جوازه نت ج ٤ الاخير
جوازه نت ج ٤ الاخير
“جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة السابعة عشر و الأخيرة”
وقفت منة مستندة على حائط ممر غرفة العمليات الجراحية المقابل لباب تلك الأخيرة وقد ساد وجهها الوجوم وتحجرت العبرات في عينيها، فمنذ أن أفاقت بعد اغماءتها على إثر سماعها نبأ اصابة سيف بطلق ناري وقد صممت على اللحاق بعربة الاسعاف التي نقلته الى المشفى الخاص الموجود بعاصمة المحافظة والذي كان والده من أكبر المستثمرين فيه حيث يملك بمفرده اكثر من ستون بالمائة من الأسهم، وقد رافقها احمد ووالدها ونادر، بينما رافق سيف في العربة والده، وقد جاءت زينب وعواطف في العربة الخاصة بعبدالهادي يقودها سائقه الخاص،بينما جلست ايناس بالاطفال في المنزل، منذ ذلك الوقت وهي لم تجلس، فهي واقفة على عقبيها منذ أن وطئت قدماها أرض المشفى، فقد اتجهت من فورها الى الطابق الخاص حيث تتواجد غرفة العمليات الجراحية بعد أن استفسر والدها عن مكان تواجد سيف مدلياً بإسمه، كانت تهرول وهى تتجه حيث الغرفة يلحق بها احمد ونادر ووالدها والذي كان لسانه يلهج بالدعاء لزوج إبنته داعيا الله أن يكتب له السلامة وألاّ يُذيقهم حزنا فيه …..
علمت أنه بالداخل لاجراء عمليه جراحية دقيقة لاستئصال الرصاصة، غاب بالداخل مع فريق الاطباء اكثر من 3 ساعات وهي رافضة لألحاح والدتها عليها بالجلوس، فمنذ أن أنهارت بين يديها وأمها تخشى عليها أن يصيبها الانهيار مجددا، لم تنبس ببنت شفة، تكتفي بهز رأسها رفضا فقط، وكأنها استحالت الى تمثال من الشمع، فقد تحجرت جميع تعابير وجهها، وتجمدت دمعة خائنة تسبح في مقلتيها رافضة النزول، كانت تسمع بكاء حماتها وتعاطف امها معها وهي تريد الالتفات اليها تنهاها عن البكاء، لمَ البكاء؟، فسيفها حيّ، هي تشعر بهذا في قلبها، من المُحال أن يكون قد أصابه مكروه وهي لا تزال واقفة على قدميها لم تلحق به بعد!، لقد شعرت بما أصابه من قبل أن تسمع بذلك الخبر المشؤوم!، فقد نغزها قلبها وشعرت وكأن قبضة قوية قد أمتدت لانتزاعه بقسوة من بين أضلعها قُبيل سماعها نبأ اصابة سيف، فما إن سمعت دويّ إطلاق النار حتى علمت ماذا سيحدث؟!، وهي الآن تدعو الله في سرّها أن يكتب له النجاة ولا يذيقها فيه مكروه أبدا، فهو سيفها، حبيبها، والد بناتها، علمت أنها لا تستطيع الحياة من دونه لحظة واحدة، وتمنّت من الله أن يمنّ عليه بالشفاء، أما هي فستنسى كل ما صار وكان، فكلما تتذكر كلماته الاخيرة لها قُبيل نزولهم من غرفتهم لموافاة الضيوف بالأسفل، تشعر وكأنه كان لديه حدس بما سيحدث له، سؤاله المترجي عمّا إذا كانت توبته نصوحة فعلا، واذا كان الله قد قبلها منه؟، اهتمامه بأن يثبت لها أنه أبدا لن يفعل ما يغضب الله ثانية، كلمته الاخيرة من أنه يفضل الموت على أن يكون سببا في نزول دمعة أخرى من عينيها، كل هذه العبارات كانت تجول في بالها ، عندما رأت باب غرفة العمليات الواجه لها يُفتح فاندفعت الى الطبيب الذي ظهر من ورائه يرافقه طبيب آخر شاب ، اتجهت الى الطبيب في ذات اللحظة التي انتبه لها الباقين لخروج الطبيب واندفاعهم نحوه، وقفت أمامه تسأله بصوت مرتعش وعينين ترتجفان:
– طمنّي يا دكتور، ايه اخبار سيف؟…
زفر الطبيب عميقا وقال وقد لاح على وجهه الاجهاد فهو بالداخل يجري عملية جراحية دقيقة لمدة تقارب الأربع ساعات، تكلم بجدية وان لاح في وجهه حنان أبوي على هذه الزوجة الشابة التي يكاد خوفها على زوجها الراقد بالداخل يقتلها:
– اطمنّي يا بنتي، جوزك ربنا كتب له عمر جديد، الرصاصة كان بينها وبين القلب 2 سم، لكن ربنا ستر، المشكلة دلوقتي انه نزف كتير جدا، فعاوزين نقل دم حالا، احنا بعتنا نستفسر في بنك الدم، أنتو مافيش حد فصيلته مناسبة ليه؟، اندفعت منة قائلة:
– خد مني دمي كله يا دكتور بس رجعهولي تاني، .. أومأ الطبيب ايجابا قائلا:
– طيب اتفضلي حضرتك مع الممرضة علشان ياخدوا عينة من دمك يعاينوها قبل ما ياخدوا منك كمية الدم المناسبة ، بس لسه عاوزين متبرعين تاني، الكمية اللي نزفها مش شوية، هتف عبدالهادي:
– أني يا دَكْـتُورْ، هز الطبيب برأسه رفضا وأجاب بحسم:
– للأسف مينفعش يا حاج، حضرتك مريض ولسه قايم من دور جامد، احنا عاوزين كمية كبيرة مش هينفع ناخدها منك..
– انا عاوز أتبرع يا دكتور، هتف نادر بهذه العبارة فالتفت اليه الطبيب وقال باستحسان:
– ممتاز، اتفضل حضرتك مع المدام والممرضة، ولحق به أحمد قائلا:
– وأنا ، أشار الطبيب للمرضة باصطحابهم للمعمل للتأكد من تطابق الفصائل وخلو الدم من أية أمراض معدية، نظرت منة الى نادر الذي يسير بجوارها وتمتمت:
– شكرا يا نادر، أجاب نادر بنظرة حزن تغشى عينيه فهو قد تأكد أن حبيبته أبدا لم ولن تكون له:
– أنا مستعد أعمل أي حاجه علشان سيف يقوم بالسلامة ليكي ولبناته، أسبلت جفنيها في حركة شاكرة، ثم أكملا المسير متجهين الى المعمل…
– وِلد يا رماح عرفتوا مييين إبن الأبالسة اللي طخ وَلَدِيْ؟
همس عبدالهادي بهذا السؤال الى رماح الواقف بجواره يبكي كالأطفال على ما أصاب سيّده، مسح دموعه بكُم جلبابه الصعيدي الكالح اللون وهتف:
– إيوة أومال يا سيدي الحاج، الواد مجاهد وِلْدْ الفرطوس هو اللي صابه بالغلط وهو بيضرب عيارين في الهوا تفاريح برجعة ست سلمى لسي منعم…، سكت عبدالهادي قليلا ونظر اليه رماح متابعا:
– أني فكرت أطخه عيارين حج اللي عِمِلُه ديه ، لكن جولت أشورك حضرتك الاول!..
شهق رماح عندما أمسك عبدالهادي بقبّة جلبابه وهمس بحدة من بين أسنانه :
– أنت اتجنيت إيّاك!، تطخه كيف؟، عارف ديه هيبجى ايه؟، هيبجى بيننا وبين عيلة الغانم طار وبحور دم مالهاش آخر، جوصر الكلام أي حد هيسأل هنجول الرصاصة أنضربت من حدانا إحنا، لو حد في عيلة السوالمة شمّ خبر أنه مجاهد غفير كبير الغانم هو اللي طخ سيف ولدي مش عيسكتوا، وهتبجى بحور دم مالها آخر، هنجول للناس رصاصة طايشة من اللي الرصاص اللي كان بينضرب في الجو ، حد شاف إمجاهد غيرك؟
هز رماح رأسه بسرعة نفيا بطريقة كوميدية حتى أن صدغيه الممتلئيْن قد ارتطما ببعضهما وهتف بذعر:
– لاه، ماحدش شاف وِلْد الفرطوس ديه غيري، حتى هو ميعرفش أني شوفته، أني كنت واجف جنبيه وسي سيف بيرجوص على الحصان لمّن الغبيّ ضرب الرصاصة في وجت ما سي سيف كان بيلف جوباله،….دفعه عبدالهادي دفعة خفيفة وتنفس الصعداء قائلا:
– أمنيح، يُبجى كيف ما جولتلك، الرصاصة كانت طايشة، لو كان عندي أي شك انها مجصودة كنت خدت حج ولدي بيديّ، لكنها مش مجصودة، والسوالمة مش هيفهموا إكده، هما اساسا كان رافضين انه ولدهم يعاود بنتي تاني لوما سيف ولدي ربنا يشفيه أتدخل في الكلام وراضى الكل… ما كانش منعم هيشوف ضوفرها واصل…..
