جوازه نت ج ٤ الاخير

جوازه نت ج ٤ الاخير

“جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة السادسة عشر”
وصل أحمد قرابة المغرب، وتم الترحيب به بشدة، وكانت الفرحة تملأ منة لوجود شقيقها، ورحّب به عبدالهادي شاكرا له قدومه لزيارته، وقابل أحمد ترحيبه بامتنان، وعندما جاء دور سيف في السلام على أحمد، راعا الاثنان ألّا يظهر عليهما أية علامات تدل على سوء العلاقة بينهما،.. أمرت زينب مهجة بوضع الحقائب في الجناح الشرقي الخاص بالضيوف، وهو عبارة عن غرفتي نوم بكل واحده حمامها الخاص، وردهة متوسطة ومطبخ صغير يقتصر فقط على وجود طبّاخ كهربائي والأدوات اللازمة لصنع المشروبات الساخنة…، وقد تقرر أن يكون هذا الجناح خاص بعائلة منة والديْها وشقيقها مع عائلته، أما نادر فتم اعداد استراحة صغيرة موجودة في حديقة المنزل، وتتكون من غرفة نوم متوسطة وصالة استقبال واسعة الى حد ما، وحمام ومطبخ ….، بينما استأذن عمر في الرحيل مبررا بأنه لا يستطيع الابتعاد عن المكتب كثيرا خاصة في عدم وجود سيف…..
بعد أن استقرّ الضيوف في غرفة الجلوس ، توجه عبدالهادي بالحديث الى أحمد سائلا إياه عن أحوال رحلته الى البلدة ، وعمّا إذا واجه صعوبة في الوصول، كان أحمد يتحدث بمنتهى التلقائية، وقد تناسى غضبه مع سيف لدى مشاهدته الأريحية التي تتعامل بها منة معه، كما أن والديْها كانا يتعاملان معه بتلقائية شديدة كأن لم يكن يحدث شيء!..،دخلت منة وايناس الى غرفة الاخيرة، جلست منة على طرف الفراش بينما ايناس تقوم بوضع ثيابهم التي جلبوها معهم لقضاء ليلتهم في الخزانة، قالت ايناس وهي ترفع الثياب من الحقيبة الموضوعه فوق الفراش :
– ما شاء الله على حماكي وحماتك يا منون، بجد ناس في منتهى الطيبة والاحترام..
منة موافقة على كلامها:
– أكيد، وانا بحبهم جدا، إنتي عارفه لولا خوفي على زعلهم انا كنت مشيت من زمان…
اتجهت ايناس لوضع الثياب في الخزانة واستدارت وهي تستند على رف الثياب قائلة بتقطيبة:
– إلا صحيح يا منة، عمك عبدالهادي لسه ميعرفش باللي حصل؟…
نفت منة بهزة من رأسها وأجابت:
– لا طبعا، دا كان بين الموت والحيا، والحمدلله ربنا نجّاه، عمي ميعرفش حاجه كل اللي يعرفه انه واحد بيكره سيف طلع الاشاعه دي وانا قلت له اننا كنا في اسكندرية بنقضي يومين لما جالنا خبر تعبه المفاجيء دا، ودا اللي خلّاه يصدقني، بس اللي وقفت جنبي بجد هي حماتي، الست دي فعلا اللي يتقال عليها سِتْ بميت راجل، عملت معايا اللي متعملوش أم لبنتها !!…
اتجهت ايناس الى منة بعد أن أنهت وضع الثياب في الخزانة الخاصة بهم ، جلست أمامها وقالت وهي تعقد جبينها متسائلة:
– هي عرفت؟، أومأت منة بالايجاب فتابعت ايناس متسائلة:
– وعملت ايه؟؟..، ضحكت منة واجابت:
– قولي معملتش ايه!!، دي ماسابتش حاجه معملتهاش، قومي قومي ياللا زمانهم حضروا العشا.. مرام مع هنا وفرح وزمان سلمى عشِّيتهم مع عيالها، أهي سلمى دي عليها حنيّة مش ممكن، ربنا يصلح لها الحال مع جوزها….
