ارشد فوادك ١

ارشد فوادك ١

*****

الألم، الفراق والخسارة هى أمور لا مفر منها ما دمت عاشقًا فهى قربها يؤلم، وبعدها أكثر ألمًا؛ ألمًا يفتك بروحه وكأنها دفعته فى قعر جهنم ليحترق فى وادى سقر، ربما قد حان وقت التخلى عن هذا الحب

ولج للداخل وجد والدته تجلس وبجوارها ابنة عمه، اخذ نفسًا عميقًا قبل أن يلقى التحية عليهما، فسألته
والدته:

-مالك يا مدين؟!

نظر إلى ابنة عمه بطرف عيناه ثم تنهد فهو لم يحتمل حتى سماع صوت انفاسه أجابها باقتضاب

-ماليش قولت اطلع اريح شوية
فى حاجة؟!

نهضت والدته ووقفت على مقربة منه تسأله بحدة:

-مفيهاش حاجة يا ابن كريمة، بس ياريت تريح بجد وترتاح وتريحنى معاك

انهت جملتها وهى تتأمل وجهه الذى بدا عليه الألم وكأنه يحمل هموم العالم فوق كتفيه، كان ينظر لها بحدقتين مهتزة كسائر جسده، وقلب مثقلًا بالهموم هامسًا:

-عايزة تقولى أيه ياما؟!

-أنت كنت عندها يا مدين واوعى تكدب، عارفة وشك اللى بيسود يابنى لما تكون راجع من هناك أنت ليه عايز تكسرنى يا ضنايا

جمع شتات نفسه وهو يقول لوالدته بثبات ظاهرى:

-متقلقيش ياما كل شئ انتهى وخلاص، حتى رجلى مش هتخطى هناك تانى

كانت ابنة عمة تراقب الموقف بقلب منفطر، همست ملتاعة:

-قلبى عليكِ يا مدين والله هى اللى ماتستاهل واحد زيك

*****

-إنتِ ايه اللى هببتيه دا؟!

رفعت “نادين” حاجبيها تشير بمدى جنون عصبيتها قبل أن تجيب أختها:

-أيه إنتِ كمان هى ناقصكى

-أمك حكتلى اللى حصل معندكيش دم خالص ازاى تكلمى ابن خالك كدا

غمغمت بتبرم وهى تقول:

-بلا ابن خال بلا وجع دماغ ما لمحت ميـ,ـت مرة وقولت يبعد عنى وهو مافيش، مش عايز يحل عنى، أنا دماغى فى حتة وهو فى حتة تانية خالص

هزت اختها رأسها وهى تقول:

-دا هو اللى خسارة فيكِ دا كل بنات الحتة بيمو,توا عليه

زفرت هواء صدرها وهى تقول:

-يبقى حلال عليهم أو عليكِ، سيبك شوفتى اخر فيديو ليا على التيك توك، مش تعملى منشن لأصحابك وتظبطى
اختك أنا لو بقيت مشهورة والزهر لعب، الخير هيعم على الكل

رمقتها بإشمئزاز قائلة:

-الخير هيعم على الكل، أحب أقولك أنى بتكسف اقول أن ليا اخت بتعمل فيديوهات على التيك توك، لأن أنا وزمايلى طول النهار نسأل فين أهالى العيال دول والبلاوى اللى بنشوفها.

عقدت حاجبيها وتغاضبت ملامح وجهها قائلة بسخرية:

-خليكِ فى كليتك أنا غلطانة انى كلمتك اصلًا، دا انتِ بومة وتسدى النفس، انت فعلًا شبه لوح التلج مدين

رمقتها بخيبة أمل ثم هتفت بنبرة تحذيرية:

-يعنى مفيش فايدة، والله يا “نادين” لو مبطلتيش
الزفت دا لأقول لأمك وأقسم بالله مش هاخبى تانى

******

لم تكن حياته دربًا من السعادة، كانت ينابيع من الحزن والقهر كلما جفت عين أنفجرت الأخرى، اغمض عيناه يسترجع ذكرياته حين هجرهم والده وذهب ليتزوج من أمراة اخرى، لم يكن اهلًا لهم، كان طفلًا حينها لكنه على درجة كبيرة من النضج، فوالدته ذاقت الأمرين، كانت
الكتف الذى يحمل فوقه اطنان السفينة وتسير بها عرض
البحر كي تربيهم هو واخواته البنات، دون مساعدة من أحد على الرغم من إصرار عمه على مساعدتهم لكنها رفضت رفض تام، حتى ذلك اليوم الذى اتت فيه تلك المرأة
أمام بيتهم لتهين والدته، بسبب أن ما اخذته من والدته من ملابس كانت رديئة كما تتدعى، فوالدته كانت تبيع الملابس من منزلهم بنظام التقسيط لنساء الحى، ومنذ ذلك
اليوم اقسم ألا يكسر احد والدته، دفن “مدين” الطفل وأهال فوقه اطنان من التراب وتعلم استقبال لطمات الحياة ولم يكمل دراسته واصر على تحمل المسئولية، وبعد فترة اخذه عمه معه للخارج أو بالأحرى تحت جناحه، ليصبح رجلًا ذا قوة وشكيمة، وكى يتمكن من مساعدة والدته، واخواته البنات، لكنه بالكاد حصل على شهادة متوسطة (الدبلوم) بعد إلحاح من عمه

ابتسم بوجع لا يعلم كيف جرفه تيار الحب فى ظل ظروفه القاسية نحو أبنة عمته، مجرد رؤيتها كانت تجعله يرمى كل شئ وراء ظهره، جذب خصلات
شعره بعن,ف، ما كان عليه أن ينسى كل ما علمته الحياة له ويقع فى بحور العشق

كانت تقف على اعتاب الغرفة تناظره بشفقة وهو
يدور فى الغرفة كالأسد الجريح، فتحمحمت ثم ولجت للداخل دون أن تنتظر رد قائلة:

-دا عمل أسود البت دي عملت عمل ليك اسمع منى يا مدين، أنا عارفة دا شغل جلب الحبيب مافيش حل غير كدا

كلماتها التلقائية جعلته يستدير قائلًا بإمتعاض:

-عايزة أيه يا سنا مش ناقص وجع دماغ؟!

رمقته فى أسى ولاحظت الدموع المتكونة بعينيه لتتابع وهى تقول بمشاكسة قائلة

-صدقت بقى أنه عمل

ترك حديثها ومضى للشرفة وعينيه لا تتوقف عن الشرود وهو يزفر بعمق فتابعت:

-معلش قولى سبب واحد يخليك تحبها هى مش أنا
مدين بص عليا وأنا بكلمك

ألتفت لها وما أن نظر فى عينيها انفجرا من الضحك سويًا:

-طب وبعدين؟!

-يا سيدى بقى ما أنا قولتلك إذا احببت شخص بشدة أطلق سراحه إن عاد … أيه بقى يا عم مدين

حك مؤخرة رأسه قائلًا بابتسامة هادئة:

-إن عاد هو ملكًا لك ياسنا

هزت رأسها بالنفى قائلة:

-لأ أن عاد يبقى محدش عبره غيرك ولازم تطلق سراحه تانى يا معلم مدين فهمت

جز على أسنانه وهو يقول:

– أنا غلطان أنى بتكلم معاكِ

التو ثغرها قائلة:

-معلش هو أنت حد بيسمعلك غيرى، قصدى حد بيطيق يسمع سيرتها غيرى أنا، قول عملت أيه ومتتكسفش ياابن
عمى، قول قول

سحب عينيه بعيدًا وهو يسرد عليها ما صار معه، لكنه توقف حينما رأى جبينها المقطب من شدة ذهولها من الكلمات، زفر متسائلًا:

-أيه تنحتى ليه كدا؟!

-لأن يا مدين عارفين انها شايفة نفسها بس كدا وصلت لقلة الادب

هز رأسه مستنكرًا كلامها ثم اكتست مقلتيه بعبرات اليأس هامسًا:

-هى من حقها تحلم بحياتها بالطريقة اللى تريحها، وتشوف مستقبلها زى ما تحب، أنا اللى بفرض نفسى عليها

-مدين!!

امتعضت ملامحه بمرارة وهو يبتلع ريقه ليشعر كأنه يتجرع علقم الماضى، همس بإرهاق قائلًا:

-سنا أنا عايز أنام

هزت رأسها بصمت وانصرفت للخارج، نام على الفراش واضعًا معصمه على وجهه وهو يتذكر نظراتها التى أحر,قت
وتين قلبه

القسوة والتعدى على الغير ليس بالضرورة بالضر,ب لكن فى بعض الأحيان تكون كلمات، لا ليست كلمات بل نا,را تلتهم كل شئ، سهام تنغرس بداخلك لتنزف كرامتك

******

بعد مرور اسبوع

جلسا فى مكانهما المعتادة فى الحرم الجامعى، وفتحت كل منهما هاتفها لتتابع هوسها بمواقع التواصل الأجتماعى ” التيك توك ”
لكزتها فاتن برفق قائلة:

-شايفة يا نودى الرجل دا ومراته عدو الفقر إزاى امته بقى احنا كمان نركب عربيات ونبقى يوتويبرز مشهورين
أوى بقى

تنهدت “نادين” وهى تقول:

-يااااه حلم بعيد، طب ماتيجى نعمل فيديوهات طبخ الناس بتابعها اوى

رمقتها “فاتن” باستهزاء قائلة:

-طبخ؟!
طبخ أيه يا نودى هو أحنا بنعرف نعمل أكل دا احنا بنسلق البيض من غير مية ، وأمك وامى صوتهم بيجيب اخر الشارع، دا احنا لو وقعنا كوباية لبن يحرمونا من الأكل
شهر

ضحكت “نادين” وهى تقول:

-عندك حق والله، وأنا مش عايزة اعمل مشاكل مع أمى خالص الحمدلله أنها رضيت تكلمنى بعد موضوع مدين

اجابتها فاتن بحنق:

-مفترية والله حرام عليكِ مدين ميستاهلش كل دا والله ابن حلال وبيحبك ليه بس كدا

نظرت لها بنظرات نا,رية كأنها تقذف من عينيها حمم بركانية من الغضب:

-هو الكل هيمدح فيه، أنا مش بطيقه قفلى على الموضوع دا

توسعت عيناها بصدمة وصرخت نظراتها بعشرات الاسئلة وهى ترى صديقتهما تقف أمامهما ومعها ذلك الشاب
فابتسمت نهى قائلة:

-عاملين أيه يابنات؟
أنا قابلت مجد طلع زميلنا فى الجامعة فاكرينه

ابتسم باتساع ثم اضاف بتوضيح أكثر:

-اسمى مجد وبصراحة شوفت الفيديوهات التيك توك
بتاعتكم وعرفت اننا فى الجامعة، فقولت نتعرف ونبقى تيم ونعمل فيديوهات

ابتسمت فاتن بترحاب قائلة:

-أهلًا يا مجد، ياريت والله فكرة حلوة وكدا الريتش يعلى ونتشهر يارب اصلى احنا شلة البوساء

كان يقف ثابتًا وهو يراقب ملامحها ثم شرح باستفاضة:

-لا بوساء دا زمان أنا عندى افكار كتير تخلينا نتشهر يعنى مثلًا أقول انى ارتبطت بواحدة منكم ونخرج كام خروجة وكام صورة وفيديوهات بقى والسند والأمان
والكلام دا وفجأة نفركش وارتبط بصحبتها
الدنيا هتولع والكل هيكون حابب يتابع حوار الخيانة والغدر بياكل اوى على السوشيال ميديا النميمة عمومًا

هزت “نهى” رأسها وهى تقول بحماس:

-جامدة اوى الفكرة دي، طب كدا فى واحدة فينا مش هيكون ليها دور

غمز لها بطرف عيناه وهو يقول:

-ودي تفوتنى التالتة منكم هى اللى هتكشف الخيانة ونظبط كام اسكرين ننزلهم والدنيا تولع

نهضت “نادين” فهى لم تعد تحتمل حديثهما اكثر من ذلك فقالت:

-جرى أيه يا فاتن احنا متربيين مع بعض وعايزين نتشهر مع بعض مش على حساب بعض وسمعتنا
واحدة ترتبط والتانية تضر,بها باسكرينات دا أيه الهبل دا
أنا مش موافقة

همت بالأنصراف لكن جذبها “مجد” من معصمها قائلة:

-طب نتفاهم فى خطط كتير عندى يا نودى واللى يريحك
اعمليه

نظرت ليده التى تقبض على معصمها ثم حدثته بحدة:

-أنت ازاى تمسك إيدى كدا، سيب إيدى وخططك خليها لنفسك أحنا مش هنعمل خطط مع حد

رد “مجد” بغيظ:

-بالراحة دي مسكت ايد هو أنا حضنتك، أحنا فى مكان عام

-أنت شايف أنه عادى؟!
على العموم أحنا شايفين أننا مش هننفع نعمل فيديوهات معاك، أتفضل بقى امشى

اجابها بعناد أكثر:

-على فكرة دا رأيك انتِ لوحدك، أنا شايف البنات مرحبيين بالفكرة

ضحكت بسخرية وهى تقول:

-مافيش الكلام دا

ثم تابعت:

-فاتن ردى وانتِ كمان يا نهى

ابتلعت فاتن وهى تجيبه بإحباط:

-لا خلاص إحنا مع بعض تيم واحد

امتنعت “نهى” عن الرد وهى تحدجها بنظرات حقد لم تخفى على مجد فابتسم بمكر وهو يقول:

-طب وماله براحتكم، أيه رأيكم نصور فيديو عادى دلوقتى مع بعض، تيم يعنى

اجابته “نادين” بسرعة وهى ترمقه بشررات الغضب:

-هو فى أيه ما قولنا لأ، اتفضل بقى شوف حد غيرنا

ابتسم بهدوء وهو يقول بمكر:

-خلاص انتِ عصبية أوى، أنا يعنى كنت حابب نتشهر مع بعض بس خلاص عادى على العموم بالتوفيق، يكفى
اننا اصحاب

اولاهم ظهره وانصرف بعد أن غمز لنهى بطرف عيناه فابتسمت وهى تغمز له أيضًا

****

فى المساء

كان يجلس أمام ورشته، فجأة اشتلعت دبكة الجنون بصدره، ألتمعت عيناه ببريق الشوق حينما وقفت عمته أمامه ومعها “نادين” ابنتها، كأنه مغيب وقف
يرمقها بنظرات معذبة، فالقلوب تذل اصحابها بالشوق
وتكسرهم بالحنين، أما هى كانت تنظر أمامها وكأنها بعالم أخر، فابتلع قائلًا كى يحظى ببعض القرب:

-عاملة يا عمتى؟!

-الحمدلله يا قلب عمتك، كدا مش بتسأل عنى؟!

نظر لتلك الواقفة ثم نظر إلى عمته بإنكسار قائلًا:

-غصب عنى يا عمتى مشغول اليومين دول

نبرة صوته آلمتها فربتت على كتفه قائلة:

-الله يقويك ويعينك يا حبيبي أنا رايحة اجيب طلبات وارجع لأمك اقعد معاها شوية هى فوق

-تنورى يا عمتى، أه فوق

اندمجت عينيها بعيناه للحظات وكأنه يعاتبها، يشكى لها قلة حيلته، عشقه، عيناها بها وميض كالدوامة يسحبه للغرق بهما، سحبت عيناها وهى تقول بسخرية لاذعة:

-ما تنجزى يا امى انا لو اعرف اننا هنقضى المشوار هنا ماكنتش اتحركت من فوق

كلماتها القاسية كالمرض الخبيث تنهش قلبه، وصل الوجع بقلبه أشده ولا زال يحبها، لكزتها والدتها وهى تحدجها
بنظرات نا,رية قائلة:

-طب عشان منتأخرش يا مدين ونلحق مشوارنا احنا يلا عن اذنك

كم اراد أن يصفعها، يضمها، يعن,فها، بل هو يريد قربها خلع قميصه وألقه جانبًا ثم ألتقط المنشار وبدأ فى تق,طيع الخشب بعن,ف وعصبية

*****

بعد مرور عدة اسابيع

ظل “مجد” يحوم حولهم حتى اصبحوا اصدقاء، كانت نهى تجلس بجواره تنتظر فاتن ونادين بينما هو يعبث بهاتفها
فوجد صور وفيديوهات لكلا من “نادين” و”فاتن”
دون حجاب فابتسم بخبث قائلًا:

-أوبا بقى أيه الصور الجامدة دي

التو ثغرها قائلة:

-ولا جامدة ولا حاجة

– البت نادين داخلة دماغى اوى وبفكر اعلقها

ضيقت حاجبيها تسأله بإستنكار:

نادين!!!!
طب قول فاتن خفيفة مش نادين فاكرة نفسها سفييرة

-لأ دا المزاج بقى

*****

أرشد فؤادى

★★★
الفصل الثانى
**

مسحت “فاتن” الأرضية بقطعة مبللة من القماش البالي
وعندما شعرت أن من تراقبها ابتعدت عنها ألقت قطعة
القماش وهى تقول:

-يخربيت شورتك يا نادين، قال بلاش ننزل الجامعة ونقضى يوم رايق مع بعض، عشان أمك تخلينا نمسح الشقة كلها

أومأت نادين برأسها والغضب يتآكلها:

-ما هى مش طيقانى مش بقولك نزلنا بالليل وقابلنا
حبيب قلبها من جوه سى مدين بتاعها فبتتلكك ليا

بملامح وجه مكفرة لكزتها فاتن قائلة:

-وماله مدين بقى دا قمر انتِ اللى مش وش نعمة
حد يطول واحد زى مدين كدا يحبه، طب ياريت
كنت أنا، طب عارفة الولية أم إسراء جارتنا بترسم
عليه لبنتها

-بنتها مين إسراء الهبلة؟!

كانت جملتها عدائية بإنفعال غير مبرر، فابتسمت فاتن
قائلة:

-هبلة دا كان زمان شوفيها دلوقتى حاجة تانية، بعدين
مالك زعلانة عليه ولا إيه؟!

ضحكت بسخرية ثم اجابتها بكبرياء قائلة:

-مش للدرجة دي يعنى أنا استغربت مش أكتر

-انتوا سيبتوا المسح وقاعدين بترغوا دا اللى فالحين فيه
منك ليها

انتفضت فاتن ونادين على صوت والدتها من الخلف فاردفت فاتن:

-يا خالتى أنا أخلص من أمى تطلعيلي انتِ ما أنا شغالة
اهو، بعدين أنا جوعت ومش بعرف أشتغل وأنا جعانة

رفعت حاجبها وهى تقول بتحدٍ:

-مافيش أكل غير لما تخلصوا الشقة كلها

رمت “نادين” القماشة من يدها بعن,ف قائلة::

-لا بقى كدا كتير هو مافيش غيرى ما بنتك مش بتحط ايديها فى حاجة إشمعنا أنا يعنى، وعلى فكرة أنا عارفة
أنك مش طيقانى كل دا بسبب سى مدين

-اخرسى، واتكلمى بطريقة احسن من كدا، اختك بتدرس
وبتشتغل كمان، أما مدين والله مش عارفة ايه اللى عاجبه
فيكِ أنا لو عليا اروح اخطبلوا من بكرة واحدة غيرك
تفهمه وتقدره بس تقولى ايه بقى

قالت والدتها هذه الكلمات بحدة فقد نفذ صبرها من غبائها
اللا محدود، اقتربت منها فاتن تقبل رأسها قائلة

-ودا رأى أنا كمان يا خالتى والله، سيبك منها قوليلى
ريحة الأكل دي أيه؟!

-أنا عاملة محشى وملوخية وفراخ

نهضت فاتن مسرعة وتناولت قطعة القماش البالي قائلة

-فى ثوانى يا خالتى والأرض تكون بتلمع عشان نتغدا
يارب يارب يا خالتى كدا أشوفك فرحانة على طول

ثم نظرت نحو نادين وتلاعبت بحاجبيها قائلة:

-وتفرحى بمدين يا خالتى يارب

وقبل أن تنهى جملتها كانت نادين ترشقها بدلو الماء قائلة
بغيظ:

-إشتغلى بقى وإعملى بلقمتك يلا

-أنا اتهنت اوى

بعد قليل بعد أن انتهوا من أعمال الشقة، جلست كل من
نادين وفاتن يتناولوا الغداء سويًا فسألتها فاتن:

-نادين هو انتِ مش حاسة أن نهى متغيرة معانا

تنهدت “نادين” وهى تلوك الطعام بفمها قائلة:

-ممكن، هى شكلها زعلت من حوار اللى اسمه مجد
بس إشطا عادى يعنى ما هى بتقابلنا فى الجامعة
وبتيجى معانا هنا بس يمكن فعلًا زى ما بتقول اهلها
قافشين عليها شوية

-إلا صحيح يا نادين انتِ ليه رفضتى حوار مجد دا
دا كان فرصة كبيرة اوي لينا

كشرت على انيابها وهى تقول:

-فاتن انتِ اتجننتى الواد دا شكله مش مظبوط، إحنا
عايزين نتشهر مش نتشبه نظراته مش مريحة

نهضت “فاتن” لتقوم بضبط حجابها:

-لا متجننتش بس قولت فرصة، يلا ألحق أروح لوصلة
النكد بتاعة امى وابويا والخناق اللى مش بيخلص
بياكلوا فى بعض ويطلعوه علينا فى الأخر، يارب اخلص
بقى من العيشة دي ، سلام وابقى قولى لخالتى اكلها
عسل

****

ألتقطت أنفها رائحة عطره المميزة الثمينة، فمثل عطره
يفوح على بعد أمتار، نفس رائحة عطر والدها دارت فى
المكان تبحث عن زوجة عمها وما أن وجدتها جلست
بجوارها تهمس لها:

-مدين نازل زى ماأتفقنا

سألتها بنبرة منخفضة:

-أمو,ت وأعرف بتعرفى إزاى؟!

-من ريحته اللى بتضر,ب فى البيت كله وزى ما اتفقنا

وقبل أن تكمل جملتها كان جرس الباب يصدح فنهضت
مسرعة تفتح الباب، فولج للداخل بعد أن ألقى التحية
اغلقت الباب وجلست بجوار والدته تلكزها برفق
فهزت والدته رأسها بيأس ثم قالت:

-والله سنا هى اللى نفعانى اليومين دول، الواحد مش
عارف من غيرها كان عمل أيه؟

وزع نظراته بينهما ثم ابتسم بسخرية قائلًا:

-فى أيه ياما هى سنا نازلة إنتخابات وأنا معرفش
ليه اللف والدوران دا لخصى عايزة أيه ياسنا

تفاجأت بهجومه فهمست بقتامة غشت عينيها من طريقته
العدائية:

-هو حضرتك بتكلمنى كدا ليه ممكن افهم؟!
لا يا سيدى مش نازلة الإنتخابات، وهاخلص حاضر عايزة
كتاب من مكتبتك فى ابحاث بعملها ومحتاجاه

-لأ

جلست على الاريكة خلفها وهى تهز قدميها بعصبية
وسألته بحدة وكأنها تتعارك معه:

-لأ ليه بقى هو انت هتذلنى عشان سبت كتبى هناك
والله حرام أنا كنت في الكويت لما بتطلب كتاب من
مكتبتى ماكنتش بتأخر

زفر مدين وهو ينظر لها بنظرات ضيقة وغاضبة:

-ايوة وايه اللى كان بيحصل؟!
بأخد الكتاب وارجعه، انتِ اخر كتاب رجعتيه متقطع
والتانى دلقتى عليه قهوة، والأخير ضاع يا سنا أكمل

صمتت للحظة ثم تابعت بعصبية قائلة:

-خلاص خلاص أنا هاكلم عمك يبعتلى الكتب من هناك شكرًا أوى، مش عايزة حاجة منك

أجابها بسخرية تملأها المرارة والحزن:

-امسكِ المفتاح اهو أنا مسافر اصلًا لعمى

وقفت والدته أمامه تسأله باستنكار:

-تسافر؟!
ليه تسافر يا مدين وتسيبنى ماكنا خلاص خلصنا
من السفر وربنا فتحها عليك هنا

هموم روحه ثقيلة، أثقل من تحمله، أثقلته الحياة
من متاعبها وشقائها، اغمض عيناه معقبًا على كلام
والدته:

– أنا محتاج أسافر عمى وحشنى
حاسس إنى مخنوق هنا ومحتاج أغير جو

رمقته بحزن ببساطة تعلم شعور أبنها وما يمر به
يتجرع الألم مذاقه لاذع، رائحته كريهة، قربه ألم
ورحيله مجاذفة، همست بقلب أم:

-مدين قلبى مش حمل وجع ياابنى، إنساها واخطب
وعيش حياتك يا قلب أمك، العمر مش فاضل فيه
قد اللى راح متوجعش قلبى يا ضنايا

-بعد الشر عليكِ ياما بلاش كلامك دا احنا عايشين بحسك هاسافر يا أمى هما كام اسبوع وهرجع
واخواتى بيّجوا يسألوا عليكِ، ومعاكِ سنا

-لأ يا حبيبى متسبنيش تانى أنا مش موافقة

-مش هتأخر صدقينى، بس محتاج السفر يا أمى

سيحاول إنتشال نفسه من ضعفه، سيبتعد كى يبكى
سيبكى على صراعه الدائم وأيامه المهدرة، سيبكى من
أجل خذلانه وكرامته.

*****

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *