قيد جديد، ألبس لها وهي غائبة عن الوعي.
************************
باليوم التالي…
عاد همام إلى الحبس، لكن شيئًا داخله لم يعد كما كان.
كان يمشي بخطوات بطيئة، كأن الأرض أثقل من المعتاد، وصدره مشدود بانقباضة غريبة لا تفسير لها.
لم تأتي كما وعدته.
قالت له بصوت مرتجف إنها ستعود، وستطمئنه، وستجد حلًا، لكنها لم تأتي.
جلس في ركنه المعتاد، وأسند رأسه إلى الحائط البارد، وأغمض عينيه لحظة.
خرجت منه تنهيدة حارة، تشبه أنينًا مكتومًا.
“يارب طمني عليها.”
لم يكن خائفًا على نفسه، كان خائفًا عليها.
وفي تلك اللحظة، سمع صوتًا غليظًا من خلفه، صوت رجل لم يكن من المعتادين على الكلام معه:
“انساها، هي أصلًا من الأول مش ليك، ودلوقتي في إيديها خاتم راجل غيرك.”
فتح عينيه ببطء، وكأن الجملة احتاجت وقتًا لتصل إلى وعيه.
استقام بجسده فجأة، والتفت إليه، ونبرة صوته خرجت حادة:
“انت بتقول ايه؟ وقصدك على مين؟”
اقترب الرجل خطوة، وجهه بلا تعبير، لكن عينيه تحملان شيء مستفز:
“بقولك انسى عهد خلاص، هي نسيتك وبقى في إيديها خاتم راجل غيرك، بيحبها وهيقدر يعيشها في المستوى اللي اتعودت عليه.”
تجمد همام لثانية، ثم انفجر.
اندفع نحوه، وأمسكه من ياقة ملابسه بقوة، حتى كادت أصابعه تخترق القماش:
“اسمها ميجيش على لسانك يا حيوان! أنا متأكد إن أبوها اللي بعتك ليا، بلغه إنه مهما عمل، أنا وعهد مش هنبعد عن بعض، أنا ليها، وهي ليا، فاهم؟!”
كانت عروقه بارزة، وصوته يهتز بالغضب، لكن خلف الغضب، كان هناك خوف.
دفعه بقوة بعيدًا عنه.
ترنح الرجل قليلًا، ثم ابتسم بسخرية باردة:
“والله انت حر، تصدق أو متصدقش، بس هي مخطوبة لراجل لو شافك قصاده هيفعصك بجزمته، ولو عايز مصلحتك وعايز تخرج من هنا سليم، شيل عهد من دماغك، أنا بلغتك الرسالة، فكر في كلامي كويس، ومتبقاش غشيم.”
أنهى كلماته، واستدار مبتعدًا، تاركًا خلفه صدى الجملة الأخيرة.
وقف همام مكانه، أنفاسه متسارعة، وقلبه يدق بعنف.
خاتم؟
مخطوبة؟
هز رأسه بقوة، كأنه يريد أن يسقط الكلمات من داخله.
“لا، مستحيل، عهد متعملش كده، أنا عارفها، عارف حبها ليا.”
جلس على الأرض ببطء، وأسند رأسه إلى الحائط مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن هادئًا.
كان يهز رأسه نافيًا، يهمس لنفسه:
“أبوها بيقول كده علشان يبعدنا عن بعض، أكيد بيكسرني بس، هي وعدتني، أيوة وعدتني.”
لكن رغم إنكاره، كان هناك شيء صغير داخله بدأ يتصدع.
ليس شكًا فيها، لكن خوفًا عليها.
لأنه يعرف رياض.
ويعرف أن الرجل الذي يستخدم الشك ك..سلا..ح، لن يتردد في استخدام أي س..لاح آخر.
************************
بدأت عهد تحرك رأسها ببطء شديد،
كأن كل حركة تكلفها عمرًا.
ألم ثقيل يجوب جسدها، ليس ألمًا جسديًا فقط، بل ذاك النوع الذي يبدأ من القلب ويصعد حتى يضغط على عينيها.
فتحت عينيها بصعوبة، الرؤية ضبابية، السقف أبيض، الرائحة رائحة مطهرات.
حركت عينيها ببطء أكثر، حتى توقفت.