أمّنت ايناس على دعاء منة واتجهت معها ليلحقا بالباقين في غرفة المائدة وهي تقول ضاحكة:
– لا.. ياللا بينا ، أحسن مش عارفة ليه عندي احساس كدا ان جوزك ممكن يأكّلنا نادر ع العشا!!، أنا شوفت نظراته ليه، كأنه بيتمنى الارض تنشق وتبلعه !!..
ابتسمت منة ابتسامة صفراء وعقّبت:
– هههه، ظريفة أوي!، طب ياللا يا خفيفة نلحقهم…، ضحكت ايناس وتابعا سيرهما الى غرفة المائدة للحاق بالباقين…
———————————————————-
كان الجو العام يسوده الهدوء أثناء تناولهم طعام العشاء، والذي تخلله بعض الاحاديث الخفيفة، كانت منة تجلس بجوار سيف والذي يجاور والدته التي تجلس يسار عبد الهادي ، وعبد العظيم صمم عبدالهادي على أن يجلس هو الى يمينه، تجاوره عواطف ثم نادرفأحمد وأيناس..
لم يكن سيف متتبع للأحاديث التي تدور بين الجالسين، فكان منشغل باستراق النظرات الى نادر وهو يضغط على أسنانه بين كل حين وآخر، يتمنى لو أن بإمكانه ترك المكان مصطحبا منة معه وألا ينزلا من غرفتهما الا بعد رحيل هذا الـ….. نادر !!
لفت انتباهه كلمة جعلته تيبس في مكانه، فقد قال أحمد بتلقائية رادّاً على سؤال عبدالهادي عن مكتب نادر السياحي والذي حدّثه الاخير عنه:
– لازم تتعامل معاه يا عمي، بجد حضرتك لو ناوي تطلع عمرة مثلا هتلاقي عنده عروض جميلة، أحسن من أي عروض ممكن تلاقيها في أي حتة تانية!!، ثم غمز منة مازحا متابعا وهو يقول الكلمة التي خرقت سمع سيف وأوشك أن يغصّ بطعامه:
– وبعدين كفاية ان الباش مهندسة منة بنفسها هي اللي عملاله ديكور المكتب، أنا متأكد إن شغلها هيبقى وشّه حلو عليه!!،،،
ابتسمت منة بخجل بينما التفت سيف اليها ناظرا اليها بحدة لم تنتبه لها وهى تعلق على كلام أحمد:
– هو أنا لسه عملت حاجه، انا ما لحقتش أرسم خط واحد حتى!
عبدالهادي متسائلا:
– ليه يا بتِّي؟، ديه شغلك برضك!..
منة بابتسامة:
– أبدا يا حاج، أصلي شوفت المكتب في نفس اليوم اللي جينا فيه هنا، فما لحقتش اعمل حاجه..
عبدالهادي بهدوء:
– واني خلاص بجيت منيح، يُبجى لازم تخلصي أشغال الناس المتعطّلة ديْ…
أجاب نادر بابتسامة:
– حصل خير يا حاج، وبعدين أنا مش غريب ووقت ما منة تفضى تبقى تشتغل فيه براحتها..
عبدالهادي بلهجة قاطعه لا سبيل لمعارضتها:
– لاه يا ولديْ، مش عشان إنت تُبجى ابن خالتها يُبجى تتعطل مصالحك ، عموما فرصة إنك موجود إهنه، فمنة تجدر تخلِّص الشغل اليامين دول!!…
تبادل الجالسون النظرات، منهم المتفهم لكلامه كعبدالعظيم وعواطف، ومنهم الغير مبال كأحمد، ومنهم المشفق على منة كإيناس، ومنهم المتردد بين الفرح لأنه سيكون بجوار من يهواها قلبه وبين الخوف من نظرات ذاك القابع بجوارها يكاد يفتك به بنظراته!، ومنهم الخائف من نتيجة هذا القرار كمنة ولكنها تحاول التماسك واصطناع الهدوء وبث الثقة في نفسها أنه لا يوجد ما يريب في الأمر فهذا عملها ولا بد من إنجازه!، ومنهم الذي يكاد يرقص جزلا لأن خطته تسير كما سبق ورسمها كـ….زينب!، أما …سيف، فحدّث ولااااا حرج!، فما إن إنتهى والده من القرار الذي أدلى به بمنتهى الهدوء حتى كاد أن يقفز صائحا بغضب عنيف شرس يملأ دواخله، ولكنه تمالك نفسه بصعوبة شديدة، قابضا على يديه بقوة وضاغطا على أسنانه بشدة حتى أن وجهه قد أصبح بلون ثمرة الفراولة ولكن غضبا وكمدا، ومن يراه يكاد يقسم أنه يرى دخانا يخرج من أنفه وأذنيه، وقد إحمرّت عيناه بلون الدم، فغدا كالتنين الهائج الذي ينفث نارا من شدة غضبه الوحشي !!….
بعد ثوان عاد الحديث ثانية بين الجالسين حول مائدة الطعام باسثناء شخصين، منة التي كانت تتلاعب بالطعام في انتظار انتهاء الباقين من تناول طعامهم، وسيف الذي يجلس وكأنه يجلس فوق جمر من النار، يدعو الله أن تنتهي محنة تناول الطعام سريعا ليتحيّن الفرصة السانحة للإنفراد بمنة، فهوإن لم يواجهها بما يعتمل في داخله اليوم وينهاها عن القيام بهذا العمل، لا يضمن ما الذي سيفعله ان رآها بجوار هذا اللعين المتبجّح !!..
بعد الانتهاء من طعام العشاء طلبت زينب من الجميع الذهاب الى الحديقة حيث ستوافيهم مهجة بأكواب الشاي، وأكمل الجميع سهرتهم في الحديقة المزدانة بمصابيح صغيرة، بينما يعم الجو هدوءا جميلا، وتهب من آن لآخر نسمة هواء عليل، ويرتفع صوت صرصور الليل كالموسيقى التصويرية لتكمل هذا المشهد الريفي البديع، حيث يتناول الجميع الشاهي مع أكواز الذرة المشوي الطازجة والتي يقوم بشيّها رمّاح !!…
استأذن عبدالعظيم للذهاب للنوم تبعته زوجته ثم بعد قليل لحق به أحمد وايناس، فوجد نادر أنه من الأنسب انسحابه هو الآخر، ليقف سيف فجأة ما ان توارى نادر عن الانظار زافرا براحة وعمق وقال وهو يمد يده ليمسك بيد منة:
– احنا كمان هنستأذن يا حاج، عن اذنك، وقام بتقبيل يد والده ووالدته وهو يقبض على يد منة بقبضة محكمة حيث لم تستطع الافلات منها، فاصطنعت الابتسامة وأومأت برأسها متمتمة بتحية المساء لعبدالهادي وزينب والتي كانت تلاحقهم بنظراتها الماكرة !!….
———————————————————-
ما إن دخلا سيف ومنة غرفتهما حتى جذبت منة يدها بقوة من سيف والتفتت إليه تهتف بحنق بينما كان يغلق الباب خلفه:
– أقدر أعرف ايه اللي انت عملته تحت دا؟، شدتني من ايدي زي ما أكون عيّل صغير كدا ليه؟!!…
اقترب سيف منها عدة خطوات ووقف امامها واضعا يده في جيبه وقال بنظرات غامضة وبهدوء مريب:
– مزعّلك أوي اللي انا عملته؟، والشُّو اللي اتعمل على العشا دا يبقى ايه؟، ما يزعّلش؟!، أعرف بالصدفة حكاية الشغل بتاع سي…نادر دا؟، …سكت قليلا وتابع ساخرا:
– أنا على كدا طلعت الزوج اللي آخر من يعلم !!…
نظرت اليه منة في برود مغيظ وقالت بلامبالاة أشعلت النار في عروقه:
– ما جاتش مناسبة إنك تعرف!، عادي يعني، وبعدين الموضوع حصل زي ما قُلت لعمي، يوم ما روحت شوفت المكتب هو نفس اليوم اللي شوفت حضرتك فيه ونفس اليوم اللي جالنا فيه ان عمي تعب ونقلوه المستشفى، يعني تسلسل الاحداث نفسه ما سابش أي فرصة لأي موضوع زي دا إنه يتفتح….
اقترب منها سيف ووقف على بُعد إنشات قليلة منها ومال برأسه تجاهها سائلا بريبة وعقدة عميقة تحتل جبينه العريض:
– إنتي روحتي شوفتي المكتب معاه يوم ما انا لاقيتكم قاعدين في الكافيه اللي ع البحر، صح؟، أومأت بالايجاب، فتابع بغيظ من بين أسنانه وهو يقبض فجأة على ذراعها بقسوة جعلتها تشهق متفاجئة:
– وإزاي يا مدام يا محترمة تسمحي لنفسك تروحي مع واحد غريب عنك لا هوّ اخوك ولا حد من محارمك مكتب عشان ايه؟، وتابع مقلّدا اياها بسخرية:
– تشوفيه علشان تعملي الديكور بتاعه !!…
كادت ابتسامة أن تفلت منها ولكنها جعدت وجهها في تكشيرة عميقة وطالعته ببرود ثلجي وقالت وهي تحاول جذب ذراعها من قبضته:
– انا قلت لك 100 مرة يومها ان احمد كان معانا أنا ما بكدبش، وبعدين معلهش بقه انا عارفة ديني كويس أوي، ومراعية حدود ربي، مش محتاجه حد انه يقولي ايه الصح وايه الغلط !!..
ضيّق سيف عينيه ومال عليها حتى أن أنفاسه اللاهبة قد لفحت وجهها فشعرت بسخونة شديدة تصفع وجهها:
– بردو بتلفّي تلفّي وتفتحي نفس الموضوع!، وبردو هقولك …. انا غلطت وتبت وندمت حطيتي الكلمتين دول في دماغك الناشفة ديه وفهمتيها واستوعبتيها هترتاحي في عيشتك معايا يا بنت الناس، لكن فضلت راكبه دماغك وكل شوية تفتحي نفس الموضوع يبقى عيشتك هتبقى نكد في نكد والنكد دا مش هيبقى منِّي لأ، النكد دا هيبقى منك إنتي لأنك مش هتكوني راضيه عن حياتك معايا، وبصي بقه كلمة وتحتها مليون خط بالاحمر انسي خاااالص أنك تبعدي عني ولو لحظة واحده، ولما نرجع #مصر ان شاء الله هترجعي معايا إنتي والبنات على بيتنا، أظن واضح؟!!..
نظرت اليه منة بقوة وقالت بثبات:
– بص يا سيف، إنت أكتر واحد عارف أنه لهجة الأمر دي ما تنفعش معايا، موضوع انى كل شوية ألف وافتح نفس السيرة صدقني مش من جمالها أوي بتكلم فيها، لكن أعملك إيه إذا كنت بتحاول توعظني وتعدل عليا، أما بقه حكاية اننا هنرجع من هنا على البيت عندك، فالكلام دا سابق لأوانه، ودلوقتي بقه لو سمحت ممكن تسيب دراعي، مش لعبة هي كل شوية تقفش فيه!!..
أجاب سيف وقد تصاعدت نيران الغضب بداخله لتنعكس على عينيه اللتان رمقتاها بنظرات دخانية عاصفة:
– شوفي يا منة، حساب وهحسابك، ولو شوفتك عاوزة تتقوّمي هقوّمك، أنا جووووزك يا هانم ، حطي الكلمة دي حلقة في ودنك، واسمه بيتنا مش بيتك، وكلمة أخيرة الشغل بتاع مكتب ابن خالتك دا تسيبيه، هتعتذري له انك مش قادرة تعمليه مفهوم؟..
نظرت اليه بحدة جعلت عينيها تلمعان وأجابت بحدة بينما صبغ لونها لون أحمر شديد ، دليل على غضبها الذي يمور بداخلها لم تعلم أنه جعلها شديدة الفتنة واصطبغ صوتها برنة تحد لم يرق لسيف:
– بص بقه علشان أنا زهقت، شغلي اللي اتفقت عليه مع نادر هعمله، ولو كان فيه أي حاجه غلط ما كانش والدك أول واحد اتشجع له وصمم أني أخلصه، بس عارف ليه والدك عمل كدا؟.
سأل سيف ساخرا:
– ليه يا فيلسوفة زمانك؟
أجابت ببرود مستفز وعيناها تلمعان بالتحدي:
– لأنه ارتاح أوي لنادر، حاكم فيه ناس كدا ترتاح لها من أول ما تشوفها، ونادر ابن خالتي من الناس دي!!..
ضغط على ذراعها بقوة شديدة جعلتها تئن ألما وجذبها ناحيته حتى كادت رأسها ترتطم بصدره وقال بينما نظرت اليه في دهشة وريبة:
– وأنا مش مستعد دمي يتحرق وأنا شايفك عماله تتكلمي معاه، ولو مصممة على الشغل دا يبقى أنا معاكي خطوة بخطوة، فاهمه يا منة؟، ولمصلحتك إنتي بلاش تختبري صبري أكتر من كدا!..
نظرت منة اليه مقطبة وهتفت محاولة افلات ذراعها من قبضته:
– انت اتجننت يا سيف؟، سيب دراعي!، إنت ازاي تسمح لنفسك تمسكني بالاسلوب الهمجي دا؟!…
أمسك بذراعها الحر الآخر وشدّها ناحيته وهو يجيب بصوت أجش بينما يرى وشاحها وقد انحلت ربطته لتنطلق خصلات شعرها تحيط بوجهها وقد انفلتت عقدته المحكمة بينما كان يهزها بخفة:
– ايوة اتجننت يا منة!، إنتي أكتر واحده عارفة بُعادك عني بيجنني إزاي!، ماينفعش تستني منّي أنك تكوني جنبي وبين ايديا ومعرفش ألمسك؟، أو أخدك في حضني!، أنا عارف أني وعدتك أني عمري ما هقربلك تاني، لكن احساسي أنك ممكن تروحي من ايدي بيموتني، ويخليني أتجنن ….، إرجعي بقه، إرجعيلي منة اللي حبيتها واتجوزتها، منة اللي قلبي دق لها من اول لحظة سمعت فيها صوتها قبل ما أشوف وشّها كمان، منة اللي كنت هتجنن علشان توافق عليّا ، منة اللي عمري ما حبيت ولا هحب حد غيرها، ارجعيلي أرجوكي!!.
لمعت عيناها بدموع محبوسة وقالت بابتسامة أسف:
– للأسف يا سيف، حتى لو رجعت لك زي ما إنت عاوز، منة اللي انت شوفتها وعرفتها وحبيتها واتجوزتها ماتت على إيديك، اللي إنت شايفها قودامك دلوقتي دي منة تاني خالص، صُنع ايديك إنت، ما تستناش مني أني أرجع منة المسالمة البريئة اللي كانت عمرها ما فكرت إنها تشك في حبيبها وجوزها، ولما كانت بتسمع صحباتها وهما بيتكلموا ويقولوا انه لازم الواحده تفتش ورا جوزها بتضحك وتسخر منهم وتقول لهم الحياة يبقى شكلها ازاي وإنتي مخوّنه جوزك؟، كانت حاطة في بطنها شادر بطيخ صيفي، مش بطيخه واحده!، …..ابتسمت ساخرة وتابعت:
– لكن للأسف البطيخ طلع أقرع!، ودفعت تمن غبائها بأقسى صورة، تفتكر أنه ممكن منة دي ترجع تاني؟، أنا آسفة يا سيف، اللي بيموت مش ممكن يرجع تاني!!…
خفف قبضته عن ذراعها فانتهزت الفرصة لتفلت من قبضته ، وعندما همّـت بالمرور من أمامه أمسك بساعدها فرفعت نظراتها اليه لتشاهد عينيه يطالعانها باستجداء بينما يهمس بتساؤل قلِقْ:
– أنما حبهم لبعض مامتش!، مش كدا يا منة؟، حبك ليا مامتش بدليل إنك لسه قودامي، معايا، حتى لو كان مش بإرادتك والظروف هي اللي خلِّيتك تبقي هنا، لكن أنا متأكد أن حبي لسه في قلبك، لأنك عارفة ومتأكده إني حبي ليكي عمره ما قلّ ولا هيقلّ، ومهما عملتي فيا وزعلتي مني وقسيتي عليّا عمري ما هقدر أبعد عنك، وكفاية عليّا دلوقتي انك قودام عينيا، بس عاوز أسألك سؤال ويا ريت تجاوبيني بصراحه، وصدقيني مش هفتح سيرة الموضوع دا تاني؟!..
منة بخفوت وهي تشيح بعينيها بعيدا:
– اسأل يا سيف…
سيف بصوت خشن يحمل نبرة توسل لا إرادي:
– تفتكري ان ربنا قبل توبتي؟، ويا ترى توبتي دي توبة نصوحة فعلا؟!!..
تنهدت منة بعمق ونظرت اليه بعينين تمتلئان بدموع تسبح في مقلتيها قائلة بلهجة متسامحة محاولة إبعاد القلق التي تراه في عينيه بعيدا:
– ربنا بيقول في كتابه العزيز ما معناه : قل يا عبادي اللذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم، صدق الله العظيم ، والرسول عليه الصلاة والسلام بيقول : التائب من الذنب كمن لا ذنب له، بس تكون توبة نصوحة وشروطها واضحة ، التوقف عن الذنب والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة الى ارتكاب الذنب، وأعادة الحق لأصحابه، وإنت ندمت وتبت ورجعت عن الطريق اللي كنت ماشي فيه ، مش بس كدا … لأ، انت أعلنت توبتك ، واخترت انك تبري ذمتك منها وطلقتها في وجود شهود وأعلنت دا لكل اللي عرف موضوعكم، لأنك حابيت أن ربك يكون راضي عنك، فبإذن الله ربنا يقبل توبتك، ربنا مطّلع على القلوب يا سيف، …..سكتت قليلا لتتابع مجيبة التساؤل الصامت الذي يملأ عينيه:
– لكن ما تلومنيش أني مش قادرة أنسى وأسامح، أنا مجرد بشر يا سيف مش ملاك !!…
ابتسم سيف ابتسامة أمل وأجاب وهو يحتوي يديها الصغيرتين بين راحتيه الضخمتين:
– وأنا متأكد إنك هتسامحيني، عارفة ليه؟، أجاب تساؤلها بابتسامة حنان:
– علشان زي ما قلتي أنا توبت توبة نصوحة، ونفذت شروطها، وأنا متأكد إن ربنا هيمنّ عليّ بفضله وهيحفظ لي مراتي وبناتي، لأني كنت مخلص وصادق في توبتي وربنا شاهد عليّا، وكفاية عليّا أوي دلوقتي انك واثقة في توبتي، وأنا متأكد أنك هترجعي مُنايا اللي حبيتها واتجوزتها بس ليا طلب عندك، يا ريت تسيبي الباب موارب، ما تقفلهوش، ما تخلينيش أحس باليأس، وعلشان تبقي عارفة عمر يأسي ما هيخليني أبعد، لكن أنا اشتقت لك اوي، ووحشتني أيامنا الحلوة ، ممكن توعديني أنك تديني فرصة وتدّي لنفسك فرصة وما تقفليش الباب في وشّي؟!!..
نظرت اليه منة وأجابت وهى تسحب يديها من قبضته:
– سيبها بظروفها يا سيف، اديني فرصة أنا كمان أني أتخلص من الغضب اللي جوايا، محدش عارف بكرة فيه إيه؟…
ابتسم سيف ومال عليها مقبلا جبينها بعمق وهو يقول:
– وأنا مش هطمع في أكتر من كدا، ياللا علشان تنامي، تصبحي على خير…..
ابتعدت منة عنه وذهبت الى الخزانة متناولة منامتها واتجهت الى الحمام لتغتسل وتبدّل ثيابها، واتجه هو الى الحمام الخارجي للاغتسال وتغيير ثيابه، وعندما عاد ثانية كانت منة تغط في نوم عميق وابتسامة ترتسم على شفتيها جعلته يبتسم بدوره هو الآخر واتجه اليها بخفة ليميل فوقها مساويا الغطاء عليها مقبلا وجنتها برقة هامساً في أذنيها بحب:
– تصبحي على خير يا مُنايا…
واتجه الى الاريكة حيث فرش منامته ورقد على جانبه المواجه لمنة وابتسم قبل أن يغلق عينيه مستسلما لنوم عميق لم ينلْه منذ أن هجرته منة !!..ولكن …..لم يعلم سيف أن هذه الابتسامة التي زيّنت وجهه لن تدُم سوى ساعات الليل فقط لتنقلب الى تجهّم وغضب أسود يعتلي وجهه في الصباح الباكر ما إن يفتح عينيه!!….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *