دق القلب سهام صادق الجزء الأول من الفصل الأول الي الخامس

دق القلب سهام صادق

(1) الفصل الأول

يقف امام المرآه ينظر إلي هيئته المُنمقه ….ينثر عطره ثم يلقي بنظره اخيره علي هيئته يُحرك يده علي شعره الأسود ويسير بعنجهية وصلابة ملامحه… يهبط الدرج ورائحة عطره تسبق خطواته يتجه نحو غرفة الطعام وينحني نحو والدته يقبل رأسها

– صباح الخير

فترفع ليلي عيناها نحوه بحب وفخر

– صباح الخير ياحبيبي

كانت جلسه صامته .. وانهي فطوره وودع والدته التي تنظر اليه وداخلها يتمني امنيه واحده ان تري أحفادها وأتجه نحو سيارته ليفتح له السائق بابها مع ابتسامه اعتاد عليها واتجه نحو مقر شركات عائلته بهيبته ووقاره وهذا هو

” عمران العمري”

……………………………………………………..

وقفت تتأمل قطرات الجليد وهي تتساقط ولاول مره تشعر بأن حياتها قد تغيرت .. حياة كان يملئها الدلال والرفاهيه ..

عام وأكثر قد مر ومر معه كل شئ ..تبدلت حياتها بالكامل

من منزل فخم في أرقي أحياء لندن الي منزل ريفي صغير

من خدم يلبون رغباتها .. الي لا شئ

لتشهق بفزع وهي تتذكر الطعام الذي وضعته علي الموقد

فتركض تحت نظرات والدها المتعجبه التي تلاشت سريعا بعدما عاد الي جريدته ينظر بحسره الي اسماء رجال الأعمال دون ان يري أسمه بينهم

تذوقت الطعام بسعاده وهي لا تُصدق انها أصبحت طاهية ماهره .. وهذا كان بفضل العجوز كرستين التي تصف لها الوصفات المختلفه وتُعلمها من خبرتها

وعندما جاء بذهنها أسم العجوز .. وجدت الباب يدق وصوت العجوز يعلو

– حياه ..أفتحي الباب قبل أن أتجمد

لتضحك حياه وهي تفتح لها الباب .. وتنظر الي مافي يدها

– صنعتي الكعكه أليس ذلك كوكو

فضحكت العجوز ودلفت للداخل .. ونظرت نحو الرجل الجالس بسخط وأشارت بأصبعها لها كي تقترب

– هل سيظل والدك جالس طوال حياته هكذا يشاهد الجريدة ويبكي علي ماله الذي اضاعه بغروره

فغمزت لها حياه بعينيها

– سيسمعك كوكو ويأتي ليوبخك ..لا أعلم لما انتم الاثنان لا تطيقون بعضكم

فكشرت العجوز وهي تضع بأحدي أيديها علي خصرها

– والدك هو من لا يُطاق عزيزتي

وقبل أن تُكمل العجوز عباراتها الساخطه … أمسكت بيدها تجرها خلفها نحو المطبخ

حياه : تعالي لتتذوقي طعامي كوكو .. سوف أتفوق عليكي

وقرصت وجنتيها بخفه .. لتضحك العجوز علي مداعبة تلك الفتاه التي أحبتها كما لو كانت حفيدتها .. فهي بعمر أحفادها

-أمممم ، هايل يافتاه .. ولكن طعام ونكهة كوكو هي الأفضل

لتتعالا ضحكات حياه وفجأه صمتت حينما سمعت صوت والدها المتذمر كالعاده

– حياه اين الطعام ؟

فعادت قسمات العجوز المضحكه الي تهجمها وسخطها علي هذا الرجل الذي كلما نظرت اليه او سمعت صوته شعرت بالضيق .. فمنذ ان انتقل الي منطقتهم البسيطه الهادئه التي يسكنها البسطاء وهو يتعامل معهم بترفع وكأنه مازال رجل الأعمال المصري المغترب” محمود الرخاوي”

لم يكفي بالنسبه لها أنه مسلم بل وايضا متعجرف .. ولكن تلك الصغيره التي هي هالة من النقاء والطيبه ..جعلتها تغير نظرتها كليا عن المسلمين حتي انها اصبحت قريبه لدرجه لا توصف من قلبها وكأنها تعرفها منذ زمن وليس عام ونصف لا أكثر

– أحضري الطعام لوالدك المدلل ، واطعميه في فمه أيضا

لتبتسم حياه وهي تضع الطعام في الاطباق .. ورغم معرفتها بسخط والدها علي ما أعدته الا انها صنعته

فزمن الاطعمه الفخمه قد أنتهي .. ولا بد أن يعيشوا حياه مُقتصده فالمال القليل الذي تبقي لديهم لن يكفيهم سوي لعام أخر ومن ثم لا شئ سيكون لديهم .. ولكن مايجعلها تأمل بحياه أفضل أنها في سنتها الأخيره بالجامعه وسوف تعمل بشهادتها التي تُحبها فهي “تدرس الأقتصاد”

أحلام حلقت داخلها وهي لا تعلم ان للغد قرارات اخري

وشعرت بيد العجوز الحانيه وهي تربت علي يدها

– سيكون الغد أفضل ياصغيرتي

وعندما بدء يعلو صوت والدها مره أخري ..صرخت العجوز بضجر بعد أن كانت تتحدث بحنو

– اذهبي لوالدك المدلل

وتابعت وهي تنصرف ..وتضر….ب كفً بكف

– لا أعلم من والد من

لتذهب حياه نحو والدها الذي يجلس بترفع علي المائدة الصغيره ..وينظر بسخط أمامه

– اريني ماذا أعدتي اليوم

فوضعت الطعام علي الطاوله بهدوء .. وهي تعلم النتيجه

– ماهذا !

لتنطق بتعلثم .. وهي تُطالع ما تضعه علي الطاوله

– أنه حساء بالخضار .. ونوع السلطه التي تحبها

وكادت ان تتُابع بأسم طبق أخر بسيط..الا انه هتف صارخاً

-كفي أصمتي

وبدء وجهه يشحب وهو يُتمتم

– أنتهيت بهذا الوضع يا ابن الرخاوي ..بعد أن كنت من أثرياء لندن .. بعد ان كان أسمك يلمع في الصحف

لتنظر اليه بأسي وهي تربت علي كفه بحنو وصمت

فرفع وجهه نحوها .. وأبتسم وهو يتأمل ملامحها الهادئه هامسا بحب

– انا لا أستحقك .. تستحقي أب افضل مني ..

سامحيني علي مافعلته بكي

وعندما رأت دموع والدها تتساقط علي وجهه .. نهضت لتحتضنه بحب

حياه : انت أفضل أب .. صدقني أبي انا راضيه بحياتنا

أرضي انت ايضا وانسي ما كنت عليه

لينظر اليها بأسي : لا أستطيع صغيرتي .. تلك الحياه لا أقدر عليها ..حياة الفقر سيئه .. سيئه بشده

فتأملته بصمت .. وهي تعلم ان لا شئ سيغير سخط والدها

فدوما كان رجلا متغطرس متكبرا ..يري كل شئ من علو

حتي في حديثه عن والدتها رحمها الله كان يُخبرها دوما انها كانت مجرد ممرضه لا أكثر..فقد تعرف عليها بالمشفي عندما كُسرت أحدي ساقيه وكانت ترعاه خاصه عندما علمت بأنه عربي مثلها فوالدتها كانت جزائرية من حيث والدتها ام والدها فكان مصري

مرض أستقراطي لدي والدها لا تعلم هل المال هو من زاد غطرسته ام هي نشأة سيئه زُرعت داخله

ومن حديثه الدائم عن والديه علمت أنها نشأه وان البرج العالي ها قد سقط دون شعور منه … صفقه ضخمه دخلها بكل تعجرف انهت حصاد سنوات طويله .. وكأن عقله كان مغيب يوم ان مضي عقود تلك الصفقه

أنتهوا من تناول الطعام .. وذهبت لتعد له قهوته

وبعدما أنهت كل ماعليها فعله .. ركضت نحو حاسوبها

لتنظر الي الرساله التي بعثتها صديقتها

– ياأهلا أهلا بالناس الحلوه

فأبتسمت حياه لرسالة صديقتها ..فهي تعود معها لموطنها الذي لم تراه .. ورغم انها تتحدث العربيه ..الا ان لهجة موطنها العاميه كانت تجهلها .. اما الان ومعها فهي فتاه مصريه أصيله كما أصبحت تُخبرها “فرح”

