سيف الحديدي بقلم ندي الجمل
سيف الحديدي بقلم ندي الجمل
مش حنان… سيف عمره ما كان سهل.
لكن كان فيه وجع.
“إنتِ مش ملكي.” قالها بهدوء. “وعشان كده فضلت بعيد.”
ندى ضحكت ضحكة مهزوزة.
“إنت مسمي ده بعيد؟”
“بسميه فشل.”
الصمت اللي بعد الجملة كان أسوأ من نظرات الناس حواليهم.
المطعم كله بقى متجمد على الفضايح والنظرات والهمسات.
المفروض كانت تمشي.
ترجع الشركة. تلم حاجتها. وتختار حياة الرجالة فيها ما بيخنقوش بعض بسببها.
لكن بدل كده… سمعت نفسها بتسأله:
“لو أنا مهمة فعلًا… كان هيبقى شكله إيه؟”
سيف سكت تمامًا.
ولما رد… صوته كان أوطى من أي مرة قبل كده.
“كان هيبقى شكله إني أولع في كل حاجة بنيتها عشان أحافظ عليكي.” قرب منها خطوة. “ويبقى عندي أنانية كفاية إني أحتفظ بيكي لنفسي.”
“سيف…”
“كان هيبقى شكله…” رفع إيده ولمس فكها برقة وجعتها أكتر من العنف، “كده.”
وبعدين باسها.
بوسة مش هادية. مش محترمة. دي كانت سنتين صمت بيتكسروا مرة واحدة.
إيده دخلت في شعرها، وصوابعه على خدها، وندى مسكت قميصه قبل حتى ما تعترف لنفسها إنها عايزاه.
باسته بكل اللي كانت بتحاول تدفنه.
كل الليالي اللي حسّت فيها بنظراته عليها وسكتت.
كل لمسة إيد على ورق العقود.
كل مرة قالها فيها: “روحي يا ندى” وهو يفضل لوحده في الضلمة.
ولما بعد عنها… نفسها كان متلخبط، وشفايفها سخنة، وقلبها متهور.
الناس كلها كانت بتبص.
سيف؟ ولا فارق معاه.
“أعتقد كده جاوبت على سؤالك.”
“إنت مجنون.”
“غالبًا.”
“دي أسوأ فكرة ممكنة.”
“أكيد.”
“أنا لسه بشتغل عندك.”
“وأنا صاحب الشركة.”
رغم كل حاجة… ابتسمت غصب عنها.
“دي مش مطمنة زي ما إنت فاكر.”
“ولا أي حاجة فيا المفروض تطمنك.”
لكن للأسف… كان بيطمنها.
وده كان أخطر شيء فيه.
ندى كانت لسه واقفة قدامه، حاسة إن بوسة واحدة قلبت كل القواعد اللي عاشت متمسكة بيها سنتين.
لكن سيف فجأة بعد خطوة.
وده لوحده كان أغرب من أي حاجة عملها الليلة دي.
عينيه نزلت على شفايفها للحظة… بعدها لف وشه كأنه بيجبر نفسه يبطل يبص لها.
“إحنا لازم نمشي.”
ندى رمشت باستغراب. “ليه؟”
ما ردش فورًا.
وده كان كفاية يخوفها.
سيف الحديدي عمره ما بيتردد.
لكن دلوقتي؟ كان بيسمع حاجة في السماعة الصغيرة اللي في ودنه، وملامحه بتتقفل واحدة واحدة بالطريقة اللي معناها إن فيه مصيبة حصلت.
“سيف.”
عينيه رجعت لها بسرعة. “هتروحي البيت.”
“وأنت؟”
“عندي شغل.”
“شغل؟” ضحكت بتوتر. “بعد اللي حصل ده؟”
“بالذات بعد اللي حصل ده.”
مسك إيدها وبدأ يمشي ناحية باب المطعم.
الناس كانت بتبعد لوحدها من طريقه.
ندى حاولت تسحب إيدها بخفة. “إنت بتوجعني.”
في ثانية… صوابعه ارتخت فورًا.
وده خبط قلبها أكتر.
راجل ممكن يكسر رقبة بني آدم من غير ما يرمش… لكن أول ما قالت إنها اتوجعت، خاف.
طلعوا بره المطعم، والهوا البارد خبط وشها.
شارعين كاملين كانوا متقفلين بعربيات سودة.
حراس.
كتير جدًا.
ندى وقفت مكانها. “إيه ده؟”
واحد من الرجالة قرب بسرعة. “باشا، اتأكدنا. العربية كانت متفخخة.”
الدم اختفى من وش ندى.
“إيه؟”
سيف ما بصش للراجل… كان باصص لها هي.
بس لها.
كأنه بيتأكد إنها واقفة قدامه فعلًا.
“مين؟” صوته طلع هادي بشكل مرعب.
الراجل بلع ريقه. “لسه منعرفش.”
ندى قلبها بدأ يدق بعنف. “العربية… بتاعت مين؟”
الصمت اللي حصل خلا معدتها تتقلب.
وبعدين سيف قالها:
“عربيتك.”
رجليها خانتها للحظة.
لولا إيده اللي مسكت خصرها بسرعة كانت وقعت.
“أنا؟”
“كانوا حاطين القنبلة تحت عربيتك قبل ساعة تقريبًا.”
عقلها وقف.
قبل ساعة… كانت لسه في الشركة.
يعني لو نزلت بدري شوية…
كانت ماتت.
سيف قرب وشه منها، وصوته بقى واطي جدًا. “دلوقتي فهمتي ليه كنت بدور عليكي؟”
أنفاسها بقت سريعة بشكل مؤلم.
“مين يعمل كده؟ أنا مالي؟”
عينيه اسودوا بطريقة عمرها ما شافتها قبل كده.
“عشان إنتِ نقطة ضعفي.”
الجملة نزلت عليها أبرد من الهوا.
الحارس مد لسيف تابلت. “الكاميرات جابت عربية مراقباها من الصبح.”
سيف أخده بإيد واحدة، لكن ندى لمحت الصورة قبل ما الشاشة تطفي…
وشخص نازلة من العربية.
ست.
شعرها أحمر.
وقبل ما تلحق تستوعب، سيف قفل التابلت بعنف.
بس كان فات الأوان.
ندى بصت له ببطء. “مين دي؟”
“محدش.”
“ما تكذبش عليا.”
فكه شد. ودي كانت إجابتها.
“سيف… مين الست دي؟”
لثواني، ملامحه رجعت للشخص البارد اللي كل القاهرة بتخاف منه.
“واحدة من الماضي.”
“ماضيك بيحاول يقتلني؟!”
“مش هيلمسك حد.”
“جاوبني!”
الحراس كلهم سكتوا فورًا أول ما صوتها علي.
وده لأنها أول واحدة تقريبًا تكلمه بالطريقة دي وتفضل عايشة.
سيف قرب منها ببطء. “في عربية مستنياكي.”
“مش هتحرك من هنا غير لما أفهم.”
عينيه نزلت على شفايفها ثانية… كأنه بيحارب رغبة يقرب تاني رغم اللي بيحصل.
“مش هنا.”
“يبقى فين؟”
“بيتي.”
الكلمة خلت التوتر بينهم يتحول لحاجة أخطر.
ندى ضحكت بعدم تصديق. “آه طبعًا. بيت زعيم مافيا مجهول بالنسبة للشرطة؟ فكرة ممتازة.”
“أنتِ فعلًا فاكرة إن فيه مكان تاني آمن ليكي دلوقتي؟”
وسكتت…
لأنها عرفت إنه عنده حق.
وده كان أسوأ إحساس ممكن.
سيف فتح باب العربية بنفسه.
ندى وقفت قبل ما تدخل. “دي غلطة.”
“أعرف.”
“وحياتنا هتبوظ.”
“غالبًا.”
“وأنا المفروض أخاف منك.”
المرة دي، عينيه اتهزوا فعلًا.
قرب منها لدرجة إنها حست نفسه على خدها.
“أكتر حاجة مرعبة في حياتي يا ندى… إني مش عايزك تخافي.”
ندى فضلت باصة له ثواني طويلة…
الشارع حواليهم مليان حراس وسلاح وعربيات سودا، لكن أخطر حاجة كانت الطريقة اللي سيف بيبصلها بيها.
كأنه مستعد يحرق المدينة كلها… بس ما يشوفش فيها خدش واحد.
وده تحديدًا اللي خوفها.
دخلت العربية من غير كلمة.
وسيف قعد جنبها، بينما اتنين حراس ركبوا قدام.
أول ما العربية اتحركت، الأبواب اتقفلت أوتوماتيك بصوت معدني خلى معدتها تنقبض.
ندى بصت للشباك. القاهرة كانت ماشية عادي جدًا.
ناس بتضحك. عربيات بتزمر. حد بيبيع ذرة على الناصية.
والعالم بتاع سيف بيتفجر في الضلمة من غير ما حد يحس.
“قولي الحقيقة.”
قالتها وهي باصة قدامها.
سيف ما ردش.
ندى ضحكت بمرارة. “شايف؟ دي المشكلة فيك. كل مرة بحاول أقنع نفسي إن اللي بينا حقيقي… أفتكر إني أصلًا ماعرفش إنت مين.”
“تعرفي اللي يهم.”
لفتله بسرعة. “لأ. واضح إني ماعرفش أي حاجة.”
ملامحه فضلت ثابتة، لكن صوابعه شدت على التليفون اللي في إيده.
توتر.
سيف الحديدي متوتر.
الحاجة دي لوحدها كانت مرعبة.
“الست اللي في الصورة تبقى مين؟”
ثواني عدت.
“مراتي.”
العربية كلها سكتت.
حتى السواق رفع عينه للمراية بصدمة قبل ما يبص قدامه بسرعة.
أما ندى…
فحست إن حد ضربها في صدرها بحديدة.
ضحكت تلقائيًا. ضحكة صغيرة مكسورة.
“مراتك؟”
سيف بصلها أخيرًا. “سابنا بعض من سنين.”
“بس لسه مراتك.”
“على الورق.”
“آه… الورق.” هزت راسها ببطء. “حاجة مهمة فعلًا.”
ملامحه اتقفلت. “ندى—”
“لأ متقولش اسمي دلوقتي.”
العربية بقت أضيق من إنها تتنفس فيها.
كل لحظة بينهم من سنتين رجعت تضربها مرة واحدة.
كل نظرة. كل لمسة. كل مرة حسّت إنه بيحبها وسكتت عشان ما تبقاش غبية.
وطلع فعلًا فيه ست تانية.
“كنت ناوي تقولي إمتى؟ بعد ما أنام معاك رسمي؟”
“ما حصلش بينا حاجة.”
“بس كنت عايزها تحصل.”
الجملة نزلت بينهم تقيلة.
سيف بصلها بنظرة صريحة لدرجة إنها وجعتها. “كل يوم.”
قلبها خانها للحظة حقيرة.
فلفت وشها بسرعة للشباك وهي بتكره نفسها.
“وقف العربية.”
“لا.”
“وقف العربية يا سيف.”
“مش هتنزلي.”
“بأي حق؟”
“بالحق الوحيد اللي يهمني دلوقتي… إن فيه حد حاول يقتلك.”
صرخت فيه فجأة: “وأنا يمكن كان عندي الحق أعرف إن الراجل اللي بحبه متجوز!”
الصمت اللي حصل بعد الكلمة كان قاتل.
الحراس قدام تجمدوا.
أما سيف…
فكأن العالم وقف فعلًا.
عينيه اتحركوا عليها ببطء. “قوليها تاني.”
ندى اتصدمت من نفسها قبل ما تتصدم منه.
الدم سخن في وشها.
“أنا—”
“قوليها.”
صوته كان أوطى من الهمس.
وأخطر.
ندى بلعت ريقها، وحاولت تبص بعيد… لكن سيف مد إيده ببطء ومسّك دقنها يخليها تبص له.
“إنتِ بتحبيني؟”
عينيه كانوا جوعانين للكلمة بطريقة وجعتها.
وكأن الراجل ده… بكل سلطته وفلوسه وخوف الناس منه… مستني منها هي حاجة واحدة بس عمره ما قدر ياخدها.
ندى عينيها دمعت رغمًا عنها. “ودي أسوأ حاجة حصلتلي.”
سيف غمض عينيه لحظة… كأنه اتضرب.
ولما فتحهم، كان فيهم حاجة عمرها ما شافتها قبل كده.
ضعف.
حقيقي.
“اطلقي عليا رصاصة أهون.”
قبل ما ترد، العربية وقفت فجأة بعنف.
الحارس قدام شتم. “في عربية قفلت علينا!”
في ثانية واحدة، سيف اتحول.
كل الحنان اختفى.
بقى الوحش اللي الناس بتحكي عنه.
شد ندى ناحيته بعنف وهو بيطلع مسدس من تحت الجاكيت.
“وطي راسك.”
نبضها وقف.
وفي نفس اللحظة…
صوت رصاص انفجر حوالين العربية.
الرصاصة الأولى خبطت الإزاز المدرع بصوت دوّى جوه العربية.
ندى شهقت واتكورت غصب عنها، وسيف سحبها تحته فورًا، جسمه مغطيها بالكامل.
“ما تبصيش فوق.”
صوته كان حاد… آمر… لكن إيده على راسها كانت ثابتة بشكل غريب.
رصاص تاني.
وبعدين التالت.
العربية اتهزت بعنف، والسواق زعق: “باشا العربية اللي وراهم نازلين بسلاح آلي!”
سيف رفع المسدس ناحية الشباك من غير حتى ما يبص.
ضربتين.
سريع. دقيق.
وفي ثانية، صوت صريخ بره اتقطع بصوت خبطة جامدة.
ندى قلبها كان هيقف.
دي أول مرة تشوف عالمه الحقيقي من جوه.
مش ملفات غامضة ولا مكالمات مقفولة.
دم.
وموت.
وسيف في نصه كأنه اتخلق عشانه.
العربية اتحركت بعنف فجأة، ولفت ملف حاد خلا ندى تخبط في صدره.
إيده شدت عليها أكتر تلقائيًا.
“خليكِ تحت.”
لكنها رفعت عينيها له غصب عنها.
وكانت الغلطة.
لأنها شافته…
هادئ.
مش خايف. مش متوتر.
عينيه باردة بالطريقة اللي معناها إنه دخل الوضع اللي الناس ما بتطلعش منه عايشة.
“سيف…” همستها طلعت مرتعشة.
بص لها ثانية واحدة بس.
الثانية دي كانت أخطر من الرصاص.
لأن البرود كله اختفى للحظة.
“هتموتني يوم يا ندى.”
وبعدين باب العربية اللي جنبهم انفجر.
راجل لابس أسود حاول يدخل السلاح من الفتحة، لكن قبل حتى ما ندى تصرخ، سيف مسك إيده بعنف مرعب.
صوت تكسير خلا معدتها تقلب.
الراجل صرخ.
وسيف ضربه بالرصاصة في صدره من مسافة صفر.
الدم نزل على الباب.
ندى اتجمدت.
أنفاسها بقت سريعة بشكل مؤلم.
وسيف لف لها فورًا أول ما لمح الرعب في عينيها.
“بصيلي.”
ما قدرتش.
كان فيه دم على وشه.
على إيده.
على ياقة القميص الأبيض اللي كانت ماسكاه من شوية وهي بتبوسه.
“ندى.” صوته نزل أوطى. “بصيلي.”
بالعافية رفعت عينيها.
الوحش اختفى تاني.
رجع سيف.
بس المرادي كان شكله متكسر.
كأنه يكره إنها شافته كده.
“أنا آسف.”
الجملة صدمتها أكتر من الرصاص.
“إنت… بتعتذر؟”
رصاصة جديدة خبطت العربية، لكنه حتى ما التفتش.
كان مركز معاها هي بس.
“ماكنتش عايزك تشوفي ده.”
ندى بصت للدم على إيده. “بس ده إنت.”
سكت.
وده كان اعتراف.
العربية أخيرًا دخلت بوابة حديد ضخمة واتقفلت وراهم بسرعة، والحراس انتشروا في المكان بالسلاح.
القصر كان ضخم بشكل يخوف. هادئ بشكل يخوف أكتر.
أول ما العربية وقفت، سيف فتح الباب بنفسه ونزل.
وبعدين مد إيده لها.
ندى بصت للإيد ثواني.
الإيد اللي قتلت واحد من دقيقة…
وهي نفسها الإيد الوحيدة اللي حست معاها بالأمان من سنين.
وده خلاها تكره نفسها أكتر.
نزلت من العربية من غير ما تمسكه.
سيف لاحظ. طبعًا لاحظ.
لكن ما قالش حاجة.
دخلوا القصر بسرعة، وكل الخدم والحراس بيبعدوا أول ما يشوفوه.
ندى كانت ماشية وراه لحد ما وقفت فجأة.
في نص الممر.
“أنا مش قادرة.”
سيف لف لها فورًا. “في إيه؟”
ضحكت ضحكة مهزوزة ودموعها نزلت أخيرًا. “إنت قتلت واحد قدامي.”
ملامحه اتجمدت.
“كان هيقتلك.”
“بس إنت قتلت واحد.”
قرب خطوة… وبعدين وقف نفسه.
كأنه خايف يلمسها بعد اللي شافته.
“لو الزمن رجع هعملها تاني.”
الجملة كانت صادقة لدرجة موجعة.
ندى دموعها زادت. “وده المفروض يريحني؟”
“لأ.”
أخيرًا قرب منها.
ببطء شديد.
“بس لازم تعرفي حاجة.”
عينيه نزلوا على وشها، مليانين تعب وعنف وحاجة شبه اليأس.
“أنا طول عمري بعرف أقتل الناس اللي تأذي اللي يخصني.” صوته اتكسر لأول مرة. “المشكلة إنك أول حاجة في حياتي خلتني أتمنى أبقى إنسان أحسن… وأنا معرفش.”
ندى فضلت ساكتة.
الدموع على خدودها… وصوته لسه بيتردد جواها.
“وأنا معرفش.”
راجل زي سيف الحديدي ما يقولش جملة زي دي.
ما يعترفش بالعجز. ما يعترفش إن فيه حاجة أكبر منه.
لكن قدامها كان واقف كأنه اتجرّد من كل القوة اللي الناس بترتعش منها.
ندى أخدت نفس مرتعش. “أنا محتاجة أمشي.”
ملامحه اتقفلت فورًا.
مش غضب…
خوف.
“لا.”
“سيف—”
“مش هتخرجي من هنا الليلة.”
“بالعافية؟”
سكت ثانية.
وبعدين قال بهدوء مرعب: “لو اضطرّيت.”
الكلمة خبطتها في صدرها.
“شايف؟” ضحكت بمرارة. “وده اللي عمرك ما هتفهمه. إنت بتحب كأنك بتحارب.”
عينيه اتهزوا للحظة.
لكن قبل ما يرد…
صوت كعب عالي قطع الممر.
ستايلة. هادية. واثقة بشكل مستفز.
ندى لفت وشها…
واتجمدت.
الست اللي شافتها في صورة الكاميرا كانت واقفة آخر الممر.
شعر أحمر طويل. فستان أبيض ضيق. وابتسامة باردة كأنها داخلة حفلة مش بيت مليان دم.
أما سيف…
فوشه اتحول لحاجة أخطر من الغضب.
“إنتِ إزاي دخلتي هنا؟”
الست ابتسمت أكتر وهي بتبص لندى من فوق لتحت. “وحشتني يا سيف. دي طريقة استقبال؟”
ندى حسّت معدتها بتتقلب.
المرأة قربت ببطء. “أخيرًا شفت البنت اللي خلتك تعمل كل الفوضى دي.”
سيف اتحرك فورًا ووقف قدام ندى كأنه حاجز بشري.
“كلمة زيادة وهخليكي تندمي إنك دخلتي البيت ده.”
الست ضحكت بخفة. “لسه بتحاول تخوفني؟ بعد كل اللي عملناه في بعض؟”
ندى بصت بينهم… وفهمت فورًا إن العلاقة بينهم كانت أبشع من مجرد جواز.
دي كانت حرب قديمة.
“هي دي بقى السكرتيرة؟” الست قالتها وهي ميلة راسها. “بصراحة توقعت أجمل.”
سيف صوته نزل منخفض وخطير: “لارا.”
“إيه؟ زعلت؟”
ندى أخيرًا اتكلمت: “هي اللي حاولت تقتلني؟”
لارا بصتلها مباشرة… وبعدين ضحكت.
“يا حبيبتي لو كنت عايزة أقتلك، ماكنتيش هتوصلي هنا.”
الصمت اللي بعد الجملة كان تقيل بشكل مرعب.
سيف مد إيده فجأة ومسَك دراع لارا بعنف. “انطقي. مين باعت العربيات؟”
لارا بصت لإيده على دراعها… وبعدين رفعت عينيها له. “سيبني الأول.”
“مين؟”
ابتسامتها اختفت أخيرًا. “أخوك.”
الهواء نفسه وقف.
ندى بصت لسيف بصدمة. “إنت عندك أخ؟”
لكن سيف ما ردش.
لأول مرة من ساعة عرفته… بان عليه إنه اتضرب فعلًا.
لارا شدّت دراعها من إيده. “كنت فاكر إنه هيسيبك تعيش مبسوط؟”
“هو فين؟”
“مش مهم.” قربت خطوة وهمست: “المهم إنه عرف نقطة ضعفك.”
ندى حسّت قلبها وقع.
لأن عيون لارا كانت عليها هي.
سيف اتحرك فورًا ووقف قدامها تاني.
غريزة. تلقائية. مرعبة.
لارا ابتسمت بحزن غريب. “أهو ده الفرق بيني وبينها.” بصت لندى. “هو عمره ما بصلي بالطريقة دي.”
ندى ماعرفتش ليه الجملة ضايقتها.
يمكن لأن الست دي، رغم كل برودها، كان واضح إنها اتكسرت منه يومًا ما.
سيف صوته طلع كأنه طالع من نار: “اطلعي بره.”
لارا بصت له طويل… طويل جدًا.
وبعدين قالت بهدوء: “هي هتموت بسببك زي الباقيين.”
الجملة نزلت في الممر زي التلج.
وسيف… اتحول وشه فجأة للون أبيض مرعب.
ندى لاحظت الحاجة دي فورًا.
“يعني إيه الباقيين؟”
ولا حد رد.
ندى بصت بين الاتنين. “يعني إيه الباقيين؟!”
لارا كانت لسه باصة لسيف. “لسه ماقلتلهاش؟”
قلب ندى بدأ يدق بعنف.
“تقوليلي إيه؟”
سيف قرب منها بسرعة. “ندى، اسمعيني—”
“مين مات؟”
صمته كان الإجابة.
والرعب الحقيقي بدأ لما شافت الذنب في عينيه.
سيف الحديدي… الراجل اللي ما بيحسش بالندم…
كان مذنب.
ندى رجعت خطوة لورا…
وبعدين خطوة تانية.
كأنها بتحاول تبعد عن حاجة فجأة بقت أخطر مما تخيلت.
“مين؟”
صوتها طلع مبحوح.
سيف كان باصص لها كأنه شايف الكارثة بتحصل قدامه ومش قادر يمنعها.
“ندى—”
“مين مات بسببي؟!”
لارا ردت بدلُه. “كل ست حبّها.”
الكلمات نزلت على المكان كأنها حكم إعدام.
ندى بصت لسيف بصدمة مرعبة. “مش حقيقي.”
لكن عينيه…
عينيه ماعرفتش تكذب.
لارا ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة. “أول واحدة اتخطفت واتقتلت وهي عندها عشرين سنة.” رفعت صوابعها وعدّت ببطء. “التانية اتحرقت عربيتها.” صباع تالت. “وأنا؟ نجيت بالعافية بعد ما حطولي رصاصة مكان قلبى.”
ندى نفسها اتقطع.
كل مرة قرب فيها سيف من حد… الحد ده اتدمر.
وده معناه إن القنبلة اللي تحت عربيتها ما كانتش البداية.
كانت الدور.
سيف قرب بسرعة لما شاف الرعب في وشها. “إنتِ مختلفة.”
ندى ضحكت بذهول. “دي الجملة اللي بتقولها قبل ما الناس تموت؟”
الوجع اللي عدى في عينيه كان بشع.
“أنا بحاول أحميكي.”
“بإنك تحبسني في قصر مليان رجالة وسلاح وأسرار؟!”
“بإني مستعد أموت علشانك.”
“بس مش مستعد تبعد عني.”
الصمت قتله.
لأنها كانت صح.
سيف الحديدي ممكن يضحي بأي حاجة… إلا بيها.
ندى دموعها نزلت وهي تهز راسها. “إنت أناني.”
همس: “عارف.”
“ومرض.”
“عارف.”
“وأنا كل ما أقرب منك حياتي بتتحول لكابوس.”
قرب خطوة… بعينين مكسورين لأول مرة.
“بس بتحبيني.”
الجملة كانت ضعيفة. مش انتصار.
استغاثة.
وده اللي كسرها.
ندى غمضت عينيها بقهر. لأنها فعلًا بتحبه.
رغم الدم. رغم الرعب. رغم إنه ممكن يكون نهايتها.
وفجأة…
صوت انفجار ضخم هز القصر كله.
الإضاءة قطعت.
الحراس برا صرخوا.
ولارا رفعت عينيها للسقف وهمست: “وصل.”
سيف اتحرك فورًا.
مسدس في إيده في ثانية، وإيده التانية شدت ندى ناحيته بعنف.
“ما تسيبنيش.”
القصر كله دخل في فوضى.
صوت رصاص. زجاج بيتكسر. رجالة بتجري في الممرات.
ندى قلبها كان هيقف، لكن سيف كان ماسكها كأنه لو سابها ثانية هتختفي.
الحارس جري ناحيتهم. “باشا! الرجالة دخلوا الجناح الشرقي!”
“طلّعها من هنا.”
“لا!” ندى مسكت قميصه فورًا. “إنت رايح فين؟”
عينيه نزلوا على إيدها المتشبثة بيه…
وبان عليه الوجع.
“أخويا جاي يخلص اللي بدأه.”
“يبقى نهرب!”
ضحكة صغيرة حزينة طلعت منه وسط الفوضى. “لو هربت النهاردة… هيفضل يطاردك طول عمرك.”
“وأنت؟”
سكت ثانية.
الثانية دي قالت كل حاجة.
ندى وشها شحب. “لأ.”
سيف رفع إيده ولمس خدها بسرعة… كأنه بيحفظ ملمسها.
“أنا عمري ما خفت من الموت.”
رصاصة ضربت الحيطة جنبهم.
الحراس بدأوا يضربوا نار.
وسيف قرب جبينه من جبينها وسط الجحيم كله.
“بس أول مرة أخاف أسيب حد ورايا.”
دموع ندى نزلت بعنف وهي تهز راسها. “ما تعملش كده.”
لكن سيف كان خلاص أخد قراره.
باسها بسرعة… بوسة موجوعة. كأنها وداع.
وبعدين بعد عنها بالعافية.
“خديها!” صرخ للحارس.
ندى اتسحبت غصب عنها وهي بتصرخ باسمه.
“سيف!”
لكنه كان ماشي ناحية الرصاص.
لوحده.
ببدلته السودة الملطخة بالدم… والمسدس في إيده… كأنه رايح يقابل قدره بنفسه.
وقبل ما يختفي آخر الممر…
لف لها للمرة الأخيرة.
وعينيه قالت حاجة عمره ما عرف يقولها بصوت عالي.
بحبك.
وبعدين اختفى وسط النار.
ندى كانت بتقاوم الحارس بكل قوتها.
“سيبني! سيبني بقولك!”
لكن الراجل كان ماسكها بقوة وهو بيجري بيها ناحية باب حديد آخر الممر، وصوت الرصاص وراهم بيزيد بشكل مرعب.
القصر كله كان بيتهز.
دخان. صرخات. دم.
وسيف هناك…
لوحده.
“افتح الباب!” الحارس صرخ لواحد تاني واقف قدام مصعد مخفي.
الباب اتفتح بسرعة، والحارس حاول يدخل ندى بالعافية.
لكنها فجأة ضربته بكوعها بكل قوتها.
الراجل اتفاجئ، ودي كانت الثانية الوحيدة اللي احتاجتها.
جريت.
رجعت ناحية الصوت.
ناحية سيف.
“مدام ندى!” الحارس شتم وجري وراها، لكن الرصاص وقفه لما طلقة عدت جنب دماغه.
ندى كانت بتجري وهي نفسها بيتقطع.
كل اللي شايفاه قدامها ممرات ضلمة ولمبات بتطفي وتشتغل ودخان مالي المكان.
وفجأة…
سمعت صوته.
“نزّل سلاحك.”
سيف.
ندى وقفت فجأة عند آخر الممر، واستخبت ورا العمود وهي تبص.
وكانت أول مرة تشوف أخوه.
يشبهه بشكل مرعب.
نفس الطول. نفس العيون القاسية.
بس من غير أي رحمة.
آدم الحديدي كان واقف وسط رجالته، ماسك سلاح ومبتسم كأنه مستمتع.
أما سيف… كان واقف قدامه والدم نازل من جنب بطنه.
ندى شهقت بخضة.
اتصاب.
سيف لمحها في نفس اللحظة.
وعينيه اتوحشوا.
“إنتِ إيه اللي رجعك؟!”
آدم لف بسرعة ناحيتها… والابتسامة وسعت.
“آه… دي بقى.”
سيف رفع سلاحه فورًا ناحية أخوه. “بص لها تاني وهقتلك.”
آدم ضحك. “شايف؟ نفس النظرة.” بص لندى. “كل مرة يقع فيها… تبقى بسبب ست.”
ندى قلبها كان هيقف وهي باصة للدم اللي بيغرق قميص سيف.
“تعالى معايا.” قالتها بسرعة وهي تبص له بدموع. “نمشي من هنا.”
سيف عينيه ما سابتش أخوه. “مش هينفع.”
“ليه؟!”
آدم جاوب مكانه. “لأنه طول ما هو عايش، وأنا عايش… إنتِ هتفضلي هدف.”
وبعدين رفع سلاحه فجأة ناحية ندى.
كل حاجة حصلت بعدها كانت أسرع من إنها تتفهم.
سيف اتحرك.
طلقة.
صوت صراخ.
ندى حسّت بجسم ضخم بيخبط فيها ويوقعها على الأرض.
ولثواني… ماسمعتش أي حاجة.
بس صفارة حادة في ودانها.
ولما فتحت عينيها…
سيف كان فوقها.
ساكت.
تقيل بشكل مرعب.
ندى بصت له بعدم استيعاب.
وبعدين شافت الدم.
كتير.
قوي.
الطلقة دخلت في ضهره.
“لأ… لأ لأ لأ…”
إيديها بدأت تترعش وهي تحاول تسنده.
سيف فتح عينيه بالعافية.
أول حاجة عملها؟
بص عليها.
يتأكد إنها عايشة.
آدم كان واقف بعيد، الصدمة واضحة حتى على وشه. “سيف…”
لكن سيف رفع سلاحه بإيده المرتعشة وصوبه على أخوه.
“اطلع… بره…”
صوته كان بيطلع بالعافية.
رجالة آدم بدأوا يتراجعوا لما سمعوا صوت الشرطة يقرب من بعيد.
آدم بص لأخوه طويل… وبعدين نزل سلاحه ببطء.
“أنت عمرك ما كنت تقدر تختار نفسك.”
وساب المكان.
ندى ما كانتش سامعة أي حاجة غير أنفاس سيف اللي بتضعف.
“بصلي!” صرخت وهي ماسكة وشه. “بصلي يا سيف!”
ابتسامة صغيرة تعبانة ظهرت على شفايفه.
“رجعتي.”
دموعها نزلت بعنف. “طبعًا رجعت! إنت مجنون؟!”
كحّ، والدم ظهر على طرف بقه.
ندى اتكسرت تمامًا. “حد يجيب إسعاف! بسرعة!”
لكن سيف كان باصص لها هي بس.
كأن كل الأصوات اختفت.
“كنتِ صح.”
“اسكت… بالله عليك اسكت.”
“حبي ليكي…” أخد نفس متقطع. “هيقتلك.”
ندى هزت راسها بعنف وهي تبكي. “لا.”
إيده طلعت بالعافية ولمست خدها.
باردة.
“بس كان يستاهل.”
الجملة حطمتها.
“ما تودعنيش.”
سيف ابتسم نفس الابتسامة الضعيفة.
“أول مرة… يبقى عندي حاجة أخاف أخسرها.”
وصوته اختفى بعدها.
عينيه قفلت ببطء بين إيديها.
وندى صرخت باسمه…
لدرجة هزت القصر كله.
الصوت بتاع الأجهزة الطبية كان ثابت… بارد… مستفز.
ندى كانت قاعدة قدام أوضة العمليات من ست ساعات.
نفس الهدوم. نفس الدم على إيديها. نفس الرعشة اللي مش راضية تبطل.
كل شوية باب المستشفى يفتح، رجال سيف يدخلوا، دكاترة يجروا، شرطة تسأل أسئلة، وهي…
ولا سامعة أي حاجة.
كل اللي شايفاه هو اللحظة اللي وقع فيها فوقها.
الطلقة مكانها كان قاتل.
هي سمعت الدكتور بنفسها.
“لو ما دخلش عمليات حالًا… مش هيلحق.”
ندى ضمت دراعاتها أكتر وهي تبص للأرض.
ولأول مرة من سنين… تحس إنها لوحدها فعلًا.
“لسه عايشة.”
الصوت خلاها ترفع عينيها بسرعة.
لارا.
واقفة آخر الممر بكوباية قهوة، وشعرها الأحمر مربوط، وملامحها هادية بشكل يضايق.
ندى قامت بعصبية. “إنتِ عندك جرأة تيجي هنا؟”
لارا قربت ببطء. “لو كنت عايزة موته… ماكنتش حذرتكم.”
“أنتِ كنتِ عارفة.”
“طبعًا.”
ندى ضحكت بوجع. “كلكم مجانين.”
لارا سكتت شوية… وبعدين بصتلها مباشرة.
“بس إنتِ الوحيدة اللي خلتِه يبقى عايز يعيش.”
الجملة ضربت قلبها بقوة.
ندى دموعها نزلت تاني رغمًا عنها. “هو ممكن يموت.”
لارا ابتسمت ابتسامة حزينة جدًا. “سيف الحديدي عاش عمره كله بيتمنى الموت.” بصت ناحية أوضة العمليات. “أعتقد دي أول مرة يحاربه.”
باب العمليات اتفتح فجأة.
الدكتور خرج بسرعة وهو بيقلع الجوانتي.
ندى جريت عليه فورًا. “هو كويس؟!”
الدكتور أخد نفس طويل. “الرصاصة كانت قريبة جدًا من الرئة… فقد دم كتير.”
قلبها وقع.
“بس؟”
“بس عدت.”
رجليها خانتها.
لارا لحقتها قبل ما تقع.
ندى غطت وشها بإيديها وعيطت لأول مرة بحرقة حقيقية.
مش خوف. مش صدمة.
ارتياح.
بعد شوية، الدكتور سمحلها تشوفه.
أوضة العناية كانت هادية بشكل يخوف.
سيف كان نايم وسط الأجهزة والأسلاك، وشه شاحب جدًا، لكن نفسه موجود.
ندى قربت ببطء…
ولأول مرة شافته ضعيف.
من غير بدلته. من غير الحراس. من غير النظرة اللي تخوف مدينة كاملة.
بس راجل تعبان.
راجل خد رصاصة علشانها.
قعدت جنب السرير، وإيديها دخلت في شعره بهدوء.
“إنت غبي.”
صوته طلع مبحوح فجأة: “دي طريقة وحشة لاستقبال المرضى.”
ندى شهقت وبصت له بسرعة. “إنت صاحي؟!”
فتح عينه بالعافية… وأول ما شافها، ابتسم.
الابتسامة دي كانت أخطر من أي سلاح عنده.
“إنتِ كويسة؟”
ندى بصت له بذهول. “إنت أخدت رصاصة.”
“دي مش إجابة.”
دموعها نزلت وهي تضحك. “آه يا سيف… أنا كويسة.”
غمض عينيه براحة كأنه كان مستني يسمعها وبس.
وبعدين همس: “حلو.”
ندى مسكت إيده بحذر. “إنت لازم ترتاح.”
لكنه فتح عينه تاني. “آدم؟”
“هرب.”
ملامحه اتقفلت لحظة… لكن الغريب إنه ما بانش مهتم.
لأنه كان باصص لها هي.
“تعالي هنا.”
ندى قربت تلقائيًا.
سيف رفع إيده بالعافية ولمس خدها. “أنا كنت هموت.”
قلبها اتقبض. “ما تقولش كده.”
“بس إنتِ رجعتيلي.”
صوتها اتكسر. “طبعًا رجعت.”
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة. “يبقى لسه عندي فرصة.”
“فرصة في إيه؟”
عينيه ثبتت في عينيها بشكل خلا نفسها يعلق.
“إني أتعلم أحبك من غير ما أدمرك.”
ندى ماقدرتش تتكلم.
لأن الراجل ده… بكل ظلامه ودمه وخطاياه…
كان أخيرًا بيحاول.