حب فوق السطوح
حب فوق السطوح
الساعات اللي سبقت سفر ياسين كانت أتقل ساعات مرت على سلمى. الشنط كانت جاهزة، والسطوح اللي شهد على ضحكهم وحكاويهم بقى فجأة مكان حزين، زي ما يكون حتى الجدران والكنب الخشب اللي ياسين صنعه حاسين بالوحدة.
وقفوا مع بعض لآخر مرة قبل ما يتحرك للمطار. ياسين طلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة، وفتحها. مكنش فيها خاتم ذهب ولا ألماس، كان فيها “سلسلة خشب” رقيقة جداً، محفور عليها وردة صغيرة وفي نصها حرف “S”.
ياسين بصوت واطي ومبحوح: “دي نحتها ليكي في آخر ليلة.. الخشب ده نوعه ‘أبانوس’، مابيتكسرش ولا بيغير لونه مهما حصل. زيي بالظبط يا سلمى. أنا ماشي بجسمي، بس روحي رابِطها هنا في حديد بلكونتك”.
سلمى وهي بتحاول تمسك دموعها: “خايفة يا ياسين.. الغربة بتغير الناس، والوقت بينسي. خايفة أصحى في يوم ألاقي رسايلك بقت قليلة، وبعدين تنتهي”.
ياسين مسك إيدها لأول مرة، ضغطة إيد كانت كلها طمأنينة: “لو الوقت نساكي اسمي، مش هينساكي طعم القهوة اللي دلقناها أول يوم. استنيني، أنا مش رايح أتفسح، أنا رايح أبني السطوح اللي هيجمعنا بجد، بس المرة دي هيكون بيتنا إحنا”.
سافر ياسين، وبقت حياة سلمى عبارة عن “انتظار”. الرنة بتاعة “الواتساب” بقت هي نبض قلبها. في الأول، كان الكلام أربع وخمس ساعات في اليوم. يحكيلها عن زحمة دبي، وبرودة التكييفات، وشغل الديكور اللي بياخد كل وقته، وهي تحكيله عن غلاسة المدير في الشغل، وعن قطة الحارة اللي ولدت فوق السطوح وبقت بتنام على كنبتهم القديمة.
لكن مع الوقت، “وحش الغربة” بدأ ينهش في وقتهم. ياسين بقى بيسهر في المواقع لحد الفجر، وسلمى بدأت تترقى ومسؤولياتها تزيد. المكالمات بقت أقصر، وكلمة “وحشتيني” بقت بتتبعت “ريكورد” بدل ما تتقال في مكالمة طويلة.
في ليلة، سلمى بعتت لياسين: “أنت لسه فاكر لون القميص اللي ادلق عليه البن؟”.
ياسين رد بعد 6 ساعات: “أكيد يا سلمى، بس معلش مضغوط جداً في تسليم فيلا، هكلمك بكرة”.
سلمى قفلت الموبايل وحست ببرد غريب رغم إننا كنا في عز الصيف. بدأت الشكوك تاكل في قلبها.. هل ياسين لقى حياة تانية؟ هل البنت المصرية البسيطة اللي في الحارة مبقتش تناسب المهندس الناجح اللي بقى بيلبس براندات وبيتعامل مع طبقات تانية؟
مرت سنة كاملة. سلمى كانت قاعدة في بلكونتها، لقت خيط نازل من فوق السطوح.. قلبتها دقات سريعة، افتكرت “مركب الورق”. مدت إيدها بلهفة، لقت ورقة مكتوب فيها: “أنا جيت يا سلمى.. اطلعيلي”.
سلمى طارت على السلالم، دقات قلبها كانت بتسبق رجليها. فتحت باب السطوح وهي بتنهج، لقت ياسين واقف.. بس مكنش لوحده. كان واقف معاه راجل كبير في السن، باين عليه الوقار والغنى، وبيتكلموا في تصميمات.
ياسين أول ما شافها، عينيه لمعت بجد، بس كانت لمعة مختلطة بخجل أو خوف. “سلمى! تعالي أعرفك.. ده البشمهندس رفعت، صاحب الشركة اللي كنت شغال معاها في دبي، وقرر يفتح فرع في مصر وأنا هكون الشريك المسؤول”.
سلمى سلمت بذهول، وحست إنها غريبة وسط الكلام الرسمي. ياسين مخدهاش في حضنه ولا قالها وحشتيني بجنون زي ما كانت متخيلة. كان “بروفيسيونال” زيادة عن اللزوم.
بعد ما الراجل مشي، سلمى وقفت بعيد: “حمد الله على السلامة يا شريك الشركة الكبيرة”.
ياسين قرب منها: “سلمى، أنا عملت كل ده عشاننا.. عشان لما أدخل بيتكم مكنش مجرد شاب منكوش شعره فوق السطوح، أكون راجل مالي مركزه ويقدر يفتح بيت”.
سلمى بوجع: “بس وأنت بتبني المركز ده، هديت في قلبي حاجات كتير يا ياسين. السنتين اللي فاتوا كنت بحس إن بكلم ‘صورة’ مش بني آدم. كنت محتاجة وجودك، مش محتاجة شريك شركة”.
ياسين: “يعني إيه؟ ضيعت تعبي عشانك؟”.
سلمى: “التعب اللي ينسيك أصلنا ميبقاش عشاني.. أنت اتغيرت يا ياسين”.
انفصلوا هدوء مريب. ياسين غرق في تجهيز مكتبه الجديد في المهندسين، وسلمى قررت تركز في حياتها وتحاول تنسى. بس الحارة كانت لسه بتفكرهم ببعض. كل ما ياسين يعدي من قدام بيتها، يبص على البلكونة ويفتكر القهوة الملوقة. وكل ما سلمى تشم رحة خشب، تفتكر ورشة ياسين.
في يوم “سب وعشرة” (يوم شعبي في الحارة)، الحارة كلها كانت في الشارع. سلمى كانت لابسة فستان بسيط ونازلة تشتري حاجات، فجأة رجلها اتلوت ووقعت في نص الشارع. الناس اتلمت، ومن وسط الزحمة ظهر ياسين.
مفكرش في بدلته الغالية ولا في “برستيجه”. نزل على الأرض، شال سلمى وسط ذهول الكل، وطلع بيها لبيتهم.
ياسين وهو بيحطها على الكنبة في صالتهم: “أنا أسف.. أنا فعلاً اتغيرت، بس اتغيرت من بره بس. من جوه لسه ياسين اللي بيحب يرمي كور بلاستيك على بلكونتك عشان بس تطلعي تشتميه وأشوفك”.
سلمى وهي بتبكي: “ليه بعدت؟”.
ياسين: “كنت خايف مفلحش، خايف معرفش أقدملك العيشة اللي تستاهليها. الغربة نشفت قلبي بس منشفتش حبي ليكي. أنا سبت الشركة يا سلمى.. هفتح ورشتي هنا، في الحارة، فوق السطوح بتاعنا. بس المرة دي، الورقة اللي هبعتها في الخيط مش هيكون فيها كلام، هيكون فيها دبلتين”.
الفصل التاسع: النهاية السعيدة (فرح فوق السطوح)
بعد شهر، الحارة كلها كانت متزينة بالأنوار الملونة. الفرح مكنش في قاعة غالية ولا فندق، الفرح كان “فوق السطوح”. ياسين فرش السطوح كله سجاد يدوي، وعمل الكوشة من الخشب اللي نحته بإيده، وزينها بورد بلدي ريحته مالية المكان.
سلمى كانت زي القمر بفستانها الأبيض البسيط، وياسين كان لابس بدلة، بس المرة دي شعره كان “منكوش” شوية زي أول يوم شافته فيه، بناءً على طلبها.
وهما بيرقصوا “سلو” على أغنية هادية، ياسين همس في ودنها: “عارفة، القهوة اللي اتدلقت يومها مكنتش بقعة في قميصك، دي كانت علامة في قلبي بتقول إن البنت دي هي اللي هتشقلب حياتي”.
سلمى ضحكت وحطت راسها على كتفه: “أهو أنت بقى القهوة المظبوطة اللي جت بعد يوم طويل وتعب”.
الحارة كلها كانت بتزغرد، والنجوم فوقهم كانت بتلمع وكأنها بتبارك لحب بدأ بصدفة، وكبر بالصبر، وانتهى ببيت دافي.. فوق السطوح.
تمت.