حياه : أحكيلي يلا عملتي أيه مع العريس

وضحكت وهي تقرأ رسالة صديقتها

– طفشته كالعاده يابنتي …ده جاي يقولي عرفيني بنفسك

يكونش كنت في مقابله عمل وانا معرفشي

فردت حياه ضاحكه :يكونش انتي بتجيبي الكلام ده منين ويعني ايه يكونشي ديه .. انتي متأكده انك صحفيه يافرح

لتبعث فرح برسالتها وهي تضحك

– لاء ياحياه كده كتير بقالنا سنه صحاب ولسا مش عارفه تلقطي مني الكلام

وضحكت وهي تتذكر يوم ان عرفتها علي احدي المنتديات العربيه وكيف كانت تتحدث بالعربيه الفصحي واحيانا بالانجليزيه واحيانا اخري تدمج اللغتان ببعضهم

وكيف كانت تبحث عن صحبه من موطنها في محنتها

وبدأت صداقتهم رغم تحفظها في البدايه لهذه الصداقه ..ف فتاه نشأة في وطن غربي بالتأكيد ستكون معتقداتها غيرها تمام

ولكن مع مرور الوقت علمت ان حياه ك أسمها حياه حقا ..

وانتبهت الي رساله حياه .. وصورتها بالحجاب

فشهقت بسعاده

– حياه مش معقول انتي أتحجبتي

حياه : أشتريته امبارح .. خلاص يافرح أنا قررت ألبس الحجاب .. انا مسلمه وده فرض عليا .. غير اني سعيده اووي بقراري ده

لتجد هاتفها يعلو رنينه .. فتضحك وهي تري رقم صديقتها التي أكتسبتها في محنتها وكانت خير صديقة لها

– لاء انا عايزه احتفل بيكي ياحياه يابنت محمود

وكان صخب ضحكاتهم يعلو .. ليقف والدها خلف الباب

الذي لم يكن مُغلق بالكامل وابتسم بسعاده وهو يري صغيرته تسير في الأتجاه الصحيح ورغم انه لم يركع فرضاً يوماً الا أن ابنته ها هي تؤدي فروضها ..كما انها ستستر نفسها ب لباس الستر والعفه

وأبتعد عن الباب وهو يتذكر الماضي .. يتذكر شبابه وطيشه ويتذكر الفتاه التي هد….م مستقبلها وحياتها وأنهي بعمرها وهي تحمل طفله في احشائها بعد ان رفض الاعتراف به ورغم انه يعرف انه طفله وان هو من خدعها الا انه كان جباناً وقد هرب بعد ان علم بمو…..تها

لينكسر ظهر والدها واخاها ..اما هو بضعة اشهر من الشعور بالذ…نب وبعدها عاد كما هو ” محمود الرخاوي” الذي لا يعرف الرحمه ..الذي يضع نفسه دوما في المقدمه

…………………………………

جلس بترفع علي كرسي مكتبه .. وملامحه الجامده مازالت مرسومه علي وجهه .. ليُطالع سكرتيرته وهو يُشير لها

– كل العقود اللي طلبتها منك جاهزه يامها

فنظرت اليه مها بهدوء وهي تقترب منه وداخلها يتحدث

– نفسي اشوفك مره بتضحك ياشيخ ..كله أوامر أوامر .. ابتسم هتمو…….ت ناقص عمر

واقتربت منه ووضعت ما طلبه أمامه .. ليجلب قلمه الذي طُبع عليه شعار شركات العائله .. وبدء يضع أمضته

ويُطرق الباب الذي لم يُغلق بأكمله بطريقه مسرحيه ويدلف بعدها فيجعل تلك الواقفه ..كالمنومه في عشق هذا الرجل الذي أغرمت به منذ اول يوم عمل لها هنا ..

رفع عمران عيناه نحو صديقه المُقرب قائلا :

تعالا يامروان

ثم نظر الي التي جانبه : اتفضلي انتي يامها

فجمعت الأوراق التي امامه … وقلبها يدق بعنف

وأبتسم لها مروان بلطافه …فتعلثمت في حركتها وخطت سريعا خارج الغرفه الفخمه وأغلقت الباب خلفها وهي تتمني لو أحبها يوماً

– بطل توزع أبتسامتك ديه علي الموظفين .. بيفهموها حاجه تانيه

فجلس مروان بأسترخاء علي احد المقاعد..زافراً أنفاسه

– هما اللي بيفهموا تصرفاتي غلط .

وعندما رأي نظرات عمران الجامده تابع :

– اخبارك ايه مع نيره .. مشاعرها بقيت واضحه اووي

لينهض عمران من مجلسه ساخطاً .. واتجه نحو شرفة مكتبه

– فين البرنامج الجديد يابشمهندس !

فأدرك مروان انه لن يأخذ أجابه من صديقه ..مادام لم يرغب بذلك

وأخرج احدي الفلاشات من جيب سرواله وهو يُحركها يميناً ويساراً بيده

وأتجه نحو الحاسوب الموجود علي المكتب الفخم

– تطبيق البرنامج الجديد ده طفره …

فأقترب منه عمران وهو يُتابع ما أكمله صديقه بعده

فهما يعملان في مجال الحاسوب … وهذا كان عالمهم الذي أشتركوا بحبه ورغم أختصاص مروان بهذا التخصص الا ان عمران لم يكن تخصصه بل كان شغفه منذ الصغر

فدراسته كانت كما رغب جده ووالده بما انه الحفيد الأكبر

” مهندس معماري” .. فمن سيُدير بعدهم أعمالهم اذا لم يدرس مارغبوا به .. وقد حقق رغبتهم كما ظل يُمارس رغبته بل وأسس شركته الخاصه من رأس ماله الخاص

فهم عائله “الكفاح والجد أساس حياتهم وهذا سبب من أسباب ثرائهم ”

فلم يكونوا من الاثرياء يوما .. جده كان يعمل بناء ومن مجرد عامل اصبح مُقاول صغير وبدء يكبر ويكبر الي ان أنشئ أسمه .. وبدء رأس ماله من لا شئ ليصبح بعد سنون صرح لا يُستهان به وكان والده رحمه الله نفس نهج جده

وبعدما أنتهوا من بعض التعديلات النهائيه .. نهض عمران من فوق كرسيه قائلا :

– أعمل اجتماع مع المبرمجين .. وعرفهم علي البرنامج الجديد اللي هنبدء في تطبيقه

ليُحرك مروان رأسه بتفهم

ونظر نحو صديقه وهو يُغادر مكتبه ..فهو شريك بهذه الشركه فنسبته 20بالمئه

وتمتم بمحبه : الله يعينك ياصاحبي شغل في البرمجه وشغل في المقاولات .. وشغل في الأدويه ..انت لو جبل كان زمانه أتهد.

…

جلست علي أريكتها المُفضله بأسترخاء وهي تتأمل المقال الذي نُشر اليوم ويحمل أسمها …فأبتسمت براحه فهي تُجاهد بأن تُسلط الضوء علي القري الفقيره وحاجتهم

ليعلو صوت هاتفها فتبتسم

– اهلا بالأعلامي المشهور

فضحك أمجد وهو يرتشف من مشروبه الساخن

– شايف أسمك منور النهارده الجريده .. انتي سيبتي حقوق المرأه ودخلتي علي الفساد

فيتعالي صوت ضحكات فرح : انا بتاعت كله ياباشا

ليتسأل وهو يبتسم : خالي عامل ايه .. أكيد مشفش المقال

وقبل أن ترد عليه كان صوت والدها يعلو .. لتهتف بهمس

– سيادة اللواء اه جيه علي السيره .. استر يارب

فضحك أمجد : روحي لقضاكي ياوصمة العار علي العيله المرموقه .

وقبل أن توبخه وتخبره أن كانت هي وصمة عار .. فهو بالتأكيد وصمتان ولكن كما العاده يغلق قبل أن يحصل منها علي رد الصاع صاعين

وأبتسمت بحب .. فهذا هو أمجد حبيبها .. حبيبها الذي تُداري حبه داخلها تحت سلاطة لسانها ومناطحته كالند

حتي احيانا يخبرها بأنه يراها رجلا وليست فتاه

وزفرت انفاسها بأسي .. الي ان أنتبهت لقرب والدها منها

وهو يتحدث بصوته الحاني

– يابنتي ياحببتي انا معاكي اننا لازم نسلط الضوء علي الناس الغلابه .. بس بأسلوب أفضل من كده أسلوب الشد ده مبيجبش فايده مع الحكومه .

لتدخل في نقاش طويل مع والدها عن كل السلبيات والفساد والظلم الذي يُحاوط الفقير في هذه البلد .. ولكن في النهايه رد والدها كأغلب الاباء انهاء المناقشه بدبلوماسيه

وضمها اليه بحب وهو يتسأل : صاحبتك اللي مصدعه دماغي عنها أخبارها ايه

لتتسع ابتسامه فرح بحب : حياه لبست الحجاب يابابا .. انا فرحانه اووي انها وصلت للمرحله ديه ..

وقبلته بأمتنان : تربيتك ليا نفعت ياسيادة اللواء ..

للتذكر حديثه لها دوما منذ ان كانت صغيره

” مدي ايدك ديما بالخير والسلام .. اقفي جنب كل من يري فيكي الخير ”

وها هي تفعل ..تفعل ما تربيت عليه ورأت عليه والدها .. والدها الرجل الطيب الذي رغم وظيفته التي يضبطها القانون الا ان قلبه عامر بحب الخير والرحمه والعدل الذي بُني عليه هذا القانون ولكن هيهات قانون اصبح ميزان العدل به ليس بميزان

وشعرت بيده الحانيه علي وجهها

– في عريس متقدملك

لتبتعد عن والدها بفزع هاتفه : تاني يابابا !

………………………………………………………..

نظرت الي ما صنعته لها العجوز بسعاده وهي لا تُصدق ما رأت عليه نفسها ..فستان طويل بأكمام يلائم حجابها ففي البدايه أندهشت العجوز ثم سريعاً ما ابتسمت لها

أبتسامه ودوده قائله : هذا ما يأمرك به دينك ياصغيرتي .. فليحفظك الله

ثم تلاشت أبتسامتها تدريجيا .. وهي تعطيها ظهرها وكأنها تُنهي الحديث

– الأن ستبتعدي عني من أجل دينك .

وماكان منها سوي أن ضمتها بحب .. تخبرها بتفهم

– انا بحثت عن ذاتي كوكو .. بحثت عن الطريق الذي وجدت فيه الراحه والسـ,ـكينه .

وتقدمت أمامها وهي تبتسم بأبتسامتها الهادئه

– اما انتي كوكو !

وأغمضت عين وفتحت الأخري وهي تُفكر بطريقة مسرحيه

– أممممم .. لا أستطيع البعد عنك ياجميل

ومالت عليها تُدغدغها بمشاكسه وحب .. حتي تلاشت الفجوه التي ظنت العجوزحدوثها … فالعجوز معها نسيت كل معتقداتها عن الاسلام

وضحكت العجوز .. الي ان ضر……بتها علي ذراعها

– كفي يافتاه .. لا اعلم كيف أحببتك

ومدت بيديها تربت علي وجنتيها .. وهي تُطالعها بحنان :

– لديكي شئ مريح للنفس ياصغيره .. انتي طيبه القلب غير والدك

ومن هنا علت ضحكات حياه .. لتتبعها ضحكات العجوز

وها هي الأن تقف امام المرآه تنظر الي ما صنعته العجوز لها بعد تلك الليله ..

وتقترب منها العجوز وتمسد علي فستانها قائله :

– أعجبك ما صنعته ماكينة الخياطه خاصتي

لتبتسم حياه .. وقلبها يدق كالطبول :

– جميل ..بل رائع كوكو !

………………………………………………………..

جلست تُمسد يد والدها الراقد فوق سرير المشفي بأسي

فاليوم الذي كان أسعد أيام حياتها عندما حملت فستانها الذي صنعته العجوز هدية لها .. وذهبت راكضه الي والدها كي تُخبره بفرحتها .. لتلجمها الصدمه وهي تراه منبطح علي الأرض دون حركه

ليُساعدها جيرانها لنقله الي المشفي .. وكانت الفاجعه الكبري.. والدها يُعاني من سرطان الدم وفي حالة متأخره

ومع عمره الذي تجاوز منتصف الستون أصبح العلاج مرهق لبدنه

أربعه أشهر مروا وكأنهم كالكابوس ..ولولا العجوز كرستين وفرح التي دوما تُحادثها وتعطيها الأمل والصبر .. لكان الوجع قد أهلكها .. فمهما كانت خصال والدها الا انه كل شئ بالنسبه لها هو عالمها الصغير .. والدتها توفت وهي في سن صغير فقد كانت بالخامسه .. ورغم بعد والدها عنها وتفرغه الكلي لصفقاته ونسائه… احبته بشده وتمنت دوما قربه كأي أب لأبنته … وجاء القرب كما تمنت ولكن عندما خسر والدها كل أمواله

لتشعر بحركته ونظراته الواهنه .. فمسحت دموعها سريعا هاتفة بلهفه : أتريد شئ ياوسيم

فأبتسم والدها بحزن .. فهي منذ ان مرض وأنهكه المرض ولم يعد كما كان ..اصبحت تُناديه بهذا اللقب

-آه ياحياه .. لمن سأترككِ

كان يتسأل داخله بألم .. فكل رفقائه قد ذهبوا عندما أفلس وخافوا أن يُطالبهم بمساعده

جمع صداقات عده من كل الاوطان ولكن كله تلاشي

وعندما جاء بذهنه صديق عمره حسام الذي أنقطع عنه بسبب حياته التي كان الحرام هو أساسها

افاق من شروده علي صوتها الحنون بعد ان حسم أمره :

– هيا ياوسيم .. سنذهب للبيت فجلسة العلاج قد أنتهت

وتابعت بدعابه كي تجعله يضحك :

– سأحضر لك أفخر الأكلات

…………………………………………….

جلست فرح بحضن عمتها تقص لها عن صديقتها وما أصابها .. لتربت عمتها علي ظهرها بحنو

– قلبي وجعني عليها اووي يافرح .. مسـ,ـكينه

وأعتدلت فرح في جلستها وهي تنظر الي عمتها الطيبه

– عايزه أساعدها ومش عارفه أعمل ايه .. بفكر أسافر لندن

وتابعت بتذمر : بس سيادة اللواء اخوكي مش موافق .. ماتقنعيه ياعمتو

وأقتربت منها تُقبلها علي وجنتيها كي تستميلها في صفها ولكن

– باباكي عنده حق يافرح .. احنا ايه ضمنا الناس ديه .. ديه مجرد بنت أتعرفتي عليها علي النت وكل اللي بينكم رسايل وتليفون

فأمتقع وجه فرح من تلك الأفكار التي يظنها أباها وايضا عمتها .. وتمتمت بأعتراض :

– ياعمتو ياحببتي ما انا بحكيلكم عنها وانتوا حبتوها من كلامي

فهتفت عمتها بتشبث : ديه حاجه وديه حاجه

فرح : والدها كان رجل أعمال معروف .. أنا بفكر أسأل عمران عن أسمه بما ان ليه بيزنس في لندن

ليصدح صوت عمران .. وهو يهبط درجات الدرج بأناقته المعتاده وبروده

– بتفكري تسأليني عن أيه يافرح

فتنظر اليه والدته بحب قائله : عايزه تسألك عن بنت ..والدها رجل أعمال مصري في لندن

فطالعها عمران لثواني وقبل ان يسألها عن أسمه.. بدء رنين هاتفه يعلو

أتجه الي مكتبه يُتابع مكالمته

أقتربت فرح من عمتها .. تضم ذراعها لها :

مالك يالولو ؟

فتنهدت ليلي وهي تُطالع أبنة أخيها

– هيفضل لحد أمتي قفل علي نفسه .. ابني عمره بيتـ,ـسرق من غير مايحس ..انا أستعوضت ربنا في مازن وصابره

فتتلاشي البسمه من وجه فرح .. عندما تذكرت ابن عمتها الذي توفي منذ اربع سنوات وكان الأبن الاوسط لعمتها

كم أوجعهم فقدانه فقد توفي في حادث وهو مازال عريس جديد لم يمضي علي زواجه سوي ثلاثة أشهر وبعدها رحل كما يرحل الجميع عندما ينقضي العمر

ووجدت عمتها تبكي .. فضمتها اليها بحب

وهي لا تعلم بما ستواسي قلب عمتها

فخرج عمران من مكتبه في تلك اللحظه .. وعندما رأي دموع والدته أقترب منها يُقبل يديها ..فأبتسمت :

– كنتي عايزه ايه بقي يافرح ..!

وكادت أن تُجيب فرح .. فتذكر شئ قائلا بسخط :

– انتي مش هتعقلي شويه في اللي بتكتبيه .. قلمك عايز يتقص شويه

وكالعاده لا يترك لقاء الا ويوبخها .. فتمتمت هامسه :

أنا بقول أخد بعضي وأمشي أحسن

فسمعتها عمتها .. وأبتسمت لينظر هو الي والدته فتُحرك يديها تخبرهُ ان لا دخل لها بينهم

واخيرا ختم كلامه : مش كفايه عليا الأستاذ التاني .. كمان انتي

وتابع بجمود : بس علي الأقل هو بيهاجم من غير ما يخلي حد يمسك عليه حاجه اما انتي

وأردف بتوعد : شكلي هقفلكم القناه الفضائيه والجريده

فطالعته بتأفف ثم أشاحت بوجهها بعيدا عنه .. فمهما احتد معها فلا تُجادله فقد تعودت علي طباعه وحفظتها

لا جدال مع “عمران العمري” في النهايه ستكون هي الخاسره ولا تفهم شئ

واخيرا نطقت : طب والقناه ومن أملاك العيله العريقه .. ايه اللي دخل الجريده اللي بشتغل فيها في الحكايه

وتذكرت صاحب الجريده الذي هو في الاصل صديق عمران وكادت أن تُكمل سخطها عليه

فدق قلبها بعنف .. وهي تسمع صوت أمجد المرح يعلو ويتجه نحوهم

– العيله كلها متجمعه .. فاضل خالي بقي وكده فريق المُعارضين يكمل

وأقترب من والدته يُقبل يدها ثم جبينها .. بعد ان أشار لعمران بالتحيه

ونظر الي القابعه بجانب والدته غامزاً لها

– انتي طبعا مش من ضمن فريق المعارضين .. انتي مع الثوار

وحياها ضاحكا .. لتضحك علي دُعابته .. بل نست كل شئ معه

أمجد حب طفولتها ومراهقتها حتي لعمرها الخامس والعشرون .. وكلما مرت الأعوام أزداد حبه السري في قلبها هي تعلم بأنه يراها كأخت له وفضلت ان تخفي مشاعرها بدلا أن يُجرح كبريائها يوما

ورحل عمران بعد أن أعطي لهم نصائحه .. ام هي قد احبت الجلسه

…………………………………………………………

أرتخت بذقنها علي قبضة يدها وهي تزفر أنفاسها وتُطالع ماتبقي من مال لديهم في رصيدهم المصرفي ..فلم يعد مُتبقي الا القليل

لتنهض العجوز من فوق كرسيها وتقترب منها وتحتضنها بحزن

– لا تحزني صغيرتي ..

وأخذت تربت علي ذراعيها وهي تُفكر في حل تدبير المال من أجل علاج والدها

لتهمس حياه بوجع : يجب ان أبحث عن عمل

فتشعر العجوز بالألم .. وهي تعود لمكان جلوسها مجدداً

– لو كان معي مال ياصغيرتي ..

وكادت أن تُكمل باقي عباراتها .. فوضعت حياه بيدها علي كفها تربت عليه برفق

– أعلم كوكو

وحدقت بغرفة والدها المغلقه وهي تتمني ان يخيب شعورها فكلمات والدها تلك الأيام أصبحت عن الوداع حتي أنها باتت تكتم حسرتها داخلها

– حين يعود من سفرته أخبريه ان محمود الرخاوي من هاتفه ثم أملي لها عنوانه

لينغلق الخط وهو يتمني أن يلحق به صديقه قبل فوات الأون

فهو من يستطيع أن يستأمن عليه أبنته

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *