ارشد فوادك ١

ارشد فوادك ١

بعد مرور يومين

رفعت نهى هاتفها تقوم بتصوير كلا من “فاتن” و “نادين”
وهما يطهون فى المطبخ ويقومون بضر,ب بعضهما أمام الكاميرا ويضحكان، حتى أنهما تعمدا افساد الطعام كى
تزيد التعليقات وما أن انتهوا رفعت نهى الفيديو على “التيك توك” هاتفة:

-جامد اوى، نزلته يارب يجيب النتيجة

نظرت نادين لنفسها وللمطبخ حولها هاتفها:

-مش مهم اى حاجة دلوقتى، المهم بسرعة نظبط
المطبخ دا أمى لو جت هتمو,تنا

بدأوا فى ترتيب وتنظيف المطبخ فهمست نهى قائلة:

-لا بجد الحوار دا متعب اوى
وكمان محتاج فلوس كتيره

التو ثغر نادين هاتفة:

-حقيقة مش عارفة تظبط ازاى بس ونبقى زى المشاهير

ابتسمت نهى بداخلها لوصولها لهدفها الاساسى ثم استندت
على رخامة المطبخ قائلة:

-شوفتوا التطبيق الجديد دا بيقولوا جامد وبياخدوا
فلوس ومن غير مشاهدات

اقتربت منها فاتن تسألها بأهتمام:

-أنا سمعت عنه، وكنت شفت يا نادين بنت ام اسراء
بتنزل اللينك عليه، بس بيدوا فلوس ولا لازم مشاهدات وفاكس

-لا طبعًا من اول مابتدخلِ بتاخدى فلوس وكتير كمان
بس هو مش زى التيك توك هو عبارة عن شات مع
مجموعة وانتِ بتنزلى فيديوهات وكل فيديو عليه فلوس
ولو اتشهرتى هناك هتتشهرى على تيك توك اكيد

-حلو دا، حلو اوى يا نادين

تطلعت لها نادين بأعينها متسائلة بعقلانية:

-يعنى ايه شات وناخد فلوس ازاى

اجابتها بهدوء:

-مش عارفة بس بيقول يعنى انه شات فيديو
وطبعًا بيبقى جماعى ولو حد حابب يكلمك خاص يدفع
بزيادة، لما يشوف فيديوهاتك

ضر,بت نادين على صدرها بقوة هاتفة:

-يا نهار اسود انتِ عارفة دا اسمه ايه لا طبعًا

سألتها فاتن بتذمر:

-ليه يانادين دا شات عادى ما احنا بنزل فيديوهات على
التيك توك ودي هى هى أنا عجبتنى الفكرة

-والله يا فاتن انتى اتجننتى غرف شات مغلقة لا
دا كانوا اهلنا يمو,تونا قوللها يا نهى

التقطت نهى قطعة القمش تمسح الرخام وهى تقول
ببراءة زائفة:

-والله ما أعرف أنا سمعت بس وقولت اقولكم
يكنش تضر,ب معانا بس طبعًا يا فاتن لازم نقلق

-يكملك بعقلك يا عاقلة حيث كدا يلا بقى ناخد سلفي
وانزله أجمل أصحاب، وأخوات

ابتسمت ثلاثتهم وهم يأخذون الصورة بأوضاع مختلفة
أمام الحمقى والمغفلون يستطيع الشيطان أن يكون ملاكًا
والقزم عملاقًا، والظلمات نورًا

******

تسير على أطراف أصابعها بتروٍ شديد كمن يسير فوق حقل ألغام فجأة أضاءت الغرفة فتسمرت فى مكانها
تعض على شفتاها ثم استدارت ببطئ وجدته يجلس
على مقعده واضعًا ساقا على الأخرى فوق مكتبه
فتحمحمت:

-مدين خضتنى يا راجل، ايه جو الاكشن دا

رفع حاجبه مستنكرًا ولم يجيبها وإنما اكتفي بخفض
عيناه للكتاب الذى بيدها ثم أشار لها لتتقدم نحوه
نظرت إليه بسخط ثم قلبت عينيها بضجر قائلة:

-معلش انا هاحطه مكانه وهاجى ولا انت مش مآمن ليا

-لأ

اجابها برد قاطع وهو يحدجها بنظرات نا,رية فتمتمت بإرتباك هاتفة:

-مش كنت النهاردة وأنا نازلة من سلم الجامعة هاقع ورقبتى هتتكسر

التأمين خرج منه بتضرع حانق:

-أمين واستريح منك امييين

مطت شفتاها بحنق هاتفة:

-قلبك اسود اوى يامدين
وبعدين الحكاية كلها سندوتش فول وقع عليه ونضفته عادى

انتفض من مكانه يقف أمامها ثم جز على اسنانه مقاطعًا
إياها بنبرة استشعرت برودتها وخطر التهديد:

-عارفة لو رجلك عدت مكتبى تانى، لو فكرتى تلمسي
بس كُتبى هاعلقك عشان مفيش مرة واحدة بس كنت
قد المسئولية

ابتلعت باقى كلماتها مع ريقها وشرحت بغيظ:

-اسمع بس أنا كنت حاطة الكتب قدامى وجبت سندوتشات الفول من عند عم انور الرجل دا بيعمل فول أيه زبدة، المهم وأنا باكل ريقى نشف كأنى بلعه خمسة كيلو ملوحة على الصبح، اتناولت ازازة المية وأنا بشرب السندوتش وقع على الكتاب يعنى مش ذنبى

حاول أن يستعيد هدوءه مرة اخرى ثم قال بهيمنة:

– فول وزبدة وملوحة انتِ ايه انتِ ايه يا شيخة
اطلعى برا، اطلعى برا ومتقربيش من هنا تانى

-برا برا هو انت بتطردنى من الجنة يعنى
تصدق بالله احجز أول طيارة وأسافر

أجابها ببرود قادر فى القضاء على كل حرائق العالم:

-يااااه قولى تانى كدا وسمعينى دا يوم المنى مع السلامة يا ستى

تبادلت النظرات غير مصدقة ثم تحولت إلى حقل مفرقعات

-بقى كدا، يعنى لو كانت ست نادين كنت عملت كدا
دا أنت مش بعيد كنت لفيت الكتاب قراطيس وروحت
تجيبلها طعمية تفطر بيها، خد بالك دا شغل أعمال وعمل سفلى كمان .

تبدلت ملامحه والألم ينخر فؤاده بقوة بلا رحمة ثم
أجابها بوجع:

-ياريت يا سنا ياريتها كانت عملت

رفعت سنا نظرتها له تحدث عقلها بحديث ود لو يسمعه
ودت لو تقول له، أنه يستحق أفضل منها، ظل ينظر لها بصمت لبرهة ثم ابتسم بسخرية يعلم ما يدور
فى خاطرها فهمس لها:

-بحبها

هزت رأسها بخفة وهى تتألم لأجله ثم تابعت بمشاكسة:

-تبقى هى عمتك اللى عملتلك العمل
امى كانت على طول تقول يا بت ياسنا اوعى
تأكلى حاجة عند عمتك

-اطلعى برا

-ما تجمد كدا مالك هى طول ما شايفك بعينيك العسلى
دي هتفضل تتمرع علينا بنت إعتماد

طالعها بصدمة هاتفًا بحدة:

-بنت إعتماد؟!

-ايه مش اسمها إعتماد
طب إسمها ايه اللى معرفتش تربى بنتها
وسحلاك ياضنايا كدا وراها اسمها ايه قول عشان أدعى عليها فى كل صلاة هى وامها

جز على اسنانه وهو يشير برأسه نحو الباب قائلًا:

-تدعى على عمتك، اطلعى برا ياسنا هولع فيكِ

-برا برا اصلًا كل اختيارتك فى الكتب مش بتعجبنى وتصدق بالله بنت إعتماد حلال فيك

*****

مر أسبوع

وقف قبالة النافذة وعيناه شاردتين فى الظلام الذى
حل منذ بعض الوقت، أفكاره كلها تقوده إليها
فهى أستطاعت سرقة قلبه بدون أى مجهود يذكر
اعتاد رؤيتها كل صباح حتى وأن لم تراه، أعتاد البسمة
رغم إنها تخفيها عنه ولكنه يراها بقلبه الولهان
هل سيتحمل فراقها ثانيةِ

بعد صراع مع نفسه حسم أمره، مرة اخيرة قبل سفره
لا تضر، فقد بلغ إشتياقه مبلغ البحرين والمحيطات

جلس امام عمته يرتشف قهوته وعيناه تتجول أنحاء
الشقة بلا هدف لحظات مرت عليه كأبدية، قاسية
القلب تختبأ خلف ذلك الباب، توقفت أفكاره بقلب
يخفق بالأمل عندما سمع صوت فتح الباب فقد أتت
تحكم بأعصابه يرتدى قناع
القوة، ارهف السمع مغمض العينين، كالسجين
ينتظر حكم الإفراج، قلبه يهدر داخل صدره دون
رحمة هو يعترف أنه لا يقو الفراق وقد إشتاق إليها

تبددت أحلامه حين رفع بصره
وجد اختها ابتلع ريقًا ناشفًا ثم ابتسم بشحوب:

-عاملة ايه يا ناهد

سحبت مقعدًا هاتفه بابتسامة واسعة:

-عامل أيه يامدين؟!
كدا تشربوا القهوة من غيرى

جاهد ليرسم بسمة على شفتاه قائلًا:

-تعالى عمتى عاملة حاسبك

رمقتها والدتها ثم سألتها بحنق:

أُمال فين اختك؟!

اجابتها بإرتباك وهى ترمقه بطرف عينيها قائلة:

-نايمة يا ماما نايمة

وكأنها سحبت بساط السعادة من تحت قدميه دون ذرة إشفاق فتركته جثة هامدة تتلظى بنيران الشوق

******

كل شئ يتحرك فى سرعة، الأيام، حتى ساعات اليوم
تهرول، هبطت قدميه مطار الكويت، شعور قاس يلاحقه برودة تتسلل إلى أوصاله، وضع يده يتفقد دقات قلبه ربما سبب البرودة أنه قد توقف عن تدفق الدماء، فالبعد عنها كالسم يسرى فى دماءه، يود أن يلقى بروحه فى الهاوية
حزين بشدة لعدم رؤيتها قبل سفره، يعشقها ولا زال
للقدر رأى اخر

نصب عوده الضعيف ووقف بشموخ زائف منافى لكل الضعف الذى بداخله، كانت عيناه ذابلتين كأوراق الخريف الصفراء فارتدى نظارته السوداء

يراقب الطريق من نافذة السيارة بعقل شارد، شخوص مجهولين، حركات السيارات، فاق من شروده على صوت
احتكاك السيارة امام بيت عمه، وقف فى مكانه والحزن
ينهش قلبه لا يعرف ما دهاه للقرار بالسفر

تحكم بعواطفه قليلًا وولج للداخل وقبل يد زوجة
عمه، بينما عمه فتح ذراعيه كالطير الذى يستعد
لإنقاذ ولده الذى تعلم الطير للتو خوفًا عليه من
السقوط والحزن، دفن مدين نفسه فى حضن
عمه الذى ربت على ظهره بحب فابنته اخبرته
بما صار معه فهمس:

-حمد الله على السلامة يا بطل وحشتنا والله

-أنت اكتر يا عمى، والله وحشتونى

قال بهدوء قبل إحتضان عمه للمرة التى لا يعلم عددها
لم يرزق بأب مثله، لكنه أباه حقًا وليس عمه، أباه الروحى

-احضر الغدا عشان نقعد نأكل وتحكيلى عن سنا
وحشتنى عاملة ايه هناك

هز رأسه بيأس وهو يقول:

-والله يا مرات عمى مش سايبة حد فى حاله وطول نهار
زن ورغى اظن انتِ مرتاحة

نظرت بطرف عيناها لزوجها ثم مالت تهمس له بجوار اذنيه:

-الصراحة آه، مستفردة بعمك كلام فى سرك يعنى

تنفس بعمق قبل قوله الهادئ:

-ياسيدى

تحمحمت ثم أجابته هذه المرة بنبرة مرتفعة هامسة:

-كدا بردو يا مدين دا البيت مالوش حس من غيرها
دي وحشتنى أوى

-مين سنا أشك

ابتسمت بخفوت ثم أنصرفت فتبادلا مدين وعمه
النظرات فربت على على كتفه بقلب أب حنون

******

حركت فاتن عدستيها فوق وجه نادين الشاحب تتيح
لها فرصة فى إستيعاب الصدمة، بينما تحدثت بنبرة
مرهقة تقول:

-والله يا نادين مكملتش أنا فعلًا حسيته تطبيق
مش مظبوط بس الفضول خدنى وعلى طول
مسحته لما حسيت انه مش تمام

سحبت نفسًا طويلًا حتى امتلأت رئتيها بالهواء ثم اردفت
تقول:

-أنا مش مصدقة انتِ غبية دا باين اوى انه مش مظبوط
وأنا قولتلك لأ تروحى من ورايا يا فاتن انتى اتجننتى

-والله يا نادين الفضول من ساعة ما اتكلمت نهى وأنا عايزة
اشوف فقولت ليه لأ طب ما أعمل كدا واطمن وبعد كدا
اقولك بس لما حسيت انه ميطمنش جيت على طول
اقولك، متزعليش بقى وتلوى بوزك

احتقنت ملامح نادين حتى شعرت أن الشعيرات الدموية
كادت تنفجر ثم أجابتها بحنق:

-انتِ غبية ازاى تفكيرك يوصل لكدا ومش عاجبك زعلى
وأني ألوى بوزى، هو فينا واحدة بتعمل حاجة من غير
رأى التانية

لمحت نظرت تعاطف غشت عدستها فاسرعت فاتن تقول:

-ما يبقاش زعلك وحش كدا، وبعدين مين عيد ميلاده
الشهر الجاى مين اجمل بنوته، طب والله بقالى اربع
شهور بحوش عشان عيد ميلادك

التو ثغر نادين وهى تقول بابتسامة جانيبة:

-اربع شهور ليه؟ هتجيبلى عربية يا فاتن

-اتريقى بقى طب لو معايا كنت جبتلك ولا لأ اعترفى
انتِ عارفة انى مش بعز عليكى حاجة، بس هبهرك
هاجبلك هدية جامدة

صمتت قليلًا ثم اردفت تقول في ضيق:

-ذلينى بقى المهم دماغك دي متشتغلش لوحدها فاهمة

-تمام يا فندم علم وسينفذ، ويارب يا نادين تتجوزى مدين

حدقتها بنظرات نا,رية وهى تقول:

-انتِ قولتى أيه يا ز.فتة

رفعت كتفاها بلا مبالاة قائلة:

-مش عارفة، بس اهى طلعت دعوة وخلاص طب والله مدين غلبان وبيحبك وكفاية نظراته ليكِ، طب ياريت أنا ألقى حد بيحبنى كدا

-لا بنظراته لا ابتسامته الجو دا خلص من زمان
بعدين مدين دا معاه دبلوم أما أنا شهادة جامعية
يروح ياخد واحدة شبه بقى وفكك أنا مصدقت أنه
سافر

******

كان صوته بالنسبة له كترنيمة سلام جلس بجواره يربت
قدميه قائلًا:

-عامل يا مدين

-الحمدلله ياعمى

تمتم عمه قائلًا ببساطة:

-يارب دايمًا، ام مدين كلمتنى وقلقانة عليك بتقول
حالك مش عجبها، اسمع يا مدين فى حاجات بتمشى
الكلمة الأولى والاخيرة فيها للقدر يابنى، وأنا شايف
أن القدر قال كلمته بعد كل سنين ديه وكفايا ودور
على اللى تقدر مناجم الدهب اللى جواك، دور وهتلاقى
كتير بنات حلال هى بنت اختى وانت ابن اخويا ووجعك
دا يكسرنى أنا قبل اى حد، اقعد يومين وارتاح هنا
وغير جو وانزل دور على اللى يقدرك دا انت طول
عمرك شقيان ومن حقك ترتاح

تنهد فى حر,قة واشتياق وهو يطالع كفيه قائلًا:

-طول عمرى شقيان كل جر,ح فى إيدى يشهد على وجع
ومرار جبت بيه الجنية عشان محتاجش لحد وكان كل
أملى مكافاة من الدنيا قلبها وبس

واضح أن الشقى بيقى مكتوب على كله يا عمى
ريح أم مدين لو كلمتك قولها هرجع اتجوز زى ما هى
عايزة

تزامنًا مع جملته ولجت زوجة عمه ثم وضعت الصينية
على الطاولة وهى تقول:

-يا زين ما قولت يا مدين وأنا عندى ليك عروسة قمر

هز مدين رأسه وفهم مغزى كلامها فتابعت:

-واهلها ناس فى منتهى الأدب والاخلاق هترتاح معاهم
اوى

ضحك مدين بخفوت وهو يهز رأسه ثم اكملت:

-العروسة نسمة كدا

توسعت عين مدين ثم قاطعها معترضًا وهو يقول:

-وهى سنا نسمة يا مرات عمى

عضت على شفتاها باستيحاء وهى تقول:

-هو أنت عرفت أنها سنا، بعدين مالها سنا مش نسمة ليه

تدخل زوجها وهو يقول معترضًا:

-ليه؟! عشان مدين عاش معانا هنا من وهو ١٨سنة
وعارفها خلينا نعمل الجو دا على حد تانى

امتعضت ملامحها وهى تقول بخيبة أمل:

-انتوا شايفين كدا

نهض مدين يطبع قبلة على جبين كلا من زوجة عمه
وعمه قبل أن يتجه لغرفته قائلًا:

-تصبحوا على خير

همست زوجة عمه بنبرة متألمة:

-وانت من اهله ربنا يبرد قلبك يابنى

*****,

بعد مرور اسبوع

-ما أنا قولتلك من الاول مش سكتها حتى البت فاتن
بعد حاولت كدا اوقعها بالمستخبى وادخلها اتطبيق
مسحته وخافت

تلك الجملة اردفتها نهى فجز مجد على شفتاه قائلًا:

-أنا بنت كل.ب تقولى لو قابلتك تانى ههين كرامتك
هى فكرت نفسها مين

ألقت هاتفها فى غل قبل أن تقول عاجزة وهى تتكئ
بجزعه فوق مقعدها:

-خلاص بقى دول اغبياء عايزين يبقوا مشاهير
تيك توك والشرف قا,تلهم ومش سكتنا وأنا مش ناقصة خلينا فى الجديد انا هبتدى أخد كام بنت من اللى اشتغلوا
جوه التطبيق وبقوا خبرة ومعندهمش مشاكل عشان
نروج لأكبر عدد اللى نجيبه ناخد عملتوا واللى هما
يجبوا يبقى بنص والرزق يحب الخفية

هتف يجيبها بحنق بعدما اخرج احد سجائره المعتادة
ودسها فى فمه:

-وماله ما يضرش، أما بالنسبة للحلوين مش عايزين
يتشهروا أنا هشهرهم وماله

بين لحظة خسة وطمع فى الدنيا قد يستبيح العرض

*******

منذ أن جاء إلى عمه مهمته تتخلص فى الذهاب مع
معه إلى العمل ومهاتفة عائلته يوميًا لأطمئنان على صحة
والدته فقط، ارتمى على الفراش وضعًا يده فوق رأسه
وكلمتها الأخيرة تضر,ب جوانب عقله مرات ومرات
مترددًا صداها داخل قلبه ليعلن انتهاء حكايتهما التى
لم تبدأ وارساء كل سفينة بميناء غير الأخر، الأمر
اشبه بالبتر بالنسبة له.

نهض من مكانه يجلب هاتفه ليتقصى اخبارها عبر
مواقع التواصل الاجتماعي يعلم انه لم يجلب لروحه
سوى الهلاك وهى بعيدة عنه لكنه اشتاق واشتاق حد الجحيم

بدأ فى التصفح وهو يرى صورها وفيديوهاتها اشتعلت
النيران بداخله نيران تسرى بعروقه، لكنه فجأة نهض
واقفًا وتحولت عيناه لبركان ثائر وهو يصرخ

-ناااااادين

*******

بعد مرور اسبوع

سريعًا واسرع من انتشار النا,ر فى الهشيم انتشر الفيديو الفاضح لشباتان تقومان باعمال مخلة بالأدب، تفاعل الجميع مع الفيديو وكل منهم عبر عن رأيه حسب معتقداته
وبيئته، ومنظورة ورؤيته، فيما فئة قليلة مال لتعاطف
الفتاتان

طرق على الباب بحدة فتحت الباب مسرعة فرمقها
باشمئزاز قائلًا:

-انا الظابط المسئول عن قضية الفيديو الفاضح

وقبل أن تجيبه كانت ترمق من يقف خلفه بتوجس

****
تجلس فوق الأرضية منكمشة على نفسها بعدما نفس
والدها عن غضبه للمرة التى لاتعلم عددها، وتركاها شبه
عاجزة والالم يعصف بها، تمور بها الحمى وجسدها ينتفض
وتلسع عبرات الخيبات وجهها تكتم الآهات بجوفها عاجزة
عن استيعاب ما آلت إليه أمور حياتها، ولجت والدتها
ففتحت جفنيها عدة مرات فرؤيتها اصبحت مشوشة
لديها فهمست والدتها:

-كدا يا فاتن ديه اخرتها تفضحينا كدا مفكرتيش
فيا ولا فى اخواتك أنا ربيتك كدا ياخسارة تعبى
يا بنت بطنى

همست بتقطع:

-والله ولا أنا ولا نادين

-اخرسى فضحتينا ومتجبيش سيرة الز.فته ديه تانى

نهضت والدتها تخرج وقد نست هاتفها حاولت مسرعة
الوصول إليه زحفت حتى وصلت إليه وبالاخير وصلت
إليه بعد مجهود وضغطت على لوحة الأرقام وانتظرت
الأجابة لكنه كان خارج التغطية اغمضت عيناها بألم
أين هى رفيقة عمرها وماذا فعلوا بها هى الأخرى

دقائق مرت وهى ساكنة لا تتحرك حاولت النهوض
وسحبت ورقة وقلم كتبت بعض الكلمات ووضعت الورقة
ومن فوقها القلم ثم فتحت
الدرج وتناولت كيس اسود واخرجت منه حبة ووضعتها فى فمها وبلعتها، دقائق اخرى وكانت لا استجابة للحياة
لا نفس يدخل أو يخرج، لا نبض وكانت صرخات اختها الصغيرة خير دليل على سقوطها بلا رجعة

****

أرشد فؤادي
★★★
الفصل الثالث
★★★

خرج من المطار مسرعًا واستقل سيارة أجرة متجهًا إلى بيتها يريد أن يكسر رأسها يمزق لحمها، لم يلاحظ الطريق ولم يشعر بالمسافة ألا حين توقفت السيارة فهبط مسرعًا، بأقدام مرتعشة غير ثابتة تقدم نحوه بيتها ليتفأجا بسيارة الشرطة كأنه احد المشاهد فى فيلم رعب، انسحبت الدماء من جسده معلنة عن قرب توقف دورته الدموية
صعد مسرعًا يطوى الدرج تحت اقدامه

★★★

لا يوجد بجانبها أحد وحيدة، منبوذة، خائفة
ممددة على الفراش كجثة هامدة تنظر لسقف الغرفة فى صمت، حتى أطلقت العنان لنفسها لتعبر عما يجيش فى صدرها، لتنهمر منها دمعة وتلحقها الأخرى يحق لها التعبير عن ضعفها وخزيها، فقد تدمرت حياتها فى ليلة وضحاها، هى كانت تريد شهرة واسعة لكن ليس بهذه الطريقة،
اغمضت عيناها فى محاولة للخلود للنوم، بعد اسبوع
مرهق تمامًا، وما أن غفت تدخل صوت الطرق المصر
مع كابوسها، انتفضت مسرعة تنظر حولها فأدركت انها
غفت بعد انهاك جسدها من البكاء، لازال الطرق مستمر
فتحت باب غرفتها تزامنًا مع فتح اختها باب البيت، صمت تام خيم عليهم فجلت اختها حنجرتها تسأل الواقف امامها

-خير؟!

عقد حاجبيه بضيق وهو يحدثها بسخرية؟!

-خير؟!!

ثم تابع:

-مطلوب القبض على اللى اسمها نادين صاحبة الفيديو الفاضح شعرت أن الأرض تميد بها حتى سمعت صوت رجولى خشن مألوف لها من خلف الضابط هاتفًا:

-فى أمر بكدا

ألتفت الضابط لمدين بضحكة ساخرة هاتفًا:

-في أمر بكدا هو مفيش نخوة، ايوة فيه

اجتاحها الخوف والضابط يضر,ب الباب بقدمه ويسحبها
من يدها حاولت السيطرة على نفسها ورجفتها هامسة

-مش أنا والله اللى فى الفيديو استحالة اعمل كدا ولا فاتن صاحبتى

مرت من امامه والضابط يسحبها وينزل بها الدرج نظرة
بطرف عيناها نحوه وهى تستنجد بأختها، لن يخذلها
فى هذه اللحظة نظر لناهد التى تمتمت:

-أمى جوه بتمو,ت بعد الفضيحة ديه، احنا ضعنا يا مدين اخدوا نادين، شفت وصلتنا لفين

ارعبتها الصرخة الغاضبة التى انطلقت منه:

-مش وقته الكلام دا يا ناهد ادخلى هاتيلى حاجة لنادين
تلبسها بسرعة

هزت رأسها وتوجهت مسرعة للداخل فخرجت عمته من الغرفة على صوت صراخه تسأله بوهن

-مدين رجعت أمته من السفر؟!

وقبل أن يجيبها هرولت إليه ناهد تناوله العباءة هاتفة:

-الحقى يا امى البوليس اخد نادين

سيطرت الصدمة عليها للحظات ثم اخذت تضر,ب على صدرها وتصرخ:

-خدوها فين يا مصيبتى، يارب انا اتبهدل كدا فى اخر ايامي انت لسه واقفة هاتى العباية نلحق اختك

-عمتى خليكِ أنا هروح انتِ تعبانة

قبل أن تجيبه كان يهبط مسرعًا الجميع يقفوا حول سيارة
الشرطة وكأنهم يشاهدون فيلم سينمائي، قبل أن تصعد
إلى السيارة كان يضع قدمه هو قبلها دفعه الأمين هاتفًا:

-أنت رايح فين هو فرح يا جدع انت

اخرج كل ما فى جيبه من نقود يضعه فى جيب الأمين
هاتفًا بتوسل:

-الله يخليك خلينا اركب معاها، أن شالله لو هتأخدنى
متهم معاها واللى انت عايزة عينى ليك اكتر من اللى اخدته

نظر الأمين نحو رزمة النقود التى بجيبه وابتسم بجشع
ثم دفعه معاها وهو يهتف بحدة:

-يلا كل واحد عند بيته احسن اللى همسكوا هحطوا معاهم

فى لمح البصر اختفى الجميع وتحركت السيارة مد
يده لها بالعباءة السوداء والحجاب ثم نهض من مكانه
يجلس بجوارها ليحجب الرؤية عن الأمين، اغمضت
عيناها لوهلة شعرت بالطمأنينة، أما هو كان يضع
يده على قلبه يريده أن يهدأ، هذه الفيديوهات كانت
كقنبلة انفجرت فى صدره، وتناثرت شظاياها فى
انحاء جسده، شعر بإرتجافها بجانبها همس لها:

-متخافيش أنا معاكِ وهروح بيكِ

لم تنظر إليه وظلت كما هى، مهما بعد مسافات عنها لازال
حبها قابعًا فى مضغته بين ضلوعه، تغلغلت فى شرايينه
لكن أين هو منها، لا يهم كل ما يهمه الآن سلامتها قلبه
واثقًا من براءتها

★★★

قسم الشرطة

غرفة مكتبية صغيرة

تبكي بإنتحاب خافت منذ عدة دقائق دون توقف حتى
تأفف وكيل النيابة هاتفًا:

-خلصنا بقى مش هنقضيها عياط
هنا تعيطوا لكن ساعة …

قاطعته مسرعة بالنفى:

-والله ما أنا، أنا بنت ناس أنا بقالى اسبوع مش عارفة
لمن الفيديو دا اقسملك ما أنا والله مش أنا

ألتو ثغره باستهزاء يسألها بحدة وخشونة

-الحساب اللى عليه الفيديوهات مش هو بتاعك وديه
كلها صورك

اجهشت فى البكاء هاتفة بتبرير:
-ايوة الحساب بتاعى وديه فيديوهات عادية زى كل البنات عادى
استند بظهره للخلف يرمقها بنظرة تقيمية ثم حدثها بقرف:

-ومين قالك أن كل البنات كدا؟! مين قالك أن كل البنات بتعرض
نفسها كدا على النت، بنات الناس اللى بتعرف ربنا مش بيعملوا كدا

ط,عنة مؤلمة شقت روحها ثم همست بحسرة:

-والله العظيم ما احنا

-ولما هو مش انتوا ازاى سكتى طول المدة ديه؟!

كان سؤاله إشارة للانفجار هاتفة:

-لأن من يومها محبوسة أنا كنت عايزة انزل واخد حقى
بس للأسف أهلى موقفوش جنبى خافوا من كلام الناس اكتر منى
فى الخارج

التوتر والخوف عليها يعسفان بقلبه كرياح خريفيه تقتـ,ـلعه
من بين ضلوعه، يدور أمام الغرفة كنمر حبيس وما أن أتى
المحامى بصحبة سنا هرول إليه، ليقف أمامه بضعف السنين هاتفًا:

-حضرتك أتاخرت ليه كل دا؟!

-متأخرتش ولا حاجة هى جوه

هز رأسه بالإيجاب ثم همس له بتوسل:

-اتعاب حضرتك هتأخدها باللى تؤمر بيه بس ماتبتش الليلة هنا

كانت نظرت المحامى يملأها الشك والإتهام فاجابة مسرعًا:

-مش هى، لأ مش هى اللى فى الفيديو

بعد أن استئذن الضابط للمحامى بالدخول فتح الباب
وما أن ظهرت نادين هرولت والدتها تقف أمام الضابط
حاول الضابط ايقافها لكن اوقفه وكيل النيابة بيده هاتفًا:

-سبها يا بنى تعالى يا ست انتِ امها؟!

-ايوة يا بيه امها والله شقيانة عليهم عمرى كله وبنتى متعملش كدا

هز رأسه بتفهم ثم سألها::

-تعرفى أن بنتك ليها فيديوهات على التيك توك وهى بتطبخ وهى فى الجامعة وهى بتغنى؟!

هزت رأسها بعينين دامعتين وبللت شفتاها هاتفة::

-بنتى ليها فيديوهات فى التكاتك بنتى أنا ومطبخ ايه
ديه مش بتقلى بيضة لنفسها والله أنا كل اللى اعرفه
أنى بنتى متعملش كدا

رمقها بحزن ثم وجه نظراته بأسف نحو نادين هاتفًا:

-كمان يعنى متعرفش حاجة

استرسل وهو ينظر لشرطى بحزم:

-خرجها بره

وقف المحامى يقوم بدوره فى الدفع عنها بينما هى
منكمشة على نفسها

★*★*★

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *