رانيا إعادة نشر 1
رانيا إعادة نشر1
كانت الشمس حارقة، لكن البرودة كانت تسري في عروق ذلك الصغير الذي لم يتعد عمره عشرة أعوام.
كان يقف وسط جمع غفير من الرجال الذين ارتدوا السواد، وجوههم متجهمة كصخور الجبل، وهمساتهم كحفيف أوراق الشجر اليابسة.
كان الحقد يلتهم كل القلوب القاسية التي لا تعرف الرحمة إلى قلبها سبيلاً.
وفي المقابل، كانت هناك عيون بريئة، عيون جاسر الصغيرة، التي لا تعرف سبباً لكل ذلك سوى أن أباه قد مات.
مات بعد غياب استمر لأربعة أشهر، غياب قيل له فيه إن والده في رحلة عمل طويلة. كلما سأل عنه، كان يجيبه عمه صخر بأن والده “سقط في جحر الثعالب”.
وعندما سأل جدته عن معنى ذلك، كانت تخبره بصوت مرتعش بأن “جحر الثعالب” هو سكن “الرفاعية”.
اليوم، عاد والده لكنه لم يعد ماشياً على قدميه، بل عاد محمولاً في صندوق خشبي مغلق.
تقدم ذلك الصغير بخطوات مترددة من ذلك النعش، قلبه الصغير يخفق برعب وفضول. أراد أن يرى والده، أن يتأكد أنه هو لكن الصندوق كان مغلقاً بإحكام.
_ رايد تشوف أبوك؟
جاء الصوت من خلفه، صوت يعرفه جيداً ويهابه أكثر من أي شيء. صوت عمه صخر اهتزت نظرات جاسر حينما مال عليه صخر، وتابع بصوته الذي يشبه فحيح الأفعى، وهو يضع يده الثقيلة على كتفه الصغير:
_ شوفه زين… لأنها آخر مرة هتشوفه فيها.
أشار صخر لأحد الرجال، فتقدم وفتح الغطاء عن النعش ببطء.
حبس جاسر أنفاسه كان والده مستلقياً بالداخل، وجهه شاحب ومائل للزرقة، وعيناه مغلقتان كأنه نائم، لكنه نوم لا استيقاظ بعده.
لم يكن هناك أثر لجرح أو دم، لكن هالة الموت كانت تحيط به.
مال صخر أكثر، وأصبحت همساته السامة تنفث مباشرة في أذن الصغير
_ الرفاعية حرموك منيه، وحرموه منك. وهو كانت أمنية حياته يشوفك بتكبر جدام عنيه.
هما اللي قت’لوه يا جاسر خدوه من وسط’ينا، وحكموا ’عليه بالمو’’جن زي الكل’اب، وفي الآخر… عدموه.
كانت كلمة “عدموه” ثقيلة ومرعبة، لم يفهم جاسر معناها بالكامل، لكنه فهم أنها تعني أنهم أخذوا حياة والده عمداً.
أكمل “صخر” بنفس النبرة الحاقدة
_ ملي عينيك منيه زين اشبع من شوفته جبل ما يهملك ويهملنا كلنا ويروح تحت التراب شوف عشان الصورة دي متفارجش خيالك أبداً. شوف عشان لما تكبر، تاخد بتار أبوك من كل واحد فيهم، من كبيرهم لصغيرهم.
كان جاسر ينظر إلى وجه أبيه الهادئ، ثم إلى وجه عمه الملتوي بالحقد، وعقله الصغير يحاول أن يستوعب.