كان يجلس هناك، على الأريكة المقابلة، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، ظهره مستند، ينظر إليها بثبات مزعج، كأنه كان ينتظر لحظة إفاقة فريسته.
صوتها خرج ضعيفًا، متحشرجًا:
“أنا فين؟ وانت بتعمل ايه هنا؟”
لم يرد فورًا.
استقام بجسده ببطء، وكأن الحركة محسوبة، ثم تحرك نحوها بخطوات واثقة، وجلس على المقعد أمام سريرها، مال قليلًا للأمام، عينيه لا تترك وجهها.
وتكلم بنبرة منخفضة، لكنها مخيفة:
“اوعي تكوني مفكرة إنك هتقدري تبعدي عني بسهولة، أنا أسر الهواري، واللي يعجبني مش بسيبه غير لما أوصل للي أنا عايزة، بأي طريقة. فهمتي؟”
نظرت له، نظرة مليئة بكراهية لم تحاول إخفاءها.
رغم ضعفها، كان صوتها واضحًا:
“أنا بكرهك، والموت عندي أهون من إني أكون مع واحد شبهك.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة باردة، لا تهتز.
مد يده فجأة، وأمسك يدها، رفعها أمام عينيها، وهنا رأت الخاتم في إصبعها.
تجمد الدم في عروقها.
تكلم بتهكم واضح:
“بس انتي فعلًا بقيتي بتاعتي، وأسبوع بالكتير، وهتكوني في حضني، على سريري.”
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، كأن الكلمات صفعتها، حاولت تسحب يدها بعنف، تحاول نزع الخاتم، لكنه شد على أصابعها بقوة حتى تألمت.
اقترب أكثر، وصوته أصبح أشد:
“الخاتم ده، لو اتقلع من إيدك، في نفس اللحظة هيجيلك خبره، وهحرق قلبك عليه.”
توقفت، لم تعد تحاول، عينها على
الخاتم، ثم على وجهه، ثم عادت للخاتم.
خاتم، مقابل عمر همام، المعادلة واضحة.
الدموع بدأت تتساقط بصمت، لكنها لم تصرخ هذه المرة.
رفعت نظرها إليه وقالت بصوت ثابت رغم انكساره:
“يعني انت اللي نفذت مع بابي المؤامرة، تمام، أنا موافقة، بس همام يخرج قبل ما اسمي ينكتب على اسمك.”
تأملها للحظة، كأنه يزن صدقها.
ثم ابتسم بلؤم:
“موافق، بس اوعي دماغك توزك، تروحي ليه بعد ما يخرج، علشان وقتها، هحرق قلبك عليه، وعلى أبوكي، فاهمة؟”
أومأت برأسها بقوة، والدموع لا تتوقف:
“فاهمة، ممكن أمشي؟ لو سمحت.”
وقف، عدل ياقة قميصه، وقال بنبرة متعالية:
“قومي غيري الهدوم دي، وأنا هدفع حساب المستشفى.”
ثم تحرك نحو الباب، فتحه، وخرج، وأغلقه خلفه.
سادت الغرفة لحظة صمت.
نظرت عهد إلى الباب، ثم إلى يدها.
الخاتم يلمع ببرود.
مدت يدها الأخرى، لمست الخاتم، كأنها تتحسس قيدًا.
أغمضت عينيها لثواني، دموعها تنساب بهدوء، ثم فجأة مسحتها بعنف.
رفعت رأسها، وملامحها تغيرت.
لم يختفي الألم، لكنه تحول.
تكلمت بصوت خافت، لكنه صلب:
“من هنا ورايح، مافيش دموع، أنا هعرفهم مين عهد.”
لم يكن تحديًا فارغًا.
كان قرارًا.
نهضت بجسد متخشب، الألم لا يزال يهاجمها، دخلت الحمام، نظرت إلى انعكاسها في المرآة.
لم ترى الفتاة التي كانت تبكي لأجل حبها.
رأت امرأة تحاصر، والمرأة المحاصرة، أخطر.
بدلت ملابسها ببطء، رتبت شعرها، ومسحت أثر البكاء.
عندما خرجت، كان وجهها هادئًا، هدوء غير مطمئن.
انتظرت أسر حتى انتهى من الإجراءات، ثم غادرت معه إلى الفيلا.
لكن هذه المرة، لم تكن تذهب كضحية، كانت تذهب، وهي تخطط.
************************
مر يومان كاملاً وعهد حبيسة غرفتها، لا تبدي دمعة ولا تطلق صرخة، كانت تجلس بالساعات محدقة في نقطة ثابتة أمامها، كأن الروح انسحبت من جسدها وتركت خلفها دمية جامدة الملامح، الاشتياق ينهش صدرها نهشًا، وصوت همام يتردد في أذنيها، غير أن الحراسة المشددة حولها كانت جدارًا آخر يضاف إلى جدران غرفتها، يمنعها من الذهاب إليه، ويمنع عنه الحقيقة.
وفي صباح ملبد بالغيوم، خرج همام من حبسه بعدما أخلي سبيله، اثر ما قدمه رياض من مستندات تثبت براءته، خلال اليومين الماضيين كانت الأفكار تتصارع في رأسه صراعًا مريرًا؛ كلمات الرجل الذي دس إليه الخبر، وصورة عهد بخاتم في يدها. غير أن قلبه كان يرفض، بعناد يكاد يكون أعمى، أن يصدق، ثقته بها لم تكن عادية؛ كانت يقينًا راسخًا، لكن القلق عليها كان يفتك به فتكًا، وفي النهاية غلبت ثقته شكه، وقرر أن يذهب بنفسه، ليسكت هذا العذاب المعلق في صدره.
أوقف سيارة، وانطلق إلى الفيلا.
وما إن توقفت حتى هبط منها مسرعًا، كأن الأرض تحته تحترق، وركض نحو البوابة الحديدية، طرقها بعنف، وصوته خرج ممزوجًا بالخوف والغضب:
“عهد ردي عليا، طمنيني عليكي، أنا متأكد انك جوه، وابوكي اللي منعك تيجي ليا.”
ظهر أمامه رجل ضخم الج..ثة، ملامحه قاسية، وقال بنبرة تحذيرية:
“امشي من هنا احسنلك.”
هز همام رأسه بعناد، وصوته اشتد:
“مش ماشي من هنا، غير لما اطمن على عهد واشوفها.”
أخرج الرجل سلا..حه ووجهه نحوه، وقال ببرود خطير:
“هتمشي من هنا، ولا أفرغ الس..لاح ده فيك، ونقول انك حرامي وجاي تسرق الفيلا.”
لم يتراجع همام خطوة واحدة، بل ثبت مكانه، وكأن الرصاصة أهون عليه من هذا الشك الذي يمزقه، وفي تلك اللحظة اقترب رجل آخر، همس في أذن الحارس بكلمات خفية، فتبدل الموقف فجأة، وأُفسح الطريق أمامه.
دخل همام إلى الداخل بخطوات متسارعة، وقلبه يخفق بعنف لم يعرفه من قبل، وتبعه رجال رياض كظلال ثقيلة.
في الطابق العلوي، كانت عهد جالسة في غرفتها حين اخترق سمعها صوته. ظنت في البداية أنه وهم، لكن الصوت تكرر، قفزت من مكانها، ركضت نحو النافذة، وأزاحت الستارة بيد مرتجفة، كان هو، يقف أسفل بيتها، لم تصدق عينيها.
اندفعت نحو الباب، وفتحته، وهبطت الدرج مسرعة، وقلبها يخفق بجنون. لكنها توقفت فجأة في الأسفل.
كان رياض وأسر يقفان هناك، نظراتهما مسلطة عليها، تحذير صريح لا يحتاج إلى كلمات.
تقدم أسر خطوة، وصوته جاء آمرًا:
“أنا نفذت اللي طلبتيه وخرجته، دلوقتي بقى تنفذي اللي اتفقنا عليه، ومتنسيش كلامي يا عهد.”
تجمعت الدموع في عينيها، وأومأت برأسها بانكسار موجع، وفي اللحظة التالية أحاط خصرها بذراعه، كأنه يعلن امتلاكه أمام الجميع.
ودخل همام، كانت أول كلمة خرجت منه مغموسة بالخوف:
“عهد طمنيني عليكي؟”
لكن صوته انقطع في حلقه حين رأى الذراع الملتف حول خصرها، توقف الزمن للحظة.
اقترب ببطء، عينه لا تفارق يد أسر، وصوته خرج متقطعًا:
“مين ده؟”
نظرت عهد إلى والدها، ثم إلى أسر. كانت نظراتهما إليها سيفًا مسلطًا على رقبتها، أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تستجمع شتات روحها، أنفاسها تعالت، وقلبها كاد يتوقف من شدة الخفقان.
فتحت عينيها أخيرًا، ونظرت إليه، وقالت بصوت أخرجته من بين أنقاض قلبها:
“ده خطيبي يا همام.”
كانت الكلمة أشبه بطعنة بطيئة.
انتقلت عيناه إلى الخاتم في إصبعها، ولمعانه البارد تحت الضوء، ابتسم ابتسامة باهتة لا تشبهه، وقال بعدم تصديق:
“خطيبك! يبقى الكلام اللي سمعته صح، اتخطبتي يا عهد لراجل تاني؟ اومال فين كلامك ليا؟ وعدك ليا أنك مستحيل تكوني لراجل غيري؟ كل ده كان كدب؟ طب ليه؟ انا عيشت محتفظ بحبك فى قلبي سنين، انتي اللي جيتي واعترفتي بحبك ليا، انتي اللي صممتي أن حبنا يظهر لنور، لييييييه؟ ردي عليا.”
اهتز جسدها، وكادت قدماها تخونانها وتسقط، لولا ذراع أسر التي شدتها إليه، كانت تشعر أنها تدفن حية، لكنها رفعت رأسها وأجبرت نفسها على القسوة، وقالت:
“انت اللي ساذج وبتصدق أي حاجه بسهولة، بعقلك يعني هسيب العز ده كله واروح اعيش معاك فى حارة، يوم تأكلني وعشرة لا، انت شايف الخاتم اللي فى أيدي ده! ألماظ، لو عيشت عمرك كله مش هتعرف تعمل ربع حقه حتى، ده خاتم خطوبتي، وهعيش فى قصر فخم مش في بيت هيوقع جوة حارة، روح يا همام، أنا لعبت معاك شوية علشان كنت زهقانه، بس الجد مع اللي يستحقني بجد.”
كل كلمة خرجت منها كانت تمزقها من الداخل، لكنها واصلت، لأن حياته كانت معلقة بثباتها.
انفجرت ضحكاته فجأة، ضحكات هستيرية موجوعة، وهو يهز رأسه نفيًا، وقال بنبرة غاضبة يكسوها انكسار عميق:
“صح، انتي صح، انا واحد ساذج بيضحك عليا بسهوله، مجرد لعبة فى ايد بنت الاكابر، قلبي أهبل لغى المنطق وعاش فى وهم الحب، بس شكرا ليكي بجد، قمتي بدورك ببراعه، تنفعي تشتغلي ممثله، هتكسري الدنيا، علمتيني درس عمري ما هنساه، أن مافيش حاجه اسمها حب، ده مسمى المغفلين اللي زي، أنا هقولك كلمه واحده بس يا عهد، مسيري هردلك القلم ده قلمين، هيجي اليوم اللي أخليكي تبوسي فيه جزمتي وانا سعتها هفعصك بيها ومش هرحمك.”
كانت الكلمات نارًا تتطاير في الهواء، تحرق كل ما بينهما.
أنهى كلامه، بصق على الأرض، واستدار وغادر مسرعًا، كأن المكان يختنق به.
ظلت عهد تنظر إلى أثره، وعيناها تغرقان بالدموع التي حبستها طويلًا. راحت تهز رأسها بهستيرية، كأنها تحاول إلغاء ما حدث، دفعت يد أسر بعيدًا عنها بعنف، وركضت نحو الدرج، صعدت إلى غرفتها، وصراخها شق أرجاء الفيلا، صراخ روح انكسرت لتنقذ روحًا أخرى.
أما أسر، فالتفت إلى رياض، وابتسم ابتسامة انتصار بارد، أخرج سيجارًا كوبيًا، أشعله ببطء، ونفث دخانه في الهواء، كأن ما حدث لم يكن مأساة قلبين، بل كان أعظم انتصاراته.
*************************

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *