حب فوق السطوح
حب فوق السطوح
الدنيا كانت لسه بتبدأ تتنفس في حارة “الرزق”. الشمس طالعة بكسل، وصوت الست فيروز جاي من راديو عم “عبده” بتاع الفول بيملى الشارع طمأنينة. “سلمى” كانت واقفة في بلكونتها الصغيرة، ماسكة مج القهوة وبتبص على الشارع وهي سرحانة في شغلها الجديد اللي هتبدأه النهاردة. سلمى بنت مصرية “جدعة”، ملامحها هادية، عيونها عسلية وشعرها كيرلي دايمًا متمرد على التوكة.
فجأة، ومن غير مقدمات، حست بحاجة خبطت في سور البلكونة.. “بوم!”. سلمى اتنفضت والقهوة اتدلقت على قميصها الأبيض الجديد اللي كانت كاوياه عشان الشغل. بصت وراها لقت كورة بلاستيك مخرومة بتتنطط على الأرض.
“يا دي النيلة! القميص باظ!”.. صرخت سلمى وهي بتبص لفوق بغيظ.
من السطوح اللي قصادها، ظهر راس شاب شعره منكوش، باين عليه لسه صاحي من النوم. “أنا آسف والله يا آنسة، العيال الصغيرين كانوا بيلعبوا والكورة طارت مني وأنا بحاول أمسكها”.
سلمى بصتله بشرر: “آسف؟ الآسف دي هتشيل بقعة البن من القميص اللي هروح بيه الإنترفيو كمان ساعة؟ أنت عارف القميص ده بكام؟”.
الشاب – اللي هو “ياسين” – نزل من على السور ووقف بابتسامة مرتبكة: “طيب اهدي بس، أنا ياسين، لسه ناقل في الشقة اللي فوق دي جديد.. وممكن أصلح الغلطة، ثانية واحدة”.
ياسين اختفى ثواني ورجع ماسك إزازة مياه غازية بيضاء (سفن أب). “خدي، جربي حطي شوية من ده على البقعة، والله بتطلع، أمي كانت دايمًا بتعمل كدة”.
سلمى بصتله بذهول: “أنت بتهزر؟ يعني قميصي غرقان قهوة وأنت عاوز تغرقه بيبسي؟ كملت والله!”.
ياسين ضحك، وضحكته كانت صافية لدرجة خلت غضب سلمى يهدى شوية من غير ما تحس. “صدقيني بس، جربي ومش هتندمي. ولو باظ، أوعدك أجيبلك واحد بداله، لا وأحسن منه كمان”.
سلمى أخدت الإزازة منه وهي بتبرطم بكلمات مش مفهومة، ودخلت تجرب. الغريبة إن البقعة خفت فعلاً!
مر أسبوع، وسلمى اتقبلت في الشغل. وهي راجعة في يوم وتعبانة، لقت حد بينادي عليها وهي داخلة مدخل العمارتين المشترك.
“يا آنسة! يا آنسة بتاعة القهوة!”.
سلمى لفت ولقت ياسين لابس بدلة مهندم، وشكله مختلف تماماً عن “المنكوش” اللي شافته فوق السطوح. “أنا اسمي سلمى، مش آنسة قهوة”.
ياسين بابتسامة: “ماشي يا بشمهندسة سلمى، مبروك على الشغل، عرفت إنك اتقبلتي من طنط أميرة جارتنا”.
سلمى: “الله يبارك فيك.. وبعدين أنت بتعرف أخبار الحارة كلها ولا إيه؟”.
ياسين: “أصل الحارة هنا مابتخبيش سر، وبعدين أنا كنت قلقان على القميص الأبيض بصراحة”.
قعدوا يتكلموا لدقائق قدام المدخل. عرفت إن ياسين مهندس ديكور، وشغال “فري لانس”، وعشان كدة دايمًا موجود فوق السطوح بيصمم ديكورات خشبية يدوية. ياسين كان شخص مريح، كلامه فيه طاقة إيجابية خلت سلمى تنسى تعب اليوم.
بدأت علاقة “جيرة” لطيفة تتطور بينهم. سلمى كانت كل يوم لما ترجع، تطلع تقعد على السطوح تشم شوية هوا، وتلاقي ياسين شغال في ورشته الصغيرة اللي عاملها فوق. بدأوا يتبادلوا الأكل، هي تطلعه “محشي” من إيد مامتها، وهو يطلعلها “قهوة” مظبوطة عشان يصالحها على القميص القديم.
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، سلمى كانت قاعدة زعلانة بسبب مشكلة في الشغل. لقت ياسين باعتلها “مركب ورق” صغيرة رابطها في خيط ومنزلها لحد بلكونتها. فتحت المركب لقت مكتوب فيها:
“الجميل زعلان ليه؟ السطوح منور والنجوم بتسأل عليكي.. اطلعي اشربي كوباية سحلب وقولي يا رب”.
سلمى ابتسمت من قلبها، وطلعت السطوح. لقت ياسين محضر كنبتين خشب بساط، ومشغل نار صغيرة في “منقد” عشان الدفا.
ياسين: “الفضفضة هنا أحسن بكتير من كتمة الأوضة.. احكي”.
سلمى بدأت تحكي، وياسين كان بيسمع باهتمام غريب. مكنش بيقاطعها ولا بيقدم حلول “فلسفية”، كان بس بيحسسها إنها مسموعة. في اللحظة دي، سلمى حست إن ياسين مش مجرد جار، ده الشخص اللي كانت بتدور عليه وسط زحمة القاهرة وضغوط الحياة.
الحب مش دايمًا بيمشي في خط مستقيم. في يوم، سلمى عرفت إن ياسين جاله عقد عمل كبير جداً في دبي، عقد هيغير حياته ومستقبله تماماً. الفرحة اتخلطت بالوجع في قلبها.
طلعتله السطوح ووشها باهت: “سمعت إنك مسافر.. مبروك”.
ياسين بص للأرض وسكت شوية، وبعدين قال: “العقد ده حلم عمري يا سلمى، بس المشكلة إن الحلم ده مكنتش عامل حسابي إنه هيخليني أسيب الحتة اللي بقيت بحب أصحى عشان أشوفها”.
سلمى: “الفرص مابتجيش مرتين يا ياسين، لازم تسافر”.
ياسين قرب منها وبص في عيونها بقوة: “أنا ممكن أسافر، بس بشرط.. إننا مانقطعش المركب اللي وصلتنا لبعض. أنا مش عاوز أسافر وأسيبك هنا كجارة، أنا عاوز أسافر وأنا عارف إنك مستنياني، وإنك بقيتي جزء مني”.
سلمى دمعت: “بس السفر بيغير القلوب يا ياسين”.
ياسين: “قلبي اتنحت عليه اسمك زي ما بنحت على الخشب بتاعي.. الخشب بيعيش سنين، وحبي ليكي هيعيش أكتر”.