أومأ رماح قائلا:
– أمرك يا سيدي الحاج….
ظهرت نتائج التحاليل وكانت فصيلة دم منة ونادر متطابقتين، قال الطبيب عندما أبصر نتائج التحاليل:
– اممم، ممتاز يبقى استاذ نادر هيقدر يتبرع للمريض بس كمية الدم هتكون كبيرة شوية، للأسف بنك الدم لسه ماردّش علينا، واحنا بنسابق الوقت علشان حالة المريض الصحية ما تتدهورش..
نادر بحزم:
– خد الكمية الكافية يا دكتور، المهم تنقذ حياته….- وفي نفسه أكمل وتنقذ حياتها هي الأخرى فحياتها موصولة بحياته –
اعترضت منة:
– بس يا دكتور انا كمان فصيلة دمي مناسبة يبقى ليه حضرتك ما تاخدش مني؟…
الطبيب بتلقائية :
– حضرتك حامل يا مدام، ودا هيبقى فيه خطورة عليكي وعلى الجنين!!….
صُعقت منة وشحب وجهها فيما سمع احمد ما قاله الطبيب فسارع بإسنادها قبل أن يغشى عليها ، فيما شحب وجه نادر وساتند الى الحائط خلفه، سار احمد بها حتى أجلسها على كرسي ومال عليها هاتفا:
– ثواني هروح اجيب لك عصير، أمسكت بيده قبل ان ينصرف هامسة :
– ماما، عاوزة ماما…..
أومأ ايجابا بلهفة وسارع لإحضار أمهما……
———————————————————
كانت منة تجلس على كرسي بجوار الفراش الذي يرقد عليه سيف منذ أن استقرت حالته، وكان قد دخل غرفة العناية المركزة لمدة 24 ساعه لحين ثبات حالته الصحيّة ولكن ما أدهش الأطباء هو الغيبوبة التي دخلها، فلم يكن هناك سببا طبيّا لحدوث مثل هذه الغيبوبة، كانت منة تأتي يوميا في موعد الزيارة الصباحية وتمكث حتى يحل المساء تتحدث معه وتُذكّره بأيامهما سوية وببناتهما، فقد أخبرها الطبيب أن الذي يتعرض لغيبوبة يكون هناك جزء من المخ في حالة وعيّ ، وأنه بالتحدث إليه وتذكيره ببعض الأحداث وأشخاص معينين قد يؤدي ذلك الى استيقاظ باقي أجزاء المخ، وهذا ما كانت تقوم به بالفعل بلا كلل أو ملل، فكانت تأتي يوميا للجلوس اليه والحديث معه ولكن دون أدنى استجابة منه أو بصيص أمل، حتى كان يوم …..
كانت تتحدث معه بهمس رقيق وقد مالت ناحيته وهى تقول بإلحاح:
– قوم بقه يا سيف، عجبك يعني رقدتك دي؟، الدكتور وكل اللي شافوك بيقولوا ان غيبوبتك دي متعمدة على فكرة!، قالتها بنصف عين ثم تابعت مهادنة وهى تتلمس أصابعه السمراء الموضوعه بجانبها موصول بها المحلول المغذي:
– قوم علشان خاطري، طيب بلاش خاطري أنا، هـَنا وفرح مش وحشينك؟، و…..، ورفعت يده لتضعها على بطنها وقالت بحنو:
– والكابتن اللي مشرّف جوّه بئالو اكتر من 3 شهور دا واحنا ولا احنا هنا مش وحشك؟، ربتت على خصلاته معيدة خصلته الثائرة الى الوراء وهي تطلع اليه بنظرات #حب صادق ونبرة رجاء:
– علشان خاطري فتح عينيك، انا تعبانه من غيرك اوي يا سيف، الكل شايفني صامدة وقوية، لكن أنا لا قوية ولا حاجه أنا ضعيفة جدااا على فكرة، قوتي دي كنت بستمدها من وجودك جنبي، وانا مش هقدر اكمل من غيرك، علشان خاطر بناتنا، علشان خاطر أبننا اللي لسه في علم الغيب، سيف أنا ….. انا بحبك يا سيف، بحبك ومش قادرة أعيش من غيرك، الفترة اللي فاتت عرفت فيها اني مش ممكن ابعد عنك ولو لحظة واحده حتى …، ثم أعادت يده الى مكانها فوق الفراش ومالت عليها مقبلة أصابعه بحنان زائد وقد أفلتت دمعاتها بالرغم منها وهي تتابع وقد بدأ صوتها يعلوه نشيج البكاء:
– سامحتك والله سامحتك، بس افتح عينيك، ارحمني يا سيف.. انا بموووت بالبطيء…، لـِ…تشعر باهتزازة في اصابعه ما جعلها تنتفض برأسها لترفعها وتنظر غير مصدقة لأصابع يده التي تحركت حركة بسيطة، ثم رفعت عينيها اليه بأمل لاهف لتصطدما بعينين أبنوسيتين تطالعانها بحب وصوت خرج ضعيفا يهمس بمرح خفيف:
– أنا لو أعرف ان ضربي بالنار هيخليكي تسامحيني، كنت انضربت بالنار من زمااان…
هتفت منة بإسمه وارتمت عليه تبكي وتضحك في آن واحد مرددة إسمه مرارا، ولم تنتبه لألم سيف الذي شدّ عليه لإرتمائه على كتفه المصاب الا بعدما سمعت صوت أنينه، رفعت رأسها وتحدثت بلهفة قائلة:
– وجعتك حبيبي؟، معلهش أنا متأسفة، ثم قامت وهي تتابع:
– ثواني هنادي الدكتور، لتعترضها يده التي تشبثت بثوبها فطالعته باستفسار فأجابها بصوت ضعيف مهزوز:
– ما تسيبينيش!، ….هزت رأسها نفيا وقالت بابتسامة مغلفة بدموع الفرح:
– عمري…، ثم مالت عليه قاطفة قبلة خفيفة من شفتيه متابعة:
– ثواني حبيبي انادي الدكتور علشان أطمن عليك…
وبالفعل حضر الطبيب وطمأنها على صحته وأن مؤشراته الحيوية في معدلها الطبيعي، قامت منة بالاتصال بالجميع وزفت اليهم نبأ استيقاظ سيف من غيبوبته، وبعد اطمئنان الطبيب عليه أمر بنقله الى غرفة خاصة وطلبت منة من الطبيب أن تلازمه كمرافقة ، فوافق الطبيب، وتم نقل سيف الى غرفة من غرف الدرجة الاولى…..
كان الجميع ملتفين حول فراش سيف، وكانت منة توزع العصائر عليهم احتفالا بعودة سيفها اليهم، وكانت أمه تجلس بجواره عندما تحدثت قائلة وهي تميل عليه مقبلة جبهته:
– ألف سلامة عليك يا ولديّ، يا ريتها فيني ولا فيك يا حبيبي، أجاب سيف بضعف فهو لا يزال لم يسترد كامل صحته بعد:
– ألف بعد الشر عليكي يا أمي، أنا فداكي….، أجابت أمه وهي تشير الى منة التي وقفت مستندة على الحائط بجوار فراشه سامحة لأمه بالجلوس اليه من ناحية ووالده من ناحية أخرى بينما تعتلي شفتيها ابتسامة سعيدة راضية:
– مَرَتَكْ، ما فاتتكش واصل، كانت جارك طول السَّبوُع اللي انت كنت فيه مِغمِّي عليك يا نضري، غُلُبنا فيها كلام انها حالتها دلوك لازمن تاخد بالها من روحها بس هي دماغها يابسة كيف الصعايدة، ما رضيتش واصل…، ضحك الحضور وعلّقت منة على كلام حماتها وعينيها تلمعان ببريق يخطف الأبصار:
– روحي هو سيف يا ماما الحاجة….، ابتسم الموجودون، بينما طالعها سيف بنظرات عشق خالص ورغبة في احتوائها بين ضلوعه تشتد بداخله ولكنه لا يملك القوة البدنية لذلك، وعوضاً عن هذا رفع يده اليها فتقدمت اليه في حين نهضت زينب مفسحة لها الطريق لتحتل مكانها بجوار زوجها، الذي قبّل يدها وهو يقول بصوت مسموع:
– ربنا ما يحرمني منك ابدا، انتي مُنايا يا حبيبتي، ومن غيرك فعلا أنا من غير روح..
أراد احمد تبديل هذا الجو المشحون بالعواطف فصفّق بيديه وقام متجها اليهما وهو يقول بمرح:
– بقول ايه يا عم الحبيب انت وهي ، مش كدا!، راعوا مشاعرنا بردو، …..ثم توجه الى سيف مربتا على كتفه وهو يتابع:
– ألف حمدلله على سلامتك يا أبو السيوف، ومال عليه هامسا في أذنه ولا تزال الابتسامة ترتسم على وجهه ومن يراه يعتقده يتبادل المزاح مع سيف في حين أنه كان يوجه اليه تحذيرا هامسا، حيث قال:
– عارف لو سمعت انك زعلتها تاني ولا عملت حاجه تضايقها تاني هعمل ايه؟، تابع من دون ان يعطيه الفرصة للجواب:
– انسى انك تشوفها هي وولادك تاني أبدا، لأنها وقتها هتبقى فعلا حلم وراح بالنسبة لك!…..
أجاب سيف بتأكيد وهو يشد على يد منة القابعة في يده بينما تختلس النظرات المرتابة اليهما:
– عهد عليا يا احمد انى عمري ما هزعلها ولا هسمح لنفسي اني أكون سبب في حزن يدخل قلبها تاني…
شدّ احمد على كتفه قائلا والابتسامة قد اتسعت لسعادته بعودة المياه الى مجاريها بين شقيقته الوحيدة وزوجها:
– كدا يبقى ألف حمدلله على سلامتك وأسافر وأنا مطمن عليكم، انا أجلت سفري مخصوص علشان حالتها كانت مش مطمناني خالص….
تحدث عبدالهادي قائلا لولده:
– ما تشد حيلك بجه يا ولدي وتجوم لنا بالسلامة، انت عجبك رجدة المشتشفى ولا ايه؟؟
أجاب سيف بزفرة عميقة وهو يرنو بنظره الى منة الجالسة بجواره من الناحية الاخرى للفراش:
– وانا أكره يا حاج!، بس الدكتور اللي مش راضي بيقول مش قبل اسبوع كمان…..
تدخلت منة في الحوار هاتفة:
– وانا مع الدكتور، اعذرني يا بابا الحاج، سيف مش هيخرج الا لما الدكتور يطمنّا عليه خالص ، وان الجرح مابقاش منه خوف..
انتهز سيف الفرصة وسأل والده باهتمام:
– إلا صحيح يا حاج معرفوش مين اللي ضرب عليّا نار؟؟..
غشت عينا الحاج نظرة غامضة وقال بهدوء وثبات:
– وهيعرفوا منين يا ولدي؟، العيار كان طايش، ومحدش عرف مين اللي طخُّه…. المهم انك جومتلنا بالسلامة..
علقت منة بجدية:
– المفروض يا بابا الحاج حكاية ضرب نار في الهوا دي مجاملة تتمنع خالص، انت حضرتك شوفت سيف جراله ايه، انا من لحظة ما سمعت ضرب النار وانا قلبي اتقبض…
هز عبدالهادي برأسه ايجابا:
– صوح يا بتّي عنديك حج…
تحمّد لسيف عبدالعظيم وعواطف بالسلامة، وعلم أن ابنتيه برفقة سميحة شقيقته، وكانتا قد زارتاه مرة واحده فقط وآثرت منة ألّا يحضرا الى المشفى ثانية حتى ينتهي شفاء سيف فقد كانتا مذعورتين من رؤية والدهما ممدد طريح الفراش وإن كان يحاول محادثتهما والمزاح معهما، ولكنه لم يكن في كامل لياقته المعهودة بالنسبة لهما……
انصرف الموجودون وقد غادر والديْ منة مع احمد وعائلته الى القاهرة بعد أن سبقهما نادر الى الاسكندرية فهو ما ان اطمئن ان سيف قد استقرت حالته الصحية حتى غادر الى مدينته، وكان يتصل يوميا للاستفسار عن حالته الصحية وفرح عندما علم بخبر استيقاظه من غيبوبته، سعادته بالخبر كانت من أجل منة، فلا بد أنها الآن في أقصى درجات سعادتها، وقرر طوي صفحة حبه المستحيل من حياته للأبد، وطلب من والدته البدء بالتفتيش عن عروس مناسبة له…..
بعد رحيل الجميع نظر سيف الى منة وأشار بيده هامسا:
– تعالي،… تقدمت منة اليه وجلست بجواره حيث أشار، رفع يده اليمنى الطليقة وأمسك بها وجنتها في حين اليسرى كان يحركها بصعوبة حيث الضماد الذي كان يلتف على جذعه العلوي من ناحية اليسار حيث مكان الاصابة، نظر الى عينيها مليا قبل ان يرفع يده مزيحا وشاح رأسها الى الخلف لتتساقط خصلات شعرها المنفلت من ربطته لتحيط بوجهها الملائكي الفاتن، طفق ينهل من عذب ملامحها كما العطشان الذي عثر على واحة ماء عذبة رقراقة، همس متسائلا بينما نظرت اليه منة في #حب وابتسامة سعيدة تزين ثغرها المكتنز:
– انتي قلتيلي سامحتك صحيح ولا أنا اللي كان بيتهيألي وانا في الغيبوبة؟، أمسكت منة بيده التي تحيط بوجهها وأجابت بصدق استشعره في حروف كلماتها:
– لا، ماكانش بيتهيألك ولا حاجه، انا فعلا سامحتك يا سيف، اللي حصل خلاني متأكده اني مقدرش أعيش من غيرك ثانية واحده، أنا بحبك يا سيف، عمري ما عرفت يعني ايه كلمة #حب الا على ايديك انت، انت جوزي وحبيبي وابني وصاحبي وأبو ولادي، إنت أهلي يا سيف، أنا لو كنت فعلا عاوزة أسيبك أو مسامحتكش ما فيش حاجه في الدنيا كانت هتخليني مثلا اني آجي معاك عندكو..مهما حصل!، لو بيعتك فعلا.. يبقى خلصت، لكن أنا ما كنتش عاوزة اللي بيننا ينتهي، كنت بجادل كتير وبعاند لكن أنا متأكده انك لا يمكن تسمع كلامي، كنت موجوعه يا سيف، انت متعرفش أنت ايه بالنسبة لي؟!،.. نظر اليها بتساؤل فيما تابعت ودموعها تترقرق في مقلتيها:
– انت كل حاجه يا سيف، احساسي أنك ممكن تبص لوحده تانية كان احساس بشع، عمري ما اتمنى لأي حد انه يحسه أبدا، كنت حاسة زي ما يكون قلبي اتدبح بسكينة باردة، وعمّال ينزف، واللي تعبني اني لا أنا قادرة أوقف النزيف ولا أنا قادرة أنضف الجرح، سيف أنا … بعشقك … عمري ما تصورت اني ممكن أحب حد بالدرجة دي، حتى لو جوزي أبو ولادي، وانت في الغيبوبة دعيت ربنا أنه يرجعك ليا بالسلامة وانا هنسى اللي فات كله ، انا بحبك أكتر من روحي يا سيف…، وقبلت راحة يده المستريحة على وجهها ثم شدت بكلمات الاغنية التي تحمل نفس الاسم :
– أكتر من روحي بحبك، بحقيقي بحبك أكتر، وشعوري بحبك وبإنه دا شيء يتقدر، ولا كل لغات الدنيا تقدر عن حبي تعبّر، وغُنايا بإني بحبك …أكتر من روحي بحبك، بالنسبة لدرجة حبك…رمز صغيّر مش أكتر، وأكتر…أكتر…..أكتر من روحي بحبك……..
لم يتمالك سيف نفسه وجذبها من نهاية رأسها على قدر ما استطاع من قوة ليتناول فمها الذي تراقص لغُناه قلبه في قُبلة عميقة أودعها خالص عشقه، وبادلته منة القبلة بأخرى أشد عمقا وحرارة……
ابتعدا بعد مدة طويلة يلهثان طلبا للهواء، احتضنها سيف الى صدره بيده السليمة وقال وهو يلهث:
– بحبك، بحبك أوي، وعهد عليّا عمري ما هفكر مجرد تفكير في أي حاجه تضيع حبك ليا، بس فيه مشكلة دلوقتي؟…
قطبت منة ورفعت رأسها ناظرة اليه بتساؤل وهي تقول:
– مشكلة؟، مشكلة ايه دي؟…
نظر اليها سيف بخبث وأجاب باتسامة ماكرة تلوّن محياه:
– هصبر ازاي لغاية ما أطلع من هنا؟، خليكي جدعه وقولي للدكتور يكتب لي على خروج بكرة…