العذاب 1

العذاب 1

#الفصل_الأول…..
تابع عمله على الحاسوب بنظراته الثاقبة ،مستنداً بذراعيه القوي على مكتبه ذو اللون الداكن ،رفع قهوته المفصلة لديه ليرتشف بعضاً منها بثبات …
صدح صوت هاتفه ليعلن عن رفيقه المقرب فرفع هاتفه بثبات _كويس أنك لسه فاكرني …
أستمع لما قال ليضيق عيناه بغضب _بلاش تصيع عليا عشان أنت عارف أخري أيه ؟ …
تأفف بغضب بدى على عيناه الساحرة _أوكي . سلام ..
وأغلق هاتفه ثم ألقاه جواره دون أكتثار ليكمل عمله على الحاسوب بتركيز فائق….
أستمع لطرق الباب الخافت فسمح للطارق بالولوج لتدلف والدته العجوز مستندة على عكازها ليسرع إليها قائلاٍ بلهفة _أيه اللي قوم حضرتك من السرير ؟ ..
أنصاعت لمساعدته وأتكأت على ذراعيه حتى عاونها على الجلوس على المقعد المقابل له ، رمقته بنظرة مطولة ثم قالت بسخرية _نزلت عشان عارفة أنك مش هتطلعلي وخصوصاً لأنك عارف الموضوع اللي هكلمك فيه …
زفر “فريد” بغضب ليشير لها سريعاً_ماما أنا مش عايز أتكلم بالموضوع دا كتير …أنا نفذت كلام حضرتك وأتجوزت لكن أكتر من كدا مقدرش …
قاطعته بحدة_هو أيه اللي متقدرش؟ ..
أجابها ببعض الحرج_أني أكون زوج طبيعي معاها…
جحظت عيناها بصدمة _يا خبر هو أنت مقربتلهاش!!..
تطلع لها بأستغراب ثم قال بلهجة ساخرة _وهى يعني مقالتلكيش..
رمقته بنظرة محتقنة بالغضب ثم قالت بحزن _ولا أتكلمت معايا فى أي شيء أنا اللي مش عاجبني طريقتك معاها ولا أسلوبك ،بتعاملها على أنها خدامة أو مريبة أتجوزتها عشان تربيلك بنتك مش أكتر ولا أقل ..دانت حتى مقعدتش معاها ولا مرة من ساعة ما أتجوزتم ؟ ..
نهض عن مقعده بغضب _يوووه أنا مش هخلص من الموضوع دا ولا أيه ،بحاول أرضي حضرتك وبرضو مفيش فايدة قولتلك مستحيل هتجوز بعد “ليان” وبرضو وافقت لما أصريتي عليا لكن غير كدا مقدرش ….
وجذب هاتفه ثم توجه للأعلى حتى لا يفقد التحكم بكلماته فيتفوه بشيئاً قاسي لها ! …
************
بالأعلى ….
داثرت الصغيرة ببسمة هادئة ،عيناها العسلية تتابع كل حركة تصدرها ،حبها يكبر بقلبها يوماً بعد يوم ،طبعت “ريهام” قبلة صغيرة على وجهها قائلة ببسمة جميلة_تصبحي على خير يا روحي ..
ثم أغلقت الضوء وتوجهت لغرفتها المشتركة بينها وبين زوجها الذي لم تراه سوى مرات معدودة قبل أن يضع ستار من القمش الحريري البني ليقسم الغرفة بينهما حتى لا تراه ولا يتمكن هو من رؤيتها ولكنه يبقى معاها بنفس ذات الغرفة حتى لا تشعر والدته المريضة بشيء ! …
ولجت للداخل فنزعت حجابها بعدما تأكدت بأنها بالجزء المخصص لها …بعيداً عن أنظاره ،صفنت أمام مرآتها بطريقة معاملته لها حتى نظراته القاسية ترعبها ،أطلقت تنهيدة حارة بعدما كبتت دمعاتها بصعوبة ثم خلعت فستانها الفضفاض لتبقى بقميصاً من القطن يصل لمنتصف قدماها ، أستدارت لتعود لفراشها حتى تستريح قليلاٍ ولكن كانت الصدمة حليفة لها ، تراجعت بضع خطوات للخلف بفزع وهى تحاول جمع كلمات تليق بما يحدث فقالت بأرتباك_أنت بتعمل أيه هنا؟ …
كان يجلس على المقعد المجاور للفراش وضعاً قدماً فوق الأخرى بكبرياء ،يتابعها بنظرات يطوفها الغضب والجمود ، نهض عن مقعده أخيراً ليقترب منها بخطاه الثابتة ليرتفع صوت حذائه بالغرفة مما زاد أرتباكها ،وقف أمام عيناها يتأملها بنظراتٍ غامضة بعدما أحاطها بذراعيه بين الحائط حتى تتمكن من رؤية جحيم عيناه القاسية ، تبدلت نظراته شيئاً فشيء وهو يتأمل ملامحها عن قرب فلم يسمح لها بالأقتراب فكيف سيختم ملامح وجهها أو طباع شخصيتها الهادئة! …
وقفت أمامه كالبلهاء فرغم عدم رؤيتها الكثيرة به الا وأنها تشعر بأن هناك مكاناً خاص بقلبها له ، تاهت بعيناه السوداء التى تشبه حجاب الليل الكحيل ،شعرت بموجة من الحنين تغمرها رغم القسوة التى يتعمد أظهارها على الدوام ، أنسدل الستار ليرفرف الهواء بأرجاء الغرفة ليميل خصلات شعرها الغجري على صفحات وجهه وعيناه فأغلقهما برغبة سارت تخترق جسده القوي ، زرته ذكرى مريرة بزوجته الراحلة أخذت تعنفه فأبتعد عنها سريعاً بعدما تسللت القسوة لهما لتجعله مخيفاً للغاية ،أشاح نظراته عنها سريعاً فتذكرت أنها لا ترتدي حجابها فجذبته لتخفي شعرها الطويل خلف الوشاح الرومادي ثم شهقت بصوتٍ مسموع حينما تأملت ملابسها فأحتقن وجهها بخجل ،تطلعت له بوجهاً متورداً كحبات الكرز فأستدار حتى أنتهت من أرتداء أسدال الصلاة ثم وقفت تفرك يدها بأرتباك ، سكون حركتها جعله يعلم بأنها أنتهت فأستدار ليقف امامها من جديد ولكن بوجهاً أشد قسوة من ذي قبل …
أقترب منها قائلاٍ بغضب _لسه فاكرة كلامي اللي قولتهولك أول ما دخلتي البيت دا ؟ ..
إبتلعت تلك الغصة المريرة بألم فكلما حاولت تنسى كلماته القاسية يوم زفافها يذكرها مجدداً ولكنها تحكمت بذاتها لتشير بخفة له _فاكرة ..
صرخت بقوة حينما جذبها من معصمها ليضغط عليه بيديه القوية قائلاٍ بصوت يشبه الهلاك_يبقى أكيد فاكرة تحذيراتي كويس وفاكرة أني نبهت عليكي أن لو كلمة طلعت من الباب دا روحك هتطلع على أيدي …
تأوهات من الألم فحاولت تحرير معصمها قائلة ببكاء_سيبني …أنا عملت زي ما طلبت والله …
تحاولت نظراته لكتلة من الجحيم ليهوى على وجهها بصفعة قوية أطاحت بها أرضاً أسفل قدماه لينحني إليها ،أمسك فكها ليقرب وجهها منه فتتمكن من رؤية عيناه المميتة ثم همس بصوتٍ مخيف_أكتر حاجة بكرهها فى حياتي الكدب ..
حاولت أن تبعد يديه عنها بعدما أندثرت الدماء من وجهها ولكنه كان يحكم قبضة يديه بأحكام فبكت بعجز وهى مجبرة أن تتطلع لنظراته القاسية التى تشعرها بأنها بجحيم أمام معذبها ،معذب القلب الذي أحبه بجنون ورغم ما يفعله بها لا يعرف طريقاً للكره …
وقف “فريد” ليرمقها بنظرة حادة قبل أن يستكمل حديثه_المرادي هعدهالك بمزاجي لكن وقسماً بالله لو أمي عرفت بأي شيء بينا تاني أو بس حست ساعتها متلوميش الا نفسك …
وتركها ممدة أرضاً منغمسة بآنينها ليتوجه للطرف الأخر من الغرفة المخصص له غير عابئ بدمعاتها! …
أنكمشت “ريهام” على ذاتها ،تبكي بصمت ،تؤلمها ذكرياتها السابقة مع طلقيها حينما كان يفرض رجولته المبتورة عليهابالضرب والسب ليتمكن من سد تلك الفجوة التى تنقصه عن باقي الرجال ورغم ذلك صانت سره الأليم وطلبت من أبيها الطلاق منه معللة أنه يضربها بقسوة فلم يحتمل الأب ذلك وطلقها منه رغماً عنه فقررت حين ذلك أن تكمل حياتها غير عابئة بذكريات الماضي ،تذكرت حلمها الأمومي بأن تكون أماً فوافقت على الزواج من “فريد” حينما علمت بأن لديه طفلة صغيرة لا تتعدى السابعة أشهر ، فرحت وظنت أن الله سيعوضها خيراً ولكنها الآن تعاني نفس التجربة السابقة ولكن مع فارق بسيط أنها أحببته رغم قسوته! ….
نهضت عن الأرض لتستند على ذاتها متجهة لحمام الغرفة المشترك بينهما ،توضأت وخرجت سريعاً حتى لا تلقاه ولكنها حينما رأت الركن الصغير الخاص بمكتبه منيراً علمت بأنه بالداخل فهدءت من خطاها ، سحبت سجادة الصلاة ثم تضرعت إلى الله الواحد الأحد لعله يستمع لنجوها فهو القادر على كل شيء ،شكت له هذا القاسي الذي يحرص على أن يذكرها على الدوام بأنها لن يربطه بها أي رابط سوى القسوة والجفاء ،بكت قهراً على قلبها الذي يعاني كانت على علم بأنه مهما طال الليل ستأتي الشمس بنورها لتزوال الظلمات وتسطع بنورها الخلاب …
************
جلس على مكتبه بأنفاساً لاهثة ، عيناها العسليتان تطاره ، خصلات شعرها الغجري تستحوذ تفكيره ، نظراتها التى تصرح حبها له جعلته متبلد الفكر ، قبض على معصمه بقوة وغضب حينما تذكر بأنه كان على وشك الأستسلام بالأقتراب منها ، عنف ذاته كثيراً فهو لا يجتمع معها بغرفة واحدة لذلك يقضي يومه بأكمله بالخارج ويأتي ليلاٍ ليغفو فقط ، سحب هاتفه ليطلب رفيقه مجدداً فرغم سفره الذي لا يتعدى اليومين ولكنه يقضي أوقاته بالحديث معه عبر الهاتف ،أتاه صوته على الفور قائلاٍ بسخرية _مش لسه قافل معاك ،لحقت أوحشك؟ ..
أجابه “فريد” بغضب _أخرس وأسمعني كويس …
علم “حسام” من صوت رفيقه بأنه بأقصى درجات الغضب فأنصاع له بحرص ليكمل “فريد” بغضب_عايزك توكل حد كفاءة من المكتب بق*ض*ية “زين العابد” وتحجزي على أقرب طيارة لباريس …
ضيق عيناه بصدمة_نعم أنت مش هتتوالى الق*ض*ية دي؟ ..
أجابه بغضب_لو سمعت كلامي كامل هتعرف أجابة سؤالك السخيف ..
أجابه “حسام” بحرص_مش وقته سفر يا “فريد” الق*ض*ية دي صعبه محدش هيقدرها غيرك أنا لو أعرف كدا كنت مسافرتش وأترفعت عنها بس أنا سافرت بعد ما سبتلك أنت الملف …
صاح بغضب_يعني أيه المكتب مفيهوش محامي شاطر يقدر يمسكها لو كدا أرفدهم كلهم أنا ميشتغلش عندي غير الكفء …
أستمع “حسام” إليه ليقول بحزن_مالك يا “فريد” بتحاول تهرب من أيه؟ ..
جلس على مقعده بألم أشعل نيران قلبه_خايف أخون حب عمري بتصرف أندم عليه بعد كدا ..
زفر “حسام” بغضب_ماتت يا “فريد” ، “لياااان” خلاص ماتت قولتلك ألف مرة عيش حياتك وسيبك من الوهم اللي أنت عايش فيه دا ذنبها أيه البنت اللي أتجوزتها تعذبها كدا ..
عاد لقسوته من جديد ليقول بصوته الممييت_أحجزلي على الطيارة زي ما قولتلك ولو ملقتش حد مناسب يترافع عن الق*ض*ية أرجع من أسكندرية وأمسكها أنت ..
كاد بالحديث فقطعه بحدة_الكلام خلص ..
وأغلق هاتفه ثم ألقاه لجواره ليصفن بألم بذكرياته!
***************
أما بالأسكندرية …
وضع “حسام” الهاتف لجواره ليتنهد بألم على رفيق عمره ليتسلل الحزن على ملامحه فأقتربت منه والدته بأستغراب من تبدل حاله السريع فقالت بتخمين_ دا “فريد” ؟ ..
أشار لها بهدوء ليكمل بحزن_مش عايز يقتنع أن “ليان” خلاص توفت وأنه يبدأ حياته من جديد ..
لمعت الدموع بعيناها لتقول بألم_ربنا يرحمها يارب ويصبر قلبي وقلبه علي فراقها ..
أحتضنها “حسام” بتأثر فقالت ببكاء_أنا عارفة هو كان متعلق بيها أزاي؟ ، عشان كدا جوزتهاله وأنا مطمنة عليها معاه لأنه كان بيحبها أكتر من نفسه ..
رفع “حسام” عيناه على الحائط الذي يحوي صور شقيقته فأغلق عيناه بقوة ليحتمل الألم قائلاٍ بصوتٍ مرتجف بالأحزان_ربنا يرحمها ..
ثم تماسك مجدداً قائلاٍ بحرج_أنا أسف يا ماما عارف أني ملحقتش أقعد معاكم بس أنا لازم أرجع مصر فى كذا ق*ض*ية مهمة و”فريد” ضايع خالص مش قادر يترافع عنهم وأنتِ عارفة المحامين اللي شغالين عندنا لسه مبتدئين مينفعش يمسكوا قضايا بالحجم دا …
ربتت على كتفيه ببسمة صغيرة يشوبها التفهم _سافر يا حبيبي وخليك جنب صاحبك .
قبل يدها بأمتنان ثم نهض متوجه لغرفته ليحزم أغراضه ليعود صباحاً للقاهرة …
**************
بمكانٍ أخر بالقاهرة …
كان يرتشف الخمور بكثرة ووجهه يكسوه غضب وحسرة لا مثيل لها ليتفوه من بين حالته المزرية قائلاٍ بوعيد_بقى أنتِ تسيبني أنا عشان تتجوزي المحامي دا يابنت ال… طب ورحمة أمي ما مهنيكي على الجوازة دي ولو مقولتيش حقي برقبتي مبقاش أنا “طلعت” …
***************
أزاحت الشمس عباءة الليل الأسود لتنثر الضوء المبهج بالنفوس …
بغرفة “فريد” …
نهضت من نومها فبدلت ثيابها لفستان وردي يضيق من الأعلى ويهبط بأتساع جعلها كالأميرات ، ثم عقدت حجابها بأحكام لتتوجه لغرفة الصغيرة بأشتياق لرؤياها بعدما أعدت لها الحليب الصناعي ،ولجت للداخل لتتبادل بسمتها سريعاً للعبوث حينما رأته بالداخل يحمل الصغيرة بحنان لا يتناسب مع شخصيته القاسية ! ..
قال بحدة دون النظر إليها_سيبي البيبرونة عندك وأخرجي ،عايز أبقى مع بنتي شوية ..
أستمعت له بألم فوضعتها على الطاولة الصغيرة ثم خرجت بحزن من معاملته الجافة معها ، أما هى فجذب الطعام ليقربه من فم الصغيرة التى تبتسم بفرحة تزرع البسمة على وجه القاسي فتجعله كمن يتعلم كيف يبتسم بعد ما مر به ، حملها بين يديه كمن يحمل كنزاً يخشى أتلافه ،جلس بها على المقعد المجاور للشرفة ليتمعن بعيناها التى ورثتها عن والدتها ليصفن بها
##
شعر بألم يحتج رأسه فحزم الملفات بحقيبته الجلدية الصغيرة فولج “حسام” ليجده يضع ما يخصه بها فقال بأستغراب_ماشي ولا أيه؟ ..
أشار له “فريد” بتعب_أه تعبان شوية فأخدت الملفات هدرسهم بالبيت .
ثم قال بأهتمام _وبعدين أنت لسه هنا ليه مش بتقول عندك مشوار مهم؟ ..
جلس على المقعد ببسمة ضيق_أه ياخويا بس منتظر الست هانم لما تحن عليا ..
تطلع له “فريد” بعدم فهم _ست هانم مين أنت أتجوزت من ورايا يا حيوان! ..
تعالت ضحكاته قائلاٍ بصعوبة _جواز أيه بعد الشر عليااا أنا لسه شباب دا أختي جيت من أسكندرية من كام يوم وعايزاني أفسحها بكل شبر بالقاهرة فقولتلها تعدى عليا بعد ما أخلص شغل وأديني أهو مستنى ..
تطلع له بأهتمام _مين فيهم “ليان ولا ليليان”..
رمقه بنظرة متفحصه _أممم وأنت يهمك مين فيهم ؟ ..
تحاولت نظراته للغضب ليسرع الأخر بالحديث حتى لا يق*تل على يد هذا الوحش المفترس_خلاص خلاص متزعلش “ليان” يا سيدي ..
قالها بغمزة من عيناه فدفشه “فريد” بغضب وهو يهم بالخروج_حيوان ..
أجابه الأخر بضحكة عالية _كدا ماشي بكرة تيجي تطلبها مني وتترجاني أوافق هااا خاليك فاكر …
رُسم على وجهه بسمة خافتة رغماً عنه على حديث رفيقه بعدما توجه للمصعد الذي أستقاله للوصول إلى جراج المبني ،صعد لسيارته ثم شعل محركها ليخرج من مكان ركنتها ولكنه تفاجأ بمن يصدمها من الخلف فصاح بغضب من نافذة سيارته_مش تفتح يا غبي ..
هبطت من سيارتها بغضب _مين اللي غبي يا حيوان أنت اللي خارج شبه الطور مش بتبص قبل ما أ…..
بترت كلماتها حينما أقتربت من السيارة لتجده هو من يسكن بالقلب قبل أن يحفر ملامحه بعيناها ، وضعت عيناها أرضاً بحرج ، خرج “فريد” من سيارته يتأملها بأشتياق وبسمة ترسم بوجودها ، قالت بتلعثم_أنا أسفة يا “فريد” معرفش أنها عربيتك والله ..
تأملها بهدوء ثم قال _ولا يهمك …
_نعم! ،باليساطة دي !! .. دا لو حد تاني كان زمانه أندفن هنا ..
قالها “حسام” بصدمة بعدما هبط على رنين هاتفه ليعلم بأن شقيقته بالأسفل فهبط ليستقبلها ليرى ما جعله بصدمة عارمة …
خجلت “ليان” للغاية ورمقه “فريد” بنظرة مميتة جعلته يبتلع ريقه بتوتر ليسرع بالحديث_طيب يالا يا ليو نروح مشوارنا …
ورفع يديه على كتفيها لتزداد نظرات “فريد” حدة فسحب “حسام” يديه قائلاٍ بحيرة وهو يحك طرف أنفه_دي أختي على فكرة ..
ثم صعد جوارها سريعاً قبل أن يفتك به لتلمحه بنظرة أخيرة قبل أن تخرج من المكان ويتأملها هو بنظرة عميقة أنهاها بقراره بأن يتقدم لخطبتها فقد حان الوقت ليقطع المسافات بينهما ..
عاد للوقت الحالي على صوت بكاء الصغيرة فهدهدها برفق حتى غفلت على ذراعيه فأعادها لفراشها الصغير ثم هبط للأسفل ليجدها تضع الطعام على الطاولة ،كاد بالمغادرة ولكنه توقف على نداء والدته قائلة بحزن _مش هتفطر ؟ ..
أجابها دون النظر إلي من تختلس النظر إليه_ماليش نفس ..
أجابته برجاء_طيب كل اللي تقدر عليه ..
علم بأنه سيدخل معها بنقاش حاد وسيخسره بنهاية الأمر لذا جلس على مقعده ليشرع بتناول طعامه بهدوء تام قطعته ببسمة هادئة_عجبك الأكل “ريهام” هى اللي عملاه..
رمفها بنظرة جانبية محتقنة ثم قال بثبات _مش بطال …
حزنت “ريهام” من رده المتصلب معها ولكنها ألهت ذاتها بتناول طعامها ، نهض عن الطاولة قائلاٍ بجدية _عن أذنكم ..
وكاد بالرحيل فأوقفته والدته السيدة “زينب” قائلة بهدوء_”فريد” …
أستدار لها فأكملت حديثها _وصل “ريهام” بطريقك لبيت والدها رايحة تطمن عليه بدل ما تتبهدل بالمواصلات ..
نظرات عيناه التى تحاولت إليها أرهبتها فأسرعت بالحديث المرتبك_مفيش داعي يا ماما أنا هأخد تاكسي من على أول الشارع …
تطلعت له “زينب” بنظرة مطولة كأنها تنتظر رده فخرج عن أطار صمته بكلماته الآمرة_هستانها بره ..
وغادر سريعاً وهي بحالة خوف لا ترثي لها …
***********
#الفصل_الثاني….
خرجت بخطوات بطيئة لسيارته ،حلقها جاف من فرط توترها الملحوظ ، سحبت الباب الخلفي لسيارته فتخشبت أصابعها علي مقبضه حينما قال بغضب _أنا مش السواق الخصوصي بتاع جنابك ..
أغلقته سريعاً ثم جلست جواره بحزن من كلماته ، تحرك بسيارته بغضب كأنه لم يحتمل تلك الدقائق القليلة التى ستجمعه بها ،سرعته جعلتها ترتجف من الخوف بأن يفتعل حادث على الطريق فحمدت الله حينما توقف أمام المنزل ، هبطت من سيارته بعدما حمدت الله على كونها تقف على قدماها من جديد ، كاد بالرحيل ولكنه أنتبه لصوت والدها الذي كان بالخارج هو الأخر فقال ببسمة هادئة_أيه الصدف اللي تفتح النفس دي ، أزيك يا إبني عامل أيه؟ ..
تجمدت “ريهام” محلها بخوف من أن يهين والدها أو يتعامل معه بجفاء ولكنها تفأجات به يخرج من سيارته ويصافحه بود_الله يسلمك يا عمي ،أخبار حضرتك أيه؟ ..
أجابه بفرحة _الحمد لله يا حبيبي ،ثم بنبرة ود أجابه_متطلع تقعد معانا شوية ولا أحنا مش أد المقام ؟ ..
إبتسم القاسي قائلاٍ بمحبة _لا طبعاً أزاي …هركن عربيتي وهطلع ورا حضرتك ..
كاد فمها بأن يصل للأرض من فرط صدمتها حتى أنها لم تستمع لنداء والدها الذي يحثها على الصعود فأستدار لفريد قائلاٍ بسخرية _هى البت مسهمة فيك كدليه ؟ ..
أستدار لما يشير إليه ليجدها تتطلع له بصدمة فكبت بسمته بصعوبة فهى أعتادت منه على الجدية والصرامة بالتعامل معها حتى أنها ودت لو نقلت صورة تفصيلية لأبيها عن القاسي الذي تعيش معه فربما ألتمس لها العذر بأن ما تراه درب من الخيال! …..
أفاقت على هزات يد والدها فشعرت بالحرج فصعدت الدرج سريعاُ حتى لا يرى أحداً وجهها المتورد ..
***********
هبط من سيارته معدلاً من وضعية الهاتف على أذنيه فقال بلطف لسكرتيرة مكتبه_أنا وصلت أهو أعمليله قهوة لما أطلع .
وأغلق هاتفه ليتوجه لمصعد العمارة سريعاً ،ولج للداخل ثم كاد بالضغط على الزر الجانبي ولكنه تفاجأ بفتاة تدلف خلفه ثم وقفت أمام اللوحة بأرتباك فقالت بصوتٍ مسموع_هى قالتلي الدور الكام؟! ..
ثم حكت رأسها بتذكر غير عابئة بمن يقف خلفها بضيق فكان يود الصعود مسرعاً لمن ينتظره بمكتبه منذ ما يقرب الساعة والنصف ، أخرجت هاتفها لتطلب رفيقتها حتى تتأكد من رقم الطابق الصحيح فأنتبهت للصوت الرجولي القادم من خلفها ..
“حسام” بغضب_هنفضل كدا كتير ؟ ..
إستدارت “فاطمه” لمصدر الصوت لتجد أمامها شاباً فى نهاية العقد الثاني من عمره ،يتمتع بمظهر جذاب للغاية ،عيناه زيتونية محاطه بهالة من اللون العسلي ،شعره فحمي اللون يتوسط رقبته ،بجسد رفيع قليلاٍ ولكنه ممتد بعضلات توضح قوته الرجولية ،تنحنحت بحرج ثم أستجمعت كلماتها _حضرتك تقصد أيه؟ .
وجدها فتاة بملامح رقيقة للغاية حتى وجهها المستدير تكمنه ملامح من البراءة غريبة ، أنغمس غضبه خلف هالة من الهدوء فجاهد للحديث بصوتٍ أقل لهجة من ذي قبل _أحمم بقول يعني تعرفيني عايزة تطلعي فين ولمين ممكن أساعدك؟ ..
تحدثت بلهفة _ أنا جاية أشوف الوظيفة اللي نزل عنها أعلان عن مكتب محاماة هنا فى العمارة وبصراحة مش فاكرة المكتب فى أنهي دور ..
إبتسم بفرحة لصدفة هكذا ثم أستعاد ثباته ليشير لها برفق_طب تسمحيلي ؟ ..
فهمت مقصده فتباعدت عن اللوحة ليضغط “حسام” على الطابق المنشود ليصعد للأعلى بهما ثم توقف بعد لحظات أمام الطابق الرابع ، خرج “حسام” من المصعد مشيراً له ببسمته الجذابة _إتفضلي يا أنسة ..
لحقت به بخجل حتى وقفت أمام الباب الرئيسي لمكتب من أفخم ما يكون ، يعلوه لافتة ضخمة مكتوب عليها “فريد أيوب ، حسام الزيني”، رفعت عيناها على الأسماء بلمحة أمل على أن تكون جزءاً من جفن عمالقة القانون بالقاهرة، تراقبها “حسام” ببسمة خافتة، تحاولت ملامحها للتوتر حينما رأت عدد لا بأس به من الفتيات الحاملة لنفس الإعلان، غامت سحابة الخذلان على ملامح وجهها؛ فحسمت أمورها سريعاً، إستدرات لتغادر المكان فأقترب منها “حسام” بأستغراب_رايحة فين يا أنسة؟!..
توقفت محلها بحرج حينما تذكرت عدم شكرها له فقالت على إستحياء_أنا بشكرك جداً على مساعدتك الكريمة دي وبعتذر لو كنت عطلت حضرتك عن حاجة..
أجابها ببسمة هادئة_مفيش داعي للشكر ولو على العطلة فأنا جيت المكان اللي كنت رايحله…
تأملته بتركيز فقالت بذهول_هو حضرتك جاي عشان الإعلان اللي نزل؟
إبتسم “حسام” على برائتها ثم أشار لمحامي يعمل لديه تحت التمرين فهرع إليه بوقار _تحت أمرك يا “حسام” باشا
شهقت “فاطمة” بصدمة؛ فوضعت يدها على فمها خجلاً محدثة ذاتها ( معقولة دا “حسام الزيني” صاحب المكتب )
ثم نظرت إليه بعين ترتجف فوجدته يكبت بسمته بصعوبة ليقطع سيل الصمت بكلماته الحازمة “لعلاء” _ الآنسة “فاطمة” هتنضم لفريق العمل معانا ، فعرفها طبيعة شغلنا وبعدين أديها ملف قض*يه “أحمد فرج” تدرسه وتشوف هتقدر إزاى تطلع بحلول قضائية نخرجه منها من قفص الإتهام..
تنحنحت بحرج بعدما أوشك على الأنصراف_أنا بجد مش عارفة أشكر حضرتك إزاى يا مستر”حسام”.
” حسام” بمرح_إشكرينى بفنجان قهوة مظبوط بدل اللي بتعملها “منى”وبشربها جبران خاطر
تعالت ضحكتها فجاهدت للحديث_ثواني وتكون عند حضرتك .
*************
بمنزل “ريهام”
وضع “فريد” القهوة من يديه على الطاولة قائلاً ببسمة هادئة_بستأذن حضرتك يا عمي ورايا شغل كتير فى المكتب ، بس بوعدك دى مش هتكون أخر زيارة..
راقبته من خلف الستار بدهشة،تستمع لحديثه مع والداها وتراه يبتسم إبتسامة أذابت قسوة معاملته لها، تنهدت بحزن فكيف سيمنحها الفرصة ليرى كم تعشقه حد الجنون حتى قسوته باتت تعتاد عليها، توجه للمغادرة فأنتبه لها، هائمة به كأنها تراه لأول مرة، تعلقت النظرات بعضهما البعض ليشير لها بهدوء _أول متحب ترجعي البيت كلميني..
إكتفت بأشارة بسيطة من رأسها، كبت بسمته بصعوبة على مظهرها المضحك ثم غادر بصمت، أغلق والدها الباب مبتسماً بفرحة_ده طلع إبن حلال والله يا بنتى ، الحمد لله ربنا عوضك خير عن طليقك دا
أشاحت “ريهام” بوجهها عن أبيها حتى لا يرى دمعتها على كلماته الأخيرة فكيف ستخبره أنه وطليقها على حد السواء ولكن ما زاد الأمر صعوبة إنها تحبه برغم سوء معاملتها .
*************
بمكتب المحاماة..
ولج “فريد” إلى المكتب فلحق به الأخر للداخل قائلاً ببسمة سعادة _ ليك وحشة يا عمنا .
إكتفى ببسمة صغيرة ليجلس على مكتبه بثبات_ وأنت كمان وحشتنى يا *حسام” ، أخبار والدتك أيه ؟
أجابه” حسام” بهدوء _بتسلم عليك يا سيدى وبتوصينى عليك كمان .
إبتسم بحزن _ربنا يبارك،” ليان” كانت نسخة منها فى الطيبة والحنية .
زفر” حسام” بضيق من تشبثه بذكرياتها_وبعدهالك يا” فريد” ، أنت بتظلم نفسك وبتظلم الإنسانة اللي إتجوزتها، ويا سيدى الحي أبقى من الميت .
رفع عيناه التى حاوطتها الأحزان بتمكن_”ليان” هتفضل موجودة بقلبي وعينى عمرها مهتشوف غيرها ولا قلبى هينبض لحد تاني .
زفر بغضب_طيب” وريهام” ذنبها أيه تعذبها معاك بالشكل ده .
لكم مكتبه بغضب مميت يشير على حدته_ذنبها إنها قبلت تتجوز واحد وهى عارفة إنه قلبه مش ليها وأنا حطيت شروطي عليها إننا هنكون زوجين على الورق، وظيفتها تربية البنت مش أكتر.
“حسام” ببسمة الم _مجتمعنا بيقسى على الست المطلقة فبيجبرها على حاجات هي مش عايزاها فبلاش تظلمها للمرة التانية ، وبعدين ليه متحطتش في إعتبارك إنها بتحبك .
تعالت ضحكاته بسخرية_ بتحبني! ، أنت متعرفش أنا بعاملها إزاى ؟
رمقه بنظرة مميتة_ طول مأنت شايف حبها ليك بسخرية وإستهزاء طول مأنت بتقرب من طريق الندم، متخليش ماضيك يزيدك قسوة عليها.
شعر “فريد” من حديثه بتأنيب الضمير تجاه تلك المسكينة فما ذنبها حقاً فى الأرتباط برجل بتر قلبه مع موت حبيبته وزوجته ومع ذلك هناك شعور قد تسرب إليه عندما رأها فى كامل زينتها فلم يدرك أكان إعجاباً أم مجرد رغبة عابرة!
“حسام” بأستغراب _رحت فين ؟
إنتبه له “فريد” فقال بحدة مصطنعة _مفيش ، وكفاية كلام عن الموضوع ده وياريت تقفله. إنتبهوا على صوت طرق باب المكتب؛ فولجت “فاطمة” للداخل حاملة القهوة، إبتسم تلقائياً حينما رأها فقال بهيام لحظه “فريد” جيداً _حطيه على المكتب وإتفضلى أنتِ ، وما أن إستدارت إستعداداً للإنصراف حتى أستوقفها بقوله_ولا أقواك أستني لما أدوق الأول وأحكم عشان أعرف هتستمرى فى الشغل معانا أو لا .
تلون وجهها غيظاً من قوله متحدثة بصوت منخفض_إيه ده هو هيذلنى بفنجان قهوة .
سمعها” فريد” فأبتسم وتطلع لصديقه متسائلاً بخبث_مش تعرفنا بالأنسة ؟
“حسام” بتذكر_أه دي أنسة “فاطمة” إتعينت النهاردة ضمن الفريق الجديد اللي بيدرب عندنا .
ثم إرتشف بضع قطرات من القهوة وأظهر على وجهه معالم الضيق عن تعمد فرتاعت “فاطمة” خوفاً من أن لا تستمر بالعمل فما نالته من فرصة عظيمة أن تتدرب فى مكتب عمالقة القانون، تابع “حسام” حديثه ببرود_مش بطال، أمال اللي كنت بشربه طول الفترة اللي فاتت كان أيه؟! .
تنفست “فاطمة” الصعداء وهرولت للخارج فضحك “حسام” وعيناه تتابعها ليفق على صوت “فريد”_إيه يا إبنى رعبت البنت وهى شكلها مش بتاعت مقالب .
” حسام.” بهيام_هى فعلاً رقيقة أوى ، وكيوتة كدا تحسها كيكة بالبسكويت
جذبه” فريد” بمكر_لا ده شكله حب من أول نظرة.
أجابه بعدما عاد لأتزانه _لا مش للدرجادي ، مش أنا اللي أقع بالسهولة دى ، ده مجرد إعجاب .
رمقه بنظرة مطولة محملة بالشك_لما نشوف
وتوجه للخروج قائلاً بتحذير_متنساش تحجز على الطيارة
رمقه بنظرة ضيق_مفيش فايدة ، عايز تهرب ؟أجابه بغضب _ مش هنرغي كتير بالموضوع دا
ثم ولج لمكتبه مواصلا عمله لساعات طويلة بدون كلل أو ملل ، حتى إنه لم يشعر بوجود رفيقه لجواره فقال بحزن_ كفاية كده النهاردة ،ويلا روح إستريح شوية .
رفع عيناه بثبات_روح أنت يا “حسام” ، أنا قاعد شوية .
وأمام إصراره تركه على وعد منه بعدم التأخير أكثر من ساعة ، ولكن مضى الوقت سريعا ولم يشعر إلا حينما دق بندول الساعة معلناً عن الثانية بعد منتصف الليل .
*********
جابت غرفتها ذهاباً وإياباً قلقاً من تأخيره الملحوظ، حاولت مراراً وتكراراً الأتصال به ولكن كانت تتراجع فى أخر لحظة حتى لا يغضب من إتصالها، إستجمعت شجعاتها وإتصلت به أخيرًا؛ فتعجب حينما رأى إسمها على هاتفه ، فشعر بالقلق فربما أصاب إبنته شيئا فأجاب بنوع من القلق _في حاجة؟ البنت كويسة ؟
أسرعت بالحديث _مفيش حاجة هى بخير، بس كنت بطمن عليك ، أنت أتاخرت أوى ، فيه حاجة ؟
إختلطت مشاعره بين الغضب واللين لقلقها عليه فقال بثبات_ عندي شغل وقربت أخلص وراجع ، نامى أنتِ ، ثم أغلق هاتفه دون سماع كلماتها، شعرت بغصة مريرة تطوفها من فعلته فحاولت أن تغفو ولكن جفاها النوم حتى تتطمئن على وصوله بسلام .
******
ولج “فريد” لغرفته فوجدها نورها مضاء يظهر فعلم أنها لم تخلد للنوم فقال دون النظر إليها _أنتِ لسه صاحية؟
أجابته بتردد _مجليش نوم غير لما أطمن أنك رجعت ، تحب أحضرلك العشا؟
تذكر إنه لم يتناول شىء طوال اليوم ومعدته تتضور جوعاً فلم يستطع رفض طلبها _ ياريت ، أنا فعلاً مأكلتش حاجة من الصبح.
“ريهام” بفرحة حينما شعرت بتغيره بالحديث معها_ثوانى ويكون الأكل جاهز عقبال متاخد الشور بتاعك.
إكتفى ببسمة بسيطة وعقله تستحوذه فكيف لها أن تكون بهذا القلب الناصع للبياض رغم ما يفعله معها، وبالفعل حينما إنتهى من حمامه وجد أمامه طاولة الطعام مليئة بكل ما طاب ولذ، تناول طعامه ببسمة إعجاب فمسح فمه قائلاً بهدوء _الاكل يجنن تسلم إيدك.
رمقته بنظرة مطولة يطوفها الدهشة والذهول فأقترب منها ببسمة هادئة، طافت العينان بعضهما بنظرات مطولة بأنذار بداية عشق .
فهل ستكون بداية حقيقية أم سيقف القدر عائق بطريقهما ؟
******______******
الفصل الثالث…
أخفض عيناه عنها قائلاً بثبات_شيلي الأكل..
أشارت له بارتبك ثم حملت الأطباق سريعاً فالخوف من تحوله الملحوظ جعل ذكريات قسوته تحدها من جديد، رجفة يدها جعلت ما تحمله يسقط أرضاً فأزداد إرتباكها أضعافاً حينما إستدار برأسه ليرى ماذا هناك؟، أخفصت يدها دون أن تتطلع لما تفعله فعيناها كانت تراقبه لتقول بخوفاً ملحوظ_أسفة هنضف اللي إنكسر حالا..
صاحت بألم حينما إنغرس الزجاج بيدها فأسرع إليها “فريد” ليعاونها على الوقوف قائلاً بحدة_مش تأخدي بالك…
ثم جذبها للفراش ليسرع للخزانة فأخرج علبة الأسعافات الأولية ليطهر جرحها، قال دون النظر إليها وهو يجذب الزجاج المغلف ليديها_هتوجعك شوية..
ثم جذبها ليعقم يدها، تعجب للغاية من سكونها رغم تألمها ببدء الأمر فرفع عيناه ليجدها تتطلع له بهيام، وجد ما أخبره به رفيقه يحتل عيناها، عشقه موصوم بحرافية، تمكن من قراءة إشاراتها، كاد بالأبتعاد عنها ولكنه شعر بما يريده القلب من هوس الجنون!، منح ذاته الفرصة فترقبها بصمت، إنصاع خلف مشاعره ورغباته الجياشة فرفع يديه يحرر حجابها لينسدل خصلات شعرها البني بحرافية، مرر يديه على وجهها ببطء فأغلقت عيناها بقوة، كادت أن تسقط حصونه أمامها ولكن ذكرياته بزوجته أبت ذلك!، أبعدها عنه بجفاد ،ليحاوطه شعور تأنيب الضمير حينما تذكر “ليان”، جحظت عيناها من فعلته ، ليغلفها الخوف مجدداً حينما عادت عيناه قاسياتان تحاوطتهما هالة من الجفاء..
قال بصوتٍ غاضب_متحاوليش تتقربي مني بطرقك القذرة دي..
وتركها وقد إبتلت وجنتيها بالدموع؛ فأرتمت على فراشها تبكي من فرط إحساسها بالقهر، أما هو فأضطر للجوء لأخذ حمام أخر ولكن هذه المرة حمام من المياه الباردة رغم برودة الجو ولكن ليطفىء نار قلبه المشتعلة، ثم أرتمى على فراشه محاولاً النوم لتداهمه الذكريات مع من ظن بأن قلبه عشقها للوهلة الأخيرة.
##
“فريد” بحب_ أخيراً اخوكِ رضى عننا وحدد معاد الفرح ، أنا مستني اليوم ده بفارغ الصبر.
“ليان” بمشاكسة_قد كده بتحبنى يا فيرو.
تطلع لها بنظرات عميقة للغاية قائلاً بهمس _ أنا بعشقك يا “ليان”
رددت بخجل _وأنا كمان
إقترب منها بخبث _وأنتِ كمان إيه ؟ قوليها نفسى أسمعها منك
إبتسمت بمكر_ هتسمعها بس فى الوقت المناسب
“فريد” بغضب_ودا أمته ده ؟
وقفت فجأة ثم ركضت من أمامه بمشاكسة_ .لما تمسكني يا خفيف.
تعالت ضحكاته فلحق بها بجنون وبسمات العشق تطوف بالعينان…
إنتبهت لصوته فاهتدلت بجلستها بعدما أوشكت على النوم لتستمع لصوته وهو يردد بأسم “ليان” ..
شعرت بغصة تحتل قلبها وتسائلت لمتى ؟ هى لا تريد أن ينساها ولكن على الأقل يشعر بها وبحبها له، سمعته يهذى بكلمات غير مفهومة فعمٌها القلق وترددت فى رفع الستار بينهم ولكن أردت الإطمئنان عليه ،فرفعت الستار لتجده يتصبب عرقاً ويكسو وجهه الحمرة ، فأقتربت منه وتحسسته بيديها فوجدت جسده كالنار من فرط الحرارة ، ذعرت خوفاً فأسرعت لإحضار طبق من الماء البارد مع قطعة قماش، ثم وضعت القماش المبللة بالماء البارد على جبهته لتخفض من حرارته ،فوجدته ينتفض فأرتجف قلبها معه وإنهمرت دموعها خوفاً عليه ، وأمسكت بيديها لتقبلها ،داعية الله أن يزيل عنه تلك الحُمى.
وهكذا تابعت عمل الكمادات من الماء البارد ،ثم ذهبت لتبحث عن أى دواء فى الخزانة لخفض الحرارة ، وما أن وجدته حتى أسرعت فساندته وهو لا يكاد يشعر بها ثم قدمت له الدواء ،مكثت بجانبه، تتحسس جبهته بين الحين والآخر لترى هل هبطت الحرارة أم لا ؟، وهكذا ظلت طوال الليل بجانبه ترعاه حتى غطت فى النوم وهى جالسة بجانبه من الإرهاق والتعب .
بالصباح الباكر.
فتح عينيه بصعوبة ليجدها غافلة على مقعدها وبيدها قطعة القماش المبللة وعلى المنضدة بجانبه زجاجة الدواء الخافض للحرارة؛ فعلم من ألالام التى بجسده إنه أصيب بالحُمى من جراء إستحمامه بالماء البارد، نظر لـها بشفقة على حالها ،وتأكد من حبها له وتفانيها فى إظهار ذلك بدون حديث ( فالأفعال أبلغ من الكلام حقاً) ، أراد أن يضمها مرة أخرى ويعتذر عن ما فعله معها، تسلل إلى سمع “ريهام” صوت بكاء الصغيرة ، فأضنتفضت من مكانها فوجدته ينظر إليها بشرود فأقتربت منه بلهفه_أنت كويس دلوقتى ؟
إكتفي بهزة بسيطة من رأسه فوضعت عيناها أرضاً بحزن ثم تركت الغرفة لتتفقد الصغيرة،ولج لحمامه الخاص فتوضأ لصلاة فرضه وقد شعر بالتحسن بعض الشىء ثم إرتدى ملابسه للتوجه إلى عمله وعندما همّ ليفتح باب غرفته ليخرج وجدها أمامه فقالت “ريهام” بخوف_رايح فين ؟
أجابها بأقتضاب_المكتب .
“ريهام” _أنت تعبان ولازم تستريح..
قال دون النظر إليها _لازم أخلص حاجات مهمة عشان مسافر كمان يومين إن شاءالله.
قالت بصدمة دون أن تعي ما تتفوه به _ هتسافر وتسبني ؟، قصدى هتسبنا ؟
أجابها محاولا تجاهل مشاعره _ شهر وهرجع إن شاءالله.
تمسكت بذراعيه ببكاء_.أرجوك بلاش السفرية دى وخليك معايا .
حرر يديها ثم إستدار حتى لا ترى الضعف فى عينيه تجاهها، ثم غادر على الفور
لم تجد ريهام سوى أن تلجأ لله عز وجل فتوجهت للصلاة وظلت تدعوا الله فى سجودها أن لا يسافر ويبعد عنها .
**********
.فى المكتب
ولج “فريد” إلى الداخل بوجه يملؤه الحزن قائلاً بغموض_عايزك تهتم بق*ض*ية ( زين العابد ) وياريت تتولى الدفاع فيها بنفسك .
“حسام” بغضب_برده هتسافر مفيش فايدة ، عايز تهرب ، بس الق*ض*ية دى مهمة أوى وكان الأفضل وجودك فيها ، أنت عارف المتربصين كتير ( لـ زين العابد ) وكله منتظر يخسر فى الق*ض*ية ، وهو حاطط أمل كبير على الله ثم عليك أنت وهيزعل أوى لو عرف إنك سبت الق*ض*ية وسافرت .
“فريد” بهدوء _ غصب عنى ، وهو أكيد هيطلع منه لإنه فعلا مظلوم ، بس بعد كده لازم ياخد إحتياطته كويس وميبقاش بالطيبة دى وسط وحوش السوق ، عشان يستعد للضربة الجاية منهم ، أكيد هتكون قاتلة لو مخدش باله .
“حسام” بضيق_خلاص ، لازم تقابله قبل متسافر وتفهمه على كل حاجة .
أشار له بتأكيد _إن شاءالله.، شوف المهم أيه عشان ابص عليه لاني شوية وراجع البيت.
“حسام” بأستغراب_..مالك ؟..
أشار له بهدوء _تعبان شوية بس
أسرع إليه بلهفة_شكلك مجهد فعلا طب روح إرتاح انت وأنا هنا. ويفضل بلاش السفرية من أساسها..
فريد _مش يمكن السفرية دى اللى تقدر تخلينى إنسان طبيعى .
“حسام” بود_إن شاءالله يا صاحبى ، هترجع فريد اللي أنا أعرفه .
ثم تركه ودلف لمكتبه ليتابع عمله ، وما هى إلا لحظات حتى وجد مكالمة منها فأبتسم لا إراديا، رفع الهاتف ليستمع لصوتها الباكي فقالت بثبات مخادع_عامل أيه دلوقتى، لو حسيت إنك تعبان إرجع على طول .
حاول تصنع الجفاء ولكن لم يستطيع _متقلقيش أنا كويس .
ثم صمتت للحظات لتتابع بأرتباك_طب فكر تانى فى موضوع السفر ده ، أنا محتجالك قصدى كلنا محتجلك وخصوصا “عهد”
“فريد” بحدة_أرجوكِ يا ريهام ، الموضوع منتهى ، هسافر يعنى هسافر
ثم أغلق الخط وقد أربكته مشاعره وما عاد يدرى ما هو الصائب ، هل يسافر أم يظل بجوارها ؟.
********
دلفت “فاطمة” لمكتب حسام والارتباك يستحوذ عليها من ألا تكون أحسنت فى وضع المخارج القانونية فى الق*ض*ية التي كلفها بها
أدرك إرتباكها فأردا أن يخفف عنها بالمزاح_ ها هطلعيه براءة ولا شكلك هتلفى حول رقبته حبل المشنقة .
عضت شفتيها غيظاً من الإستهانة بقدرتها ولكن تمالكت نفسها وهو يكاد ينفجر من الضحك على منظرها فقالت بغضب_انا مش عرفة إيه اللي بيضحك حضرتك ؟، على العموم الملف بتاعه اهو ، وأنا كتبت ملاحظاتى فيه وكتبت عدة نقاط مهمة نقدر بيها على الأقل نخفف الحكم ده لو مخدش يعنى البراءة .
أعجب بثباتها وثقتها فى نفسها فالتقط منها الملف بشغف ليقرأ ما دونته .
وهي تتأمل ملامح وجهه لتعرف منها هل فعلا أحسنت أم لا ؟
فوجدته يبتسم فوضعت يدها على قلبها لعلها تخفف نبضات قلبها المتسارعة خوفاً.
“حسام” بأعجاب_.لا بجد شابوه ليكِ يا بطة ، بالنسبة لأول مرة كويس أوى ومش بطال .
إبتسمت فرحاً ولكن ما لبثت أن تجهم وجهها مرة أخرى، فقال متعجباً._إيه مالك مكنتِ كويسة ورقيقة قلبتى ليه علي جعفر كدا؟
“فاطمة” بغيظ._إسمي الأنسة “فاطمة” .
ثم تركته وغادرت المكتب وهى غاضبة ، ولكنه زاد إعجابه بشخصيتها وحيائها وقرر أن تتولى معه ق*ض*ية “زين العابد” وإصطاحبها معه إلى المحكمة فهتف لذاته بغرور_ ودى فرصة كبيرة أوى بالنسبة لمحامية تحت التمرين
*********
دلفت الحاجة زينب إلى غرفة “ريهام” فوجدتها تحمل “عهد” وتضمها لصدرها بحنان وكأنها تسنتشق بها عبيره بها، أشفقت عليها فربتت على كتفها بحنان ، وأخذت منها الصغيرة ثم أجلستها بجوارها ومسحت بيديها دموعها وابتسمت قائلة_ أنا بحبك زى بنتي اللي مخلفتهاش وعندى إحساس إنك بتحبى “فريد” ، بالرغم من معاملته القاسية معاكِ ، فأنا عيزاكِ يا بنتى معلش تصبرى عليه شوية وتديله فرصة ، فراق “ليان” مكنش سهل أبداً عليه ، ده كان هيروح فيها بس ربنا ستر ، فمعلش يا بنتى أعذريه واصبرى وأنا حاسه إنه بدأ يحس بيكِ.
“ريهام” بدموع._بحاول بس هو اللي بيهرب منى ومن مشاعره
تطلعت لها بحزن ثم قالت بانين صادق_ربنا يهديكم الحال يا حبيبتي
********
ومازال البائس” طلعت” مُنسكب فى المحرمات وشرب الخمور لينسى ضعفه على توعداً لريهام بالإنتقام بعدما تركته وتزوجت من “فريد”
فأخذ يفكر ما يفعل ليعكر صفو حياتهم التى كانت تتماثل للشفاء بعد معاناة من القسوة والنفور
وربما ستأتى الرياح بما لا تشتهي السفن!!
***_____*****
الفصل الرابع….
كم أنت قاسى إيها الفراق على المتحابين، فحينما نودع الحبيب المسافر فإنه يأخذ القلب معه لأنه ينبض فقط لوجوده..
أخبر “فريد” والدته فى ليلة السفر بقرار سفره، خشية من ردة فعلها فقالت ببكاء الحاجة_كده يا “فريد” ،هان عليك أمك تسافر وتسبها ، طيب لو مكنتش غالية أنا عليك ، طيب بنتك هتقدر متشفوهاش ده كله، ومراتك اللي مستحملة طبعك وعشتك ، ليه بتزود عليها كمان الفراق ؟ ليه ده كله يا ابنى ؟ حرام عليك نفسك وإحنا كمان معاك .
ألهبته كلماتها فهو يعلم قبل مواجهته بمقدار صعوبة ما سيواجه ولكن ما باليد حيلة ، كان يجب عليه الأقدام على هذا السفر لوضع النقاط على الحروف وليعلم حقيقة مشاعره نحوها، أراد إعطاء نفسه فرصة للتفكير بدون قيود ليسيطر على مشاعره الجياشة نحوها وأيضا لإحساسه بالذنب نحو وزوجته الراحلة فقال متحاشياً النظر إليها_يا أمى أرجوكِ متتغطيش عليا أكتر من كده ، أنا فعلاً محتاج السفر ده ضرورى بجد .
الحاجة “زينب.”_ ما الأمور يا ابنى بقت واضحة زى الشمس ، ولا فاكرنى مش واخدة بالى ، أنت رغم كل اللي بتعمله ده ، بس عنيك فضحاك ، أنت حبيتها بس مش قادر تواجه نفسك .
قبل يدها بحنان ليقول بصوتٍ هادئ _ يا أمي، أنا عارف كل اللي بتقوليه ده ، بس أنا محتاج أبعد شوية فمعلش سبينى أحدد انا محتاج إيه وأوعدك إن شاء الله مش هطول .
قالت بنفاذ صبر_أعمل اللي يريحك يا حبيبي ، المهم راحتك .
ودعها وبالكاد كان يخفى عبراته ثم التفت ليجدها تحمل إبنته ووجهها يفصح عما فى قلبها ، أخذ منها الصغيرة ليحتضنها بحنان طابعاً قبلاته على وجنتها بحنان، تناولتها منه والدته لتشير لربهام بمكر _وصلي جوزك لبرا يا بنتى.
توجهت “ريهام” معه للخارج ومع كل خطوة كاد قلبها بأن يتوقف عن الخفق؛ فتحاملت على ذاتها وتحلت بالثبات إكتفت بالنظرات فقط التى لا تكفيها الكلمات .
وضع الحقائب بالسيارة وعيناه تراقبها بأهتمام، وجدها تلتزم الصمت حتى أنها إستدرات لتعود للداخل بعدما إنتهى من حزم الحقائب فقال ببسمة مهلكة حد وسامته_مفيش حتى ترجع بالسلامة .
كانت كلماته هذه كفيلة بترميم مشاعرها المجروحة،كأنه منحها إذنٍ بأن تفعل ما يملاه هذا القلب غير عابئة لقانون قسوته المميتة، فأرتمت فى أحضانه تبكى وتنتحب ،فأهتز جسده على أثر إحتضانها المفاجأ، شعر بحبها يتغلغل بداخل قلبه الغامض ولكن كيف عليه بمواجهة عقله الذى سيق*تله من فرط الإحساس بالذنب ، أبعادها عنه برفق هذه المرة ثم قبل جبينها ورتب على كتفيها بحنان بالغ قائلاً بهمس كلماته الساحرة_ أنا مش مسافر العمر كله..
رفعت عيناها التي يكسوها الدمع والذهول بأنٍ واحد فرفع يديه يحتضن وجهها بمشاعر متلخبطة ليخرج صوته أخيراً _عايزك تسامحيني علي معاملتى وأسلوبي معاكِ
رفعت يدها بأرتباك من أن يتبدل لطوفانه القاسي، مررت يدها على أصابعه التي تحتضن وجهها قائلة بصوتٍ باكي _عايزنى أسامحك؟
حركتها أثارت مشاعره الجياشة فأغلقها بقوة ليستعيد إتزانه مجدداً _أكيد.
قالت وعيناها تتأمله بعشق ودموع لا حصى لها _لما توعدنى أنك هتديني فرصة أكون بحياتك وإنك ترجعلي بأقرب وقت..
تطلع لها طويلاً وهي تترقبه بلهفة، حرر يديه من على وجهها قائلاً بهدوء_تصبحي على خير يا “ريهام”…
أغلقت عيناها بمشاعر متلخبطة ما بين الحزن لعدم إجابتها أم بالسعادة لنطقه لأسمها لأول مرة لم تجد السبيل سوى ترقب سيارته وهي تبتعد عنها بدموع غلفت وجهها..
**************
فى مكتب “حسام” ..
شعرت بأن هناك أمراً مريب خاصة بتعامل الجميع معها، فكانت ترى بأعينهم حديث لا نهاية له حتى أن مرت من أمام أحدهما يتهامسون من أمامها بطريقة ملفتة؛ فشعرت بأن هناك خطأ ما، أشارت لها السكرتارية الخاصة بحسام قائلة بسخرية بادية للغاية من حديثها_آنسة “فاطمة” المتر طلبك وطبعاً متنسيش فنجان القهوة اللي بتظبطي بيه دماغه
ثم أطلقت ضحكة سخرية وضحك على إثرها من بالمكتب جميعاً ، شعرت بالحرج الشديد والغضب من حديثها المسيئ عنها ولكنها حاولت تجاهلها فولجت لغرفة مكتبه بضيق، رأها تقترب لتقف أمامه فقال ببسمة هادئة_في معادك بالظبط..
ثم قال بأستغراب _أمال فين فنجان القهوة بتاعتي ؟
قالت بغضب لا مثيل له بعدما تمكن من بالخارج بذرعه _أنا مش ساعي هنا أنا محامية زيك ، ولو فنجان القهوة هو اللي هيخليني أستمر هنا ، فأنا مش مش عيزة الشغلانة دى ،وأفضلي أشوف حد يقدرنى كمحامية.
تعالت ضحكات “حسام” بسخرية_وإيه كمان ؟ كملي ؟
جزت على أسنانها بغيظ_أنت إنسان مستفز صراحة، كل اللي قولته دا وبتضحك!
نهض عن مكتبه ليقف أمامها بهيام قائلاً بكلماته البطيئة متعمداً إثارتها _حاولت أتحول كعادتي مع حد يتعدى حدوده معايا بس صراحة ،شكلك لذيذ وأنتِ متعصبة وخصوصاً خدودك..
كبت خجلها بصعوبة لتقول ببسمة غيظ _مستر “حسام”..
أجابها ببسمة هيام_ نعم يا بطوطة .
إبتسمت بسخرية _بطوطة مستقيلة ،سلامو عليكو .
ثم أدرات وجهها للمغادرة ولكن إستوقفها صوته الجادي_أنسة “فاطمة”.
إستدرات بخفة ليقترب منها “حسام” قائلاً بخبث_ولما حضرتك تستقيلي ، مين هيمسك معايا ق*ض*ية “زين العابد” ؟، أول جلسة بعد يومين .
جحظت عيناها ببلاهة فقالت بأرتباك _حضرتك بتقول مين ؟
إبتسم بمكر_ يعني يا بطوطة سمعك تقل دلوقتي! ، بقلك “زين العابد” .
“فاطمة” بعدم تصديق_”زين العابد” بتاع الحديد والصلب !
كبت ضحكاته بصعوبة قائلاً بمرح_ لا بتاع الأحذية..
ثم إعتدل بوقفته بجدية مصطنعة _ هو فى غيره ولا أشهر من قضيته .
قالت بتلعثم_أنا متخرجة من سنة بس ولسه ألف باء قانون أمسك ق*ض*ية بالحجم دا ؟
تعالت ضحكاته بعدم تصديق فقال بسخرية_مش كنتِ كفاءة من شوية ، راحت فين الثقة دي؟
أجابته بعبوس_راحت مع الأستقالة .
إنحني ليكون مقابل لها قائلاً بغرور_وإستقالة حضرتك مرفوضة وياريت تبصي علي ملف الق*ض*ية وتدرسيه كويس، عايزه يكون على مكتبي بكرة الصبح وفيه كل الطرق القانونية اللي نقدر نخرجه بيها من الورطة اللي حطوه فيها ولاد الأبلسة دول.
رمقته بنظرة متفحصة ثم قالت بأستغراب_وحضرتك ليه متأكد إنه برىء كده ، مش ممكن فعلاً يكون مُدان ؟
أجابها بثقة _”زين” مش مجرد عميل عندنا ،ده صديق وعشرة عمر ليا أنا و” فريد” وعارفين أخلاقه كويس،ومش هو أبداً اللي يستورد حديد مغشوش وخصوصاً بالسعر اللي دفعه فيه ده ، أكيد حد من أعدائه ورطه فى الصفقة دى وهو عارف إنه مغشوش على العموم الملف معاكِ ، إدرسيه كويس وإكتبي ملاحظاتك.
أجابته بحماس _تمام يا متر ، بس طلب أخير معلش
إبتسم بغرور_إتفضلي
أجابته بخجل_بلاش بطوطة دى ، عشان الزمله برا بيتغامزوا عليا .
تهجمت ملامحه فتخل عنه المرح لترى جانب شخصيته المعتمة ليقول بحدة_ايه اللي حصل بالظبط ومين اللي إتكلم؟ .
إرتباها الذهول من جديته فقالت بأرتباك_الأغلب..
أشار لها بضيق _ سيبهملي، روحي أنتِ على مكتبك..
أشارت له بهدوء ثم غادرت على الفور.
************
جلس مقابل له بأرتباك لحظه الآخر فقال بأستغراب _ مالك مهزوز كدليه؟..
قالها “فؤاد سليمان” رجال الأعمال الشهير والخصم القوى لزين العابد، أجابه “سليم” بتوتر _خايف يطلع منها ونقع إحنا يا باشا فى شر أعمالنا .
“فؤاد” بسخرية_.أنت عبيط ولا إيه ،مش “فؤاد” اللي يقع بالساهل كده وإحنا مظبطين الموضوع ومفيش أى منفذ يخرج منه .
“سليم” بضيق_بس “فريد” و” حسام” اللي ماسكين قضيته مش أى حد وياما كسبوا قواضي كانت أصعب من كده وخرجوا المتهمين زى الشعرة من العجين .
تعالت ضحكاته بسخرية_لا المرة دى هتكون بداية الفشل ليهم .
تطلع له بأستغراب _شكلك واثق ومتأكد من اللي بتعمله ، ثم قال بلهجة شك_هو في حاجة أنا معرفهاش ؟
لمعت عيناه بالمكر قائلاً بغموض_متقلقش أنت بس ، وسبنى أنا اتصرف
“سليم” بتصميم_ فهمنى اللي فيها عشان أكون مطمن .
أجابه بهدوء _ كل ق*ض*ية مش لازم يكون ليها ملف ومن غيره مش هيعرف سي “حسام” ولا “فريد” يتصرفوا ؟
“سليم” بتأكيد_لا طبعاً..
أجابه ببسمة مخيفة_ أهو الملف دا بقى هيكون على مكتبي خلال ساعة من دلوقتي .
تعالت ضحكاته بأعجاب_.أنت داهية يا “فؤاد” ،بس إزاى عرفت تحط طعم فى مكتبه ويجبلك الملف! .
أجابه بسخرية_كل حاجة بتمشى فى البلد دى مدام معاك فلوس .
************
بأحد الفنادق على شاطيء “الريفيرا” “بفرنسا”، وقف “فريد” يتأمله بشوق لزيارته الأخيرة فسبح بذكرياته التي حملته بها .
##
“ليان” بغضب_قوم بقى عايزة أنزل أتمشى ، هو انت جاي هنا عشان تنام .
فتح عيناه بصعوبة قائلاً برجاء _ سبيني بس أريح ساعة ، وبعدين يا روحي هوديكِ أي مكان عايزة تحبيه.
أجابته بطولة وهي تجذب الغطاء من عليه بغضب_ أنا عايزة أروح دلوقتي حالا
زفر بضيق_إيه شغل العيال ده!!..
ضربت رآسه بالوسادة قائلة بحدة_أيوا عيلة ولو مقمتش دلوقتى هعيط وهلم عليك الاوتيل كله.
تعالت ضحكاته بعدم تصديق_ وعلى أيه الطيب أحسن.
أفاق على رنين هاتفه فرفعه بثبات ليجد والدته _كدا يا “فريد” مش قلتلى أول متوصل هتكلمنى على طول ،دي مراتك كنت حاسه أن هيجرالها حاجة من الخوف عليك!…
صفن قليلاً بها فحتى بعزلته تلاحقه دون توقف فزفر بألم _أروح فين تاني!
أجابته “زينب” بأستغراب_بتقول إيه يا حبيبى؟ .
قال بهدوء _مفيش يا أمي، أنا بخير طمنيها .
ثم قال كمحاولة لتغير الحديث_”عهد” فين وحشتني في الكام ساعة دول!
أجابته بخبث_” عهد” بس اللي وحشتك ؟
قال سريعاً _وأنتِ طبعاً يا ست الكل .
=ومفيش حد تانى وحشك ، حد معذب نفسه عشان بس كلمة حلوة منك .
زفر بغضب_.وبعدين بقى ، أرجوكِ سبينى يومين أقرر أنا عايز إيه ؟
قالت بعتاب _.وملقتش غير فرنسا ونفس الاوتيل عشان تقرر؟!.
ثم قالت بهدوء_نصيحة يا ابنى شوف مكان تانى عشان تحكم عقلك قبل قلبك .
أجابها بحزن_ياريتنى أقدر يا أمي.
= أستعين بالله وكلمه وهو سبحانه عمره مهيخيب ظنك أبداً
أجابها بأيمان _ونعم بالله .
أغلق معها الهاتف ثم جلس على أحد المقاعد بمحاولات مستميتة لتذكر ملامح “ليان”فكم إشتاق لملامحها البريئة الهادئة ولكن ما ثبت فى ذهنه الآن ويكاد يراها أمام عينه هى “ريهام” فتعجب لحاله ، أحقاً حفظت صورتها عن ظهر قلب ثم تذكر جلوسها بجانبه ليلة كاملة وهو محموم فأبتسم بتلقائية، قرر كما وصته والدته أن يلجأ لله ليزيح ما فى قلبه من هموم ، فتوضأ وصلى ركعتين وأطال فيها السجود وذرفت عينه بالدموع حتى إبتلت سجادته مناجياً الله عز وجل أن يهديه للصالح، أفاق من نومه على صوت رسالة وصلت إلى هاتفه من رقم مجهول ففتحها ليتفاجأ من محتوياتها
” إزيك يا متر ، أنا واحد بيحبك وقلبى عليك وبنصحك لوجه الله ، خلى بالك من أهل بيتك ، عشان محدش يجيب سيرتك بكلمة كده ولا كده”
تعجب من الرسالة ، فأجابه رسالة فيها أخرى
“قصدك إيه بأهل بيتى”.
إبتسم “طلعت” هامساً بسخرية_ لما اخبط على الحديد وهو سخن
فبعث له رسالة صريحة _” مراتك ال عمله نفسها الخضرة الشريفة”!…
*************
#الفصل_الخامس…
بالمكتب…
إنتظرت حتى خرج الجميع من المكتب؛ فبحثت عن الملف بكل مكان ولكنها لم تعثر عليه، جلست على المقعد بأهمال محدثة ذاتها بخوف_يا وقعة سودة ، راح فين بس الملف ، هقول إيه “لفؤاد” باشا دلوقتى ، هيصدق إنى مش لاقياه؟ ، طيب والفلوس اللي هتروح عليا دى…
صدح رنين هاتفها فرفعته بعيداً مرتعشة فقالت بصعوبة بعدما جف حلقها من فرط الخوف_أيوا يا باشا، الملف زي ميكون فص ملح وداب .
صاح بغضب_أنتِ بتستهبلي يا بت أنتِ ،إسمعي لو كنتِ طمعانة في قرشين زيادة قولي وأنا هديكي اللي أنتِ عايزاه..
قالت بخوف من لهجته _صدقني أنا فعلاً مش لقياه. .
تجاهل حديثها ليقول بتحذير _ بكرا لو الملف ده مجنيش قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم .
**************
جلست أمامها بتوتر ملحوظ إلى أن قررت قطعه قائلة بخجل_أنا كنت عايزة أروح أقعد يومين عند بابا عشان وحشنى وحاسة أنه تعبان شوية…
أجابتها الحاجة “زينب” بهدوء_بس “عهد” اخدت عليكِ ومش بتسكت غير معاكِ .
طبعت “ريهام” قبلتها على وجه الصغيرة التي تجلس على قدميها فقالت ببسمة يكسوها الحب_وأنا كمان مش عرفة هقعد من غيرها إزاى ؟
ثم قالت بتردد_هو ممكن أخدها معايا ومتخفيش عليها دي في عيوني ؟
أجابتها سريعاً _لا يا بنتى ، فريد لو عرف هيزعل ، فخليها بس أنتِ متغبيش يعنى باتى الليلة وتعالى الصبح بدرى .
أشارت برأسها بتفهم_حاضر هحاول أن شاء الله ، بس متنسيش تكلمى “فريد” تقوليله، لإنى حاولت أكلمه كتير مش بيرد .
إنغمس الحرم بقلبها فقالت كمحاولة للتخفيف عنها _ يمكن مشغول .
إبتسمت بسخرية وألم يكاد يخترق أضلاعها_ربنا يعينه ويرجع بالسلامة .
حاولت الحاجة “زينب” أن تغير مجرى الحديث فقالت ببسمة يغلفها الحب والحنان _خدى بالك من نفسك وطمنينى عليكِ لما توصلى
**********
كتب “فريد” رسالته للرقم المجهول الذى أرسل له الرسالة والغضب يكاد يفتك به_قصدك إيه ؟
أجابه “طلعت” برسالة أخري أكثر إستهزء_مسألتش نفسك أيه السبب ورا طلاقها؟، طب بلاش دي أنت عارف ان طلقيها كان كل يوم بيضربها وصوته بيجيب لأخر الشارع بالكلام عنها؟
=كلام أيه دا؟
_بيقول أنها كانت ماشية على حل شعرها مع إبن عمها اللي بتحبه ، وهو نايم فى العسل ولما ناس شفوها وصوروها وبعتلوه كان هيجنن ويق*تلها بس الجيران اللي حشوها من تحت ايده .
ألتف العالم من حوله فشعر بأن قدماه لم تعد تحمله، جلس على أقرب مقعد وعقله يكاد يجن من التفكير، حاول أن يلقي بكلام هذا الرجل خلف ظهره ولكن ماذا أن كان حديثه واقع أليم؟!!!.
أما هذا اللعين فلم يكتفي بعذبها معه وعنائها، فكان يفرغ شحنة ضعفه الرجولي عليها بالضرب، كاد أن يجن بعدم قدرته على الحصول عليها وهي لجواره، فكرة كونها مازالت عذراء كانت تجعل الدماء تشتعل بوجهه لذا كان ينكب عليها بالضرب المبرح حتى يرضى غروره كرجل!!، لم يكتفي بكل ذلك فعاد ليقذفها بأبشع التهم ليهتك عرضها المصون لم يخشى الله سبحانه وتعالى !، ألم يخشى قوله عز وجل.
بسم الله الرحمن الرحيم
“إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝
أى خرج من رحمة الله فى الدنيا والآخرة وهذا لجرم فعلته ….
طالت فترة سكونه والهاتف يضي بيديه بعدة رسائل، ارتجفت أصابعه في محاولات مستميته بأن لا يعيره إهتمام فرفع هاتفه ليكتب بتردد_لو فاكر أن هصدق الحوار الاهبل دا تبقى حمار.. .
=ولو جبتلك الدليل .
إنعقد لسانه عن الحديث فكتب بأصابع تكاد تخطو مصيره_ عايزك بس تتأكد من حاجه إنك لو بتكدب هجيبك ولو تحت سابع أرض .
=عيب يا باشا ، ده انا هجبلك بالصور كمان .
يعلم جيداً بأن “فريد أيوب” محامي محترف بفعل عمله لذا أستعان بصوراً حقيقية كانت تجمع “ريهام” بأبن عمها يوم خطبتهم نعم كان خطيبها قبل الزواج من هذا اللعين لتذق شتى العذاب على يديه وها هي الأن ترتشف من نفس الكأس على يد من ظنت بأنه العوض من عما رأته!!
رأي “فريد” الصور فنهض عن مقعده بغضب جعل عيناه مخيفة للغاية فألقي بالمزهرية أرضاً قائلاً بصمت كهلاك الموتى_ بنت ال ….وأنا اللي كنت هديها فرصة وادوس على قلبي …
جذب حقيبته ليجذب متعلقاته سريعاً فشعر بأنه على وشك الأنهيار، جلس جوار الحقيبة يشدد على خصلات شعره كمحاولة للتحكم بغضبه الجامح فجز على أسنانه بعصبية_ أكيد دلوقتى بتخونينى معاه وأهي فرصة وأنا غايب زى مخونتى الأولانى ، وحبكة الدور أوي انها مش عايزاني أبعد..
أطبق على معصمه بقوة جعلته يكاد ينكسر من فرط قوته فقال بوعيد_زي ما دخلتك بيتي بأيدي هخرجك وبأيدي برضو بس بعد ما أخلص القديم والجديد.
وحجز على أول طائرة ليعود إلى مصر سريعاً ليتدهور الحال بينهم أسوء بمراحل عما كان فى البداية لتنال هذة الفتاة نصيبها الكافي من الظلم ولكن تلك المرة ستكون أشد فالجراح من الحبيب لا يغدوها مسكنات..
************
ظلت تعمل على الملف طوال الليل حتى أنه لم تشعر بولوج والدها لغرفتها فقال بأستغراب_إيه يا بنتى الفجر قرب يشقشق ، وأنتِ لسه قعدة بتشتغلى ، ريحى نفسك ساعتين عشان تقدرى تروحى شغلك بدرى فايقة.
أجابته “فاطمة” ببسمتها الهادئة_معلش يا قلب بنتك ، فاضل كام حاجه بس وهقوم أهو، دعواتك بقى يا غالي أن ربنا يوفقنى فى الق*ض*ية دى بالذات لإنها هتبقى نقلة كبيرة بالنسبالي انا مكنتش أتوقع اني همسة ق*ض*ية بالحجم دا وأنا لسه فى أول الطريق كده ،ربنا يبارك في المتر “حسام” بس لو كان أ..
إنقطعت كلماتها حينما تذكرت أن والدها من يقف أمامها فأكتفت ببسمة صغيرة فقال بأستغراب_لو كان إيه ؟
حدثت ذاتها بهيام_يتعلم الادب شوية إلا هيجننى،إبتسمت حينما تذكرت كلمته فيجن جنونها بها “بطوطة”..
خرجت من بحور شرودها قائلة ببسمة هادئة_مفيش حاجة يا حاج ، أدخل أنت إستريح وأنا هستنى الفجر بالمرة أصلي .
طبطب على ظهرها بحنان_ماشي يا حبيبتي..
وغادر لغرفته بينما ظلت هي تتقن الملف جيداً حتى وجدت كل المخارج القانونية التى يمكن أن يتلاعب بها “حسام” لأسقاط التهمه عن “زين العابد”، مرت الساعات القليلة عن عملها بفترة نوم قصيرة ثم شرعت بأرتداء ملابسها للتوجه للعمل، أدت صلاة الضحى بأرتياح فهي تعلم إنها تعادل صدقة عن ستمائة وثلاثون مفصل فى الجسد لذا (سماها رسول الله صل الله عليه صلاة الاوابين ووقتها بعد شروق الشمس بربع ساعة إلى أن يأتى وقت ظهيرة قبله بربع ساعة).. ..
***********..
بمكتب “حسام الزيني”..
صعدت الدرج سريعاً بعدما تعطل المصعد ثم توجهت لمكتبه فرأتها “منى” وهي تكاد تركض بخطاها لمكتبه، لمحت بيدها الملف فجن جنونها لتهمس بذهول _ وصلتى معاه للدرجة أنه يأتمنك على ملف أكبر ق*ض*ية فى المكتب ، ويا ترى كل ده لوجه الله ولا ليه مقابل صحيح ( ياما تحت الساهى دواهى )
ظنت بها السوء ولكن ما يعنيها الأن الملف الذي تحمله بيدها…
ولجت للداخل فأستقبلها “حسام” ببسمة بسيطة _ها يا متر بطوط ، عرفتي توصلي لحاجة من الملف ولا نشرب بدل القهوة شاى بالياسمين .
عبست “فاطمة” بعينيها، فتدارك ما قال ليستكمل حديثه ببسمة مرح _خلاص بلاش بطوط يا آنسة “فاطمة” حلو كده ؟
إبتسمت برضا،فتطلع لها بنظرات غامضة للغاية ولكن على الأغلب يسودها الأعجاب فقال بثبات حاول التحلي به_ طيب قوليلى بقى عملتى إيه ؟
قصت عليه بعض المخارج القانونية للخروج من هدا المأذق فتأمل سردها المنمق وتحليلها الأحداث بكفاءة، أنهت كلماتها بخوف_ها إيه رأيك ؟
لم يجيبها فنظرت إليه بأستغراب لتجده يسدد النظر إليها فارتبكت للغاية لتضرب بيديها المكتب بطرقات خفيفة لينتبه لها، أكتفي ببسمة هادئة قائلاً بنظرات لا تفارقها_ برافو يا بطوطة، بكرا إن شاء الله فى المحكمة نقدر نتكلم فى التفاصيل دى يمكن نقدر نوصل لنتيجة مرضية .
أشارت له بخوف_يارب ، أنا متفائلة خير .
*********
أنهت “ريهام” ترتيب المنزل وإعداد بعض الطعام وحفظه فى البراد لوالدها المريض ثم توجهت إلى مقعده قائلة ببسمة ساحرة_ اى حاجة تانية اعملها قبل ما أمشى يا بابا..
تطلع لها بحنان _.لا يا بنتى كتر خيرك ، تعبتى نفسك .
أجابته بحزن مصطنع_متقلش كده يا حبيبى ، تعبك راحة.
ربت على كتفيها بحنان _.طيب يلا عشان الحاجة “زينب” متقلقش عليكِ.
“ريها” م بمداعبة_هو أنت ليه عايز تطرئنى ، متكنش مستني موزة حلوة تجيلك .
تعالت ضحكاته بعدم تصديق_ هو انت بتاع الكلام ده ، انا معرفش غير موزتين في حياتي ، امك الله يرحمها وأنتِ وربنا يباركلك لي فيكِ يارب ويعوضك خير ، وتشدي حيلك كده وتجبيلي بيبي صغنون كدا أفرح بيه .
اومئت رأسها بحزن، فوالدها لا يعلم إنها بالرغم من زواجها مرتين إلا إنها مازالت عذراء ، فالأول مريض والأخرى متحجر القلب فيا لحظها العسير…
***********
غادرت البناية التى يقطن بها والدها فتصنمت محلها حينما رأته أمام عيناها ،تراجعت للخلف خوفاً من بطشه المعتاد فأقترب منها “طلعت” بسخرية_عدي يا حلوة متخافيش ، الحساب مش معاده دلوقتي، الحساب جاي..
وتعالت ضحكاته المخيفة للغاية لتتمسك على ذاتها وتغادر من أمام عيناه ولكن شعرت من كلماته بالقلق وأحست بأن هناك ما يخفيه ، فدعت الله أن ينجيها منه ، فكفى ما نالته منه، فأسرعت بالتوجه لمنزلها فربما لا تعلم ما يعده لها “فريد” فما يفصلها عنه هي بضعة ساعات بعدما تأجلت رحلته لأسباب متعلقة بالطيران ولكن ترى هل ستتقبل بكونها ضحية للمرة الثالثة؟!!!
**********
صباح اليوم التالى، توجه “حسام” للمحكمة فوقف ينتظرها بعد أن أمرها بأحضار الملف من مكتبه قبل أن تتبعه إلى المحكمة .
بحثت” فاطمة” عن الملف كثيراً ولكن للاسف لم تجده، فحدثت ذاتها بأرتباك_هيكون راح فين يعني، أنا شيفاه بعينى بيحطه فى درج المكتب ؟
ثم قامت بالبحث مرة أخرى ولكنه لم تجده فأستسلمت للأمر الواقع وخرجت لتلحق به سريعاً حتى تخبره بما حدث، تابعت “منى” خروجها من المكتب قائلة بسخرية_ أستلقى وعدك بقى .
أسرعت “فاطمة” إلى المحكمة ، فما أن رأها “حسام” حتى إقترب منها قائلًا بضيق_أيه اللي أخرك كده ؟ الجلسة خلاص هتبدأ كمان خمس دقايق ..
كادت بالحديث فقطعها بضيق_ مش مهم هاتي الملف عشان مفيش وقت…
إستحوذ عليها الأرتباك حتى كادت بالتعثر فقال بأستغراب_ فين الملف ؟
قالت بتلعثم_.الملف مش موجود بمكتب حضرتك..
تطلع لها بصدمة ثم صاح بغضب _أزاي مش موجود أنتِ هتهزري؟
إبتلعت كلماتها برعب فيكفي رؤيته بهذا الوجه الغاضب ولأول مرة فشعرت كأنها من إرتكبت الجرم ولكن ترى ما المخبئ لها؟؟…
قلوب عانت من قسوة القدر ومصيرها محتوم بآلام ولكن ماذا لو كان هناك خيط خفي بينها وبين الواقع؟.
****______******
….
إقتربت منه قائلة بهدوء معاكس للخوف الذي يفتك بها_ .إهدى أرجوك ، الإنفعال مش هو الحل ،لازم نفكر بهدوء عشان نشوف هنعمل أيه ؟
خرجت الأمور عن سيطرته فقال بغضبٍ ساخر_ هدوء! ، أنتِ عارفة ملف زى ده يضيع يعنى إيه ؟
يعنى سمعة سنين كتيرة عملناها أنا و”فريد” بمجهودنا وتعبنا هتضيع فى ثواني ، مش بس كده ، صديق عمرنا اللي رقبته متعلقة فى إيدينا ووثق فينا هنقوله إيه دلوقتي ؟
أجابته بدموع فشلت بكبتها _مهو مش بمزاج حضرتك ولا كنت مدبر أن دا يحصل.
زفر بغضب ليس له مثيل فلأول مرة يتعرض لمثل هذا الموقف ولكنه واثق بأن هناك خطأ ما فقال بذهول _بس أنتِ متأكدة أني حاطه بإيدى فى درج مكتبي.
أجابته “فاطمة” بأسف_أنا دورت فى كل مكان كذا مرة والملف مالوش وجود
ردد بصدمة يرفض عقله إستيعابها_معقول يكون أتسرق ؟
قالت بتعجب شكل على ملامح وجهها الرقيق _بس المكتب عادى جداً، مرتب زى مهو ومفيش أثر لأقتحام أو اي شيء غريب…
شتت ذهنه فشعر بأن عقله على وشك الانفجار من التفكير، أقتربت منه بتردد ولكنه بحاجة للنصحية فقالت ببسمة هادئة_حاول تهدى كدا وتردد الدعاء ده ، صدقني ليه مفعول سحر لما بتضيع منى حاجة
(اللهم رادَّ الضَّالَّ وهاديَ الضَّالَّ، ارْدُدْ عليَّ ضالتي بعزَّتكَ وسُلطانكَ فإنها من عطاياكَ وفضلك.)
رمقها بنظرة متفحصة مطولة فلوهلة كان يتطلع لها بنظرة إتهام َ لكن الأن ثقتها بالله عز وجل وإيمانها جعله يتراجع عن فكره المخيف محاولاً إيجاد مخرج من هذه الكارثة فقال بفكر صوته مرتفع_مفيش أثر لأقتحام! رلا كركبة ، يعنى مفهومة ، اللي أخد الملف شخص من المكتب ، طيب ليه ولصالح مين؟!
إقتربت منهفاطمة بنظرة ثاقبة_مهو لمين دى ؟ لوحدها هتحل لغز الق*ض*ية وكفيلة لوحدها تخرج “زين العابد” من غير دفاع .
إبتسم بمكر حينما إتضاحت له بعض الخيوط_برافو عليكي يا بطوطة ، غابت عنى فين دى، ثم قال بخبث لسماعها تقص له المزيد من حديثها الشغوف _طب وجلسة النهاردة هنعمل فيها أيه يا متر ؟
أخفت “فاطمة” بسمتها بصعوبة فأكملت بثبات_ مفيش غير حل واحد أن حضرتك تطلب تأجيل لغاية منعرف الملف فين؟، وطبعاً مينفعش تصرح أن الملف اختفى ،وبالأخص لصاحب الق*ض*ية..
أشار لها بأقتناع مردداً بأيمان_ ربنا يدبر الامر
……
رفعت الهاتف قائلة بخوف ينبع برجفة صوتها_انا قلقانة أوى يا باشا ، لو “حسام” باشا عرف إنى أخدت الملف ، هيقطع عيشي وأنا محتاجة للشغل .
أجابها “فؤاد” بغضب_هيعرف منين ، أنتِ مش عطلتى الكاميرات المراقبة؟
قالت “منى” بتأكيد_ايوا
=يبقى خلاص ، مفيش داعى للقلق .
_ولو قدر يوصل إني انا اللي أخدت الملف؟..
=مش هيحصل ولو حصل يبقى زى منبهتك إسمي لو جي فى الموضوع ، هيكون أخر يوم فى حياتك، وبعدين أنتِ معاكِ مبلغ يعيشك ملكة يعني أسطوانة الشغل دي قديمة أوي…
أجابته بخوف_مش هجيب سيرتك أبداً.
صاح بحدة_ويفضل متتصليش بيا تاني الفترة دي…
وأغلق الهاتف بوجهها دون أن يستمع للمزيد، سجلت “منى” المحادثة كدليل إدانة حتى لا يتخلى عنها إذا علم أحداً بالأمر.
*************

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *