رد اعتبار انجي الخطيب
رد اعتبار انجي الخطيب
هو فيه مشكلة في الضمانات ولا لأ؟»«لسه ما نقدرش نأكد لحضرتك قبل ما الإدارة القانونية تراجع المستندات، بس فيه بنود لازم تتراجع، وأي التزامات مستقبلية هتفضل خاضعة لشروط الاتفاقية.»قفل أبويا المكالمة من غير ما يرد، ووشه اتغير تمامًا.
أمي قربت منه، ولاحظت إن إيده بترتعش وهو بيحط الموبايل في جيبه. سألته بقلق:«في إيه يا جلال؟ مالك اتغيرت كده ليه؟»لكنه مردش عليها. طلع موبايله تاني، وبدأ يدور على رقم مكتب رئيس المجموعة الاستثمارية اللي حاول يقابله سنين طويلة، واللي كان بيعتبر الوصول ليه خطوة هتفتحله أبواب جديدة في عالم البيزنس.
في الوقت ده، كنت وصلت البيت. طلعت حمزة لأوضته، وحطيته في سريره الصغير، وقعدت جنبه وأنا بمسح على شعره الناعم. بصيت لوشه البريء، وقلتله بصوت واطي:«محدش هيقلل منك يا حبيبي. إنت مش محتاج تثبت لأي حد إنك تستحق الحب، لأنك تستحقه من غير شروط.
ومش مهم مين رفضك، المهم إن فيه ناس هتفضل تحبك وتختارك كل يوم.»بعد دقائق، سمعت صوت عربية عمر وهي بتدخل الجراج. دخل الأوضة بهدوء، وقرب مني، وباس راسي، وبعدها انحنى وباس ابنه. بصلي بعينين مليانين حنان، وقال:«أنا آسف إنك مريتي بكل ده لوحدك.
»مسكت إيده، وهزيت راسي وقلت:«أنا مش زعلانة عشان أهانوني. أنا زعلانة إن ابني كان وسط ناس المفروض يكونوا أمان ليه، لكنهم كانوا أول ناس يجرحوه.»قعد جنبي، وفضل باصص لحمزة شوية قبل ما يرد:«حمزة هيكبر وهو عارف إن ليه أب وأم بيحبوه، وإن قيمته مش مرتبطة برأي أي حد.
أما موضوع الشركات، فهنسيبه للقانون والعقود. مش هسمح إن زعلك يخليني أتصرف باندفاع، ولا إن حد يقدر يتهمنا إننا استخدمنا نفوذنا بطريقة غير قانونية.»بصيتله وسألته:«هو إيه البند الأخير ده اللي قلتلي عليه؟»اتنهد عمر، وبعدها رد وعرفت منه إن اللي حصل الصبح ممكن يكون بداية لحاجة أكبر بكتير من اللي كانوا متخيلينه.
أما رنا، فكانت لسه ماسكة موبايلها، لكن ابتسامتها بدأت تختفي واحدة واحدة. ولأول مرة، ما كانش صوتها واثق زي كل مرة. كان واضح إن الخوف بدأ يدخل قلبها هي كمان لما شافت……
كانت رنا لسه ماسكة موبايلها، لكن ابتسامتها بدأت تختفي واحدة واحدة، ولأول مرة من سنين، ما كانش عندها رد ساخر جاهز تقوله، ولا ضحكة تستخبى وراها من أي موقف محرج. كانت بتبص للشاشة، وعينيها بتتنقل بين التعليقات اللي بتزيد بسرعة، وبين الرسائل الخاصة اللي بدأت توصلها من ناس مش متابعين عاديين، لكن صحفيين وصفحات أخبار مهتمة برجال الأعمال.
المنشور اللي نزلته عشان تزود متابعينها، بدأ ياخد اتجاه ما كانش في حساباتها.
واحد كتب: «إزاي تنشروا صورة طفل حديث الولادة وتسخروا منه بالشكل ده؟»
وواحدة تانية علقت: «حتى لو عندكم مشكلة مع أمه، الطفل ذنبه إيه؟»
لكن اللي خلّى الدم ينسحب من وشها فعلًا، كان تعليق من حساب موثّق لشخصية معروفة في عالم الاقتصاد، كاتب فيه:
«قبل ما تسخروا من طفل، اتأكدوا إنكم فاهمين العيلة اللي بتتكلموا عنها. أحيانًا الناس بتخسر أكتر بكتير من متابعين لما تفتكر إن الشهرة بتديها الحق تهين غيرها.»
رنا بلعت ريقها، ودخلت على الحساب بسرعة، لكنها ما لقتش أي تفاصيل توضّح هو يقصد إيه.
رفعت عينيها لأبوها، اللي كان واقف عند الشباك بيتكلم في الموبايل بصوت منخفض، ووشه متجهم بشكل عمرها ما شافته عليه قبل كده.
«بابا… هو فيه إيه؟»
جلال ما ردش.
قربت منه أكتر وقالت بقلق:
«بابا، أنا بكلمك! مين اللي اتصل بيك؟ وإيه حكاية الضمانات اللي حسام قالك عليها؟»
لف ناحيتها فجأة، وعينيه مليانة غضب.
«إنتِ مش شايفة إني بتكلم؟ اقفلي بوقك شوية!»
رنا اتصدمت. أبوها عمره ما كان بيكلمها بالطريقة دي قدام الناس، خصوصًا في مناسبة هو بنفسه عاملها عشان يستعرض فيها نفوذه وعلاقاته.
لكن قبل ما تقدر ترد، موبايله رن تاني.
بص للشاشة، ولما شاف اسم حسام، رد بسرعة.
«أيوه يا حسام، أنا مستنيك تشرحلي إيه اللي بيحصل ده.»
جاله صوت مديره المالي متوترًا:
«أستاذ جلال، أنا قدامي الاتفاقية الأصلية، وطلبت من الإدارة القانونية تراجعها. فيه بند حضرتك كنت مصرّ إنه يتحط من سنين، ووقتها المستشار القانوني حذّرنا من خطورته.»
جلال عقد حواجبه.
«اتكلم واضح.»
«البند بيقول إن أي تغيير جوهري في هيكل الملكية أو الضمانات المرتبطة بالشراكة، أو ثبوت استخدام معلومات غير دقيقة للحصول على تسهيلات، بيدي الطرف الضامن الحق في مراجعة الالتزامات المستقبلية، ووقف التجديدات الجديدة لحد ما المراجعة تخلص. وفي حالات محددة، ممكن يطلب ضمانات بديلة أو يتخذ إجراءات تعاقدية إضافية.»
«وبعدين؟ ما هو ده بند موجود في كل الاتفاقيات تقريبًا!»
«المشكلة يا فندم إن فيه مراجعة بدأت فعلًا لبعض المستندات القديمة، وفيه طلبات متعلقة بصفقة الأرض الجديدة. الإدارة القانونية بتقول إننا لازم نجهز كل المستندات قبل اجتماع بكرة.»
سكت جلال لحظة، وبعدين سأل:
«مين طلب المراجعة؟»
«مكتب رئيس المجموعة الاستثمارية بنفسه.»
حس جلال إن الأرض بتتحرك من تحته، لكنه حاول يحافظ على نبرة صوته.
«هاتلي موعد مع رئيس المجموعة. أنا عايز أقابله النهارده.»
«حاولنا يا فندم، لكن مكتب رئيس المجموعة أكد إن أي مقابلة لازم تكون من خلال الإدارة المختصة، وإنهم مش هيستثنوا أي شركة من الإجراءات.»
جلال قفل المكالمة بعنف، لدرجة إن أمي انتفضت من مكانها.
قالت وهي بتقرب منه:
«إيه اللي حصل يا جلال؟ إنت مخبي عننا إيه؟»
بصلها بحدة وقال:
«مفيش حاجة! مجرد مراجعة إدارية، وهتخلص.»
لكن نادية كانت عارفاه. عاشت معاه أكتر من تلاتين سنة، وعارفة الفرق بين غضبه لما حد يعارضه، وخوفه لما يحس إن حاجة ممكن تفلت من إيده.
أما رنا، فكانت لسه بتراقب المنشور.
التعليقات ما بقتش مجرد اعتراض على سخريتها من طفل. ناس بدأت تسأل عن اسم زوج مريم، وناس تانية بتدور على معلومات عن الشركة الاستثمارية اللي جلال بيحاول يدخل معاها في شراكة من سنين.
وفي وسط كل ده، ظهر إشعار برسالة خاصة من رقم مجهول.
فتحتها.
«امسحي صورة الطفل فورًا. إنتِ مش عارفة إنتِ دخلتي نفسك في إيه.»
ضحكت بتوتر، وكتبت:
«إنت مين أصلًا؟»
الرد جه بعد ثوانٍ:
«شخص بينصحك للمرة الأخيرة. الصورة متوثقة، والوقت اللي نزلت فيه معروف، وأي استخدام تجاري أو إساءة لصورة طفل ممكن يعرّضك لمساءلة. امسحيها، واحتفظي بأي دليل متعلق بالمنشور بدل ما تحاولي تخفيه.»
رنا رمت الموبايل على الكنبة، ولفت حوالين نفسها بعصبية.
«هو كل الناس اتجننت النهارده؟!»
في اللحظة دي، دخل ابن عمها كريم الصالون، وكان شاب في أول التلاتينات، شغال محامي شركات، وبيحضر مناسبات العيلة على مضض، لأنه من زمان مش مرتاح لطريقة جلال في التعامل مع الناس.
بص للوجوه المتوترة، وبعدها قال:
«هو أنا دخلت على جنازة ولا إيه؟ العيد يا جماعة!»
نادية ردت بضيق:
«اسأل أبوك… قصدي اسأل عمك، هو اللي قلب البيت علينا.»
كريم بص لرنا، ولاحظ إنها بتخبي موبايلها.
«إنتِ عملتي إيه المرة دي؟»
رفعت دقنها بتحدي:
«ولا حاجة تخصك.»
ابتسم ابتسامة جانبية وقال:
«الجملة دي تحديدًا بتخليني أتأكد إن فيه مصيبة.»
قبل ما ترد، موبايله رن، فبص للشاشة واتغيرت ملامحه. كان اتصال من زميله في المكتب، اللي قال له إن صورة متداولة على السوشيال ميديا فيها إساءة لطفل حديث الولادة، وإن بعض العملاء بدأوا يسألوا عن علاقتها بعيلة المنشاوي.
كريم بص لرنا بذهول.
«إنتِ اللي منزلة الصورة دي؟»
ردت بعصبية:
«آه، وإيه يعني؟ دي أختي!»
«أختك؟ ولا طفل عمره أقل من شهر؟ إنتِ فاهمة إنك نشرتي صورته وسخرتي منه قدام الناس كلها؟»
«إنت كمان هتعمل فيها واعظ؟ دي مشكلة عائلية.»
قرب منها كريم، وصوته بقى جاد:
«لأ، دي مش مجرد مشكلة عائلية بعد ما إنتِ حولتي طفل لمادة للسخرية قدام آلاف الناس. وكونك خالته ما يديكيش الحق تعملي كده.»
رنا رفعت صوتها:
«أنا حرة في حسابي!»
رد بهدوء مستفز:
«حرة تتحملي مسؤولية اللي بتنـشريه كمان.»
جلال ضرب بإيده على الترابيزة.
«كفاية! مش ناقص وجع دماغ. البنت هتمسح الصورة وخلاص، والموضوع هينتهي.»
كريم بص له نظرة طويلة، وقال:
«لو كنت بتتكلم عن صورة عادية، كنت هقولك ممكن. لكن لما الإهانة بتكون مقصودة، ومرتبطة بطفل وأمه، لازم الاعتذار يكون واضح، مش مجرد مسح منشور بعد ما الناس تشوفه.»
جلال قرب منه، وقال بنبرة تهديد:
«إنت هتعلمني أتصرف إزاي في بيتي؟»
كريم ما رجعش خطوة.
«لأ يا عمي، بس أنا مش هقدر أقول إن الغلط صح عشان حضرتك مش عايز تسمع غير كده.»
ساد الصمت في الصالون.
ولأول مرة في اليوم ده، حد من العيلة قال بصوت واضح إن مريم مش هي الغلطانة.
لكن جلال ما كانش مستعد يسمع الحقيقة، خصوصًا إنها جاية من شخص مش بيخاف منه.
أشار لكريم ناحية الباب.
«لو مش عاجبك بيتي، الباب مفتوح.»
كريم هز راسه بأسف.
«المشكلة إن كل ما حد يقولك إنك غلطان، بتعتبره عدو. وده اللي هيخليك في يوم تلاقي نفسك لوحدك، حتى لو حواليك مية واحد.»
ومشي.
أما جلال، ففضل واقف مكانه، والغضب بيغلي جواه، لكنه كان بيخفي تحته خوفًا أكبر بكتير من اللي أي حد في الفيلا يقدر يتخيله.
لأنه في أعماقه، كان عارف إن موضوع الشركة مش مجرد مراجعة عادية، وإن ظهور اسم رئيس المجموعة في اللحظة دي ممكن يقلب حساباته كلها.
وفي الوقت نفسه، كنت قاعدة في بيتي، جنب سرير حمزة، ومش عارفة إن العاصفة اللي بدأت في الفيلا هتكون أصغر بكتير من العاصفة الحقيقية اللي كانت بتتجه ناحيتنا.
عمر كان قاعد قدامي، لابس قميصه الأبيض بعد ما رجع من مكتبه، وحاطط ملف أسود على الترابيزة.
سألته وأنا ببص للملف:
«هو إيه البند الأخير اللي أبويا مش فاكره؟»
عمر فتح الملف، وطلع منه نسخة من اتفاقية قديمة، وحطها قدامي.
«من سبع سنين، شركة والدك كانت داخلة في مشروع توسع كبير. كان عنده وقتها ديون قصيرة الأجل، وكان محتاج ضمانات عشان يقدر يكمل المشروع. مجموعتنا درست الملف، ووافقت على اتفاقية ضمان وتمويل بشروط محددة.»
بصيت له باستغراب.
«يعني إنت كنت بتتعامل مع شركات بابا من قبل ما تتجوزني؟»
«آه، لكن مش بشكل مباشر. وقتها الإدارة الاستثمارية هي اللي كانت بتراجع الطلبات، وأنا كنت متابع الملف من خلال التقارير. وبعد ما اتجوزنا، طلبت إن أي تعامل مع شركات عيلتك يخضع لمراجعة مستقلة، عشان محدش يقدر يقول إن فيه مصلحة شخصية أو تضارب مصالح.»
مسكت الورق، وبدأت أقرأ البنود اللي قدامي، لكن المصطلحات القانونية كانت كتير عليا.
عمر أشار لبند في آخر الصفحة.
«البند ده بيقول إن الضمانات مش شيك على بياض. الشركة لازم تلتزم بالبيانات اللي قدمتها، وتستخدم التسهيلات في الأغراض المتفق عليها، وتقدم المستندات المطلوبة وقت المراجعة. لو حصل إخلال جوهري، الطرف الضامن يقدر يوقف التجديدات المستقبلية، ويطلب معالجة المخالفة وفق الإجراءات المحددة في العقد.»
رفعت عيني له.
«يعني ممكن شركات بابا تقع بسبب البند ده؟»
عمر قفل الملف بهدوء.
«مش هسمح إن حد يتضرر لمجرد إننا زعلانين. الموظفين اللي شغالين عنده ملهمش ذنب في اللي حصل بيننا. لكن لو فيه مخالفات حقيقية، لازم تتراجع، ولو فيه التزامات مستحقة، لازم تتنفذ. لا هنغطي على غلط، ولا هنعاقب حد من غير دليل.»
فضلت ساكتة شوية، وبعدين سألته:
«وإنت هتعمل إيه لو طلع أبويا فعلًا غلطان؟»
بصلي مباشرة.
«هسيب الجهات المختصة والإدارة المستقلة تتعامل مع الموضوع. أنا مش هستخدم منصبي عشان أضغط عليه، ولا هسمح له يستخدم علاقتك بيا عشان يهرب من مسؤولياته.»
الكلام ريحني، لكن في نفس الوقت حسيت بوجع غريب. جزء مني كان لسه بيتمنى إن أبويا يرن عليا، يسألني إذا كنت وصلت البيت، ويقول لي إنه غلط وإنه عايز يشوف حفيده.
يمكن كنت ساذجة، لكن مهما كبرت، كان فيه جزء صغير جوايا لسه مستني منه كلمة حلوة.
عمر لاحظ شرودي، فمد إيده ومسك إيدي.
«إنتِ لسه مستنية منه اعتذار، صح؟»
نزلت عيني.
«مش عارفة. أنا مش عايزة فلوسه، ولا عايزة أرجع لحياتهم. بس كنت فاكرة إن لما يشوف حمزة، قلبه هيلين. كنت فاكرة إن حتى لو هو مش بيحبني بالطريقة اللي محتاجاها، ممكن يحب ابني.»
عمر قرب مني وقال:
«مريم، في ناس بتفتكر إن الحب مكافأة بتديها للي يطيعها. لو مشيتي على مزاجهم يحبّوكي، ولو اخترتي حياتك يعاقبوكي. بس الحب الحقيقي مش كده.»
دموعي نزلت رغمًا عني.
«أنا تعبت من إني أفضل أحاول أثبت إني بنت كويسة. كل مرة أقول المرة الجاية هيفهموني، والمرة الجاية هيفرحوا بيا. وفي الآخر، كل مرة بلاقي نفسي واقفة قدامهم وأنا بحاول أشرح ليه أنا مش وحشة.»
عمر مسح دمعة من على خدي.
«إنتِ مش مطالبة تثبتي لأي حد إنك تستحقي الحب. وإحنا مش هنقفل الباب في وش حد عايز يصلح غلطه بجد، لكن مش هنفتح باب بيتنا لحد لسه شايف إن إهانتك حق مكتسب.»
في اللحظة دي، حمزة بدأ يتحرك في سريره ويصدر صوتًا صغيرًا.
قمت بسرعة وشيلته، وفضلت أهدهده لحد ما فتح عينيه وبصلي.
عمر ابتسم، ومد صباعه الصغير ناحيته، فحمزة مسك فيه بإيده.
قال عمر بصوت دافي:
«بص يا مريم، ده أهم عقد في حياتي كلها.»
ضحكت وسط دموعي.
«عقد إيه؟»
«العقد اللي مفيهوش فلوس ولا شروط جزائية. أنا وعدت ابني إني أحميه وأحبه وأفضل جنبه. وده العقد الوحيد اللي مش هسمح لأي حد يخليني أخل بيه.»
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا لسه فيها أمان، حتى لو البيت اللي اتولدت فيه ما عرفش يديهولي.
لكن الأمان ده ما منعش إن الماضي يمد إيده تاني.
بعد أقل من ساعة، موبايل عمر رن، وكان الاتصال من سليم، مدير إدارة المخاطر في المجموعة.
عمر رد، وسمعته بيقول:
«أيوه يا سليم، وصلتلكم النسخة؟»
سكت يسمع، وبعدها ملامحه اتغيرت.
«إزاي المستند ده اتضاف للملف من غير توقيع المراجع؟»
سكت تاني، وبعدين قال بحزم:
«وقفوا أي قرار تنفيذي لحد ما نتأكد من المصدر. ومحدش يتواصل مع الشركة مباشرة غير من خلال الإدارة القانونية. عايز تقرير مكتوب بكل التفاصيل.»
قفل المكالمة، وبص للملف اللي على الترابيزة.
سألته بقلق:
«فيه إيه؟»
رد بعد لحظة:
«فيه مستند ظهر في ملف شركة والدك، وبيشير إن فيه تغيير حصل في الضمانات من غير ما يتسجل بالشكل المعتاد. لسه مش عارفين إذا كان خطأ إداري ولا فيه حاجة أكبر.»
حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
«تقصد إن بابا ممكن يكون عمل حاجة غلط؟»
«أنا مش هتهم حد قبل ما نعرف الحقيقة.»
«بس إنت قلت إن المستند اتضاف من غير توقيع المراجع.»
«وده سبب كافي إننا نوقف أي خطوة لحد ما نفهم اللي حصل. ممكن يكون فيه خطأ في الأرشفة، وممكن يكون فيه حد حاول يمرر مستند من غير المراجعة المطلوبة. في الحالتين، لازم نعرف.»
كنت عارفة إن الموضوع أكبر من إهانة حصلت في صالون، لكن ما كنتش متخيلة إن فيه سر مالي قديم ممكن يظهر في نفس اليوم.
بصيت لحمزة، اللي كان رجع ينام في حضني، وحسيت إن لازم أحميه من أي صراع ممكن يحصل.
قلت لعمر:
«أنا مش عايزة أي حد يقول إنك بتنتقم مني أو عشان اللي حصل الصبح.»
رد فورًا:
«عشان كده أنا طلبت مراجعة مستقلة، وكل قرار هيكون مكتوب ومبني على المستندات. لو طلع والدك ملتزم، حقه ياخد معاملته العادية. ولو فيه مخالفة، هيتعامل معاها زي أي شركة تانية.»
وبعدين قرب مني وأضاف:
«بس فيه حاجة لازم تعرفيها. لو أبوكي حاول يستخدمك أو يستخدم حمزة للضغط عليا، ساعتها الموضوع مش هيبقى مجرد خلاف عائلي. هنبقى بنتعامل مع تصرف لازم يتحط له حد.»
ما كنتش أعرف إن الجملة دي هتتحول بعد ساعات قليلة لتحذير حقيقي.
في الفيلا، جلال كان دخل مكتبه الخاص، وقفل الباب وراه، وطلب من حسام يوصله بكل ملفات المشروع الجديد.
كان فيه مشروع ضخم على أطراف القاهرة، عبارة عن مجمع إداري وتجاري، اشترت فيه شركة المنشاوي أراضي بمبالغ كبيرة، واعتمدت في تمويل المرحلة الأولى على تسهيلات مرتبطة بضمانات المجموعة الاستثمارية.
جلال كان راهن على المشروع ده بكل نفوذه. لو نجح، هيدخل اسمه في قائمة أكبر المطورين العقاريين في السوق، وهيقدر يوسع شركاته ويفتح فروع جديدة.
لكن لو التمويل اتوقف فجأة، هيبقى مضطر يعيد ترتيب التزاماته، وممكن يواجه أزمة سيولة كبيرة.
فتح الملف وبدأ يقلب صفحاته بعصبية، لحد ما وقف عند مستند معين.
كان إقرارًا موقعًا من أحد المسؤولين في شركته، بخصوص استخدام جزء من التسهيلات في مشروع فرعي مختلف عن الغرض الأصلي.
جلال اتجمد مكانه.
افتكر كويس إنه وافق على التحويل ده من شهور، لما شركة تابعة ليه احتاجت سيولة عاجلة عشان تسدد مستحقات موردين. كان فاكر إنه هيقدر يرجع المبلغ قبل المراجعة الدورية، وإن الموضوع مش هيظهر.
لكن المبلغ اتأخر في الرجوع، والمشروع الفرعي نفسه دخل في نزاع مع أحد الشركاء.
ضرب الملف على المكتب، وهمس:
«مين اللي طلع الورق ده دلوقتي؟»
ما كانش عارف إن موظفًا في الإدارة المالية، اسمه شريف، كان بعت المستندات للمراجعة الداخلية بعد ما اكتشف إن الأرقام مش متطابقة. شريف ما كانش عايز يوقع على تقرير مالي عارف إنه ممكن يكون مضلل، خصوصًا بعد ما اكتشف تحويلات اتسجلت تحت مسميات مختلفة.
وفي نفس الوقت، كان فيه شخص تاني بيتابع الملف من بعيد، شخص جلال كان فاكره حليفه الأقرب، لكنه كان في الحقيقة مستعد يسيبه يتحمل كل المسؤولية لو الأزمة كبرت.
كان اسمه فؤاد السيوفي، شريكه القديم في بعض المشروعات، والرجل اللي جلال وثق فيه لسنين طويلة.
فؤاد اتصل بجلال في وقت متأخر من بعد الظهر.
«عامل إيه يا جلال؟ سمعت إن فيه مراجعة مالية عندكم.»
جلال رد بحدة:
«مين اللي قالك؟»
«يا راجل، السوق كله بيتكلم. إنت عارف إن أي حركة في شركات بالحجم ده بتوصل للناس بسرعة.»
جلال سكت، وبعدها قال:
«إنت عندك أي معلومة عن اللي بيحصل؟»
فؤاد اتنهد بتصنع.
«المعلومات قليلة، بس لو عايز رأيي، لازم تسبقهم بخطوة. ما ينفعش تستنى لحد ما يطلع قرار يربك السوق.»
«أسبقهم إزاي؟»
«اطلب اجتماع مباشر مع رئيس المجموعة، واشرح له إن الموضوع مجرد تحويل مؤقت، وإنك هتغطي أي فرق. ولو فيه مستند ناقص، جهزه بسرعة.»
جلال قبض على الموبايل.
«أنا طلبت الاجتماع، ورفضوا.»
فؤاد سكت ثواني، وبعدين قال:
«غريبة. يمكن فيه حد واصلهم معلومات مش في صالحك.»
جلال حس إن قلبه اتقبض.
«تقصد مين؟»
«أنا ما بوجهش اتهامات، لكن لازم تراجع اللي حواليك. ساعات أقرب الناس بيكونوا أول ناس يبيعوك.»
الكلام فضل يرن في ودن جلال حتى بعد ما قفل المكالمة.
وبدل ما يسأل نفسه إذا كان هو اللي أخطأ، بدأ يشك في كل شخص حواليه.
أما في بيتنا، فكنت بحاول أعيش اليوم بشكل طبيعي. غيرت هدوم حمزة، ورضعته، وقعدت أرتب الحاجات الصغيرة اللي جبناها له، لكن عقلي كان بيرجع كل شوية لصورة أبويا وهو بيقول إنه مش عايز يلمس حفيده.
بعد المغرب، لقيت موبايل رنا بيرن باسمي على شاشة زوجي، لأن عمر كان ضاف رقميها ورقم أمي في قائمة الاتصالات المشتركة عندنا من فترة.
عمر بصلي وسألني:
«تحبي تردي؟»
ترددت شوية، وبعدها هزيت راسي.
«لأ. مش دلوقتي.»
بعد دقيقة، وصلت رسالة من أمي.
«مريم، أبوكي متضايق من اللي حصل. تعالي بكرة نتكلم بهدوء، ومن غير ما تكبري الموضوع.»
قريت الرسالة مرتين.
ما كانش فيها اعتذار.
ما سألتنيش إذا كنت زعلانة، ولا قالت إنهم غلطوا في حق حمزة. كل اللي شاغلها إن الموضوع ما يكبرش.
كتبت لها:
«أنا مش هكبر الموضوع يا ماما، بس مش هقدر أتعامل كأن مفيش حاجة حصلت. لما تكونوا مستعدين تعتذروا لحمزة، وتفهموا إن إهانته مش مقبولة، نبقى نتكلم.»
بعت الرسالة، وقفلت الموبايل.
بعد دقائق، أمي ردت:
«إنتِ بتشترطي على أهلك عشان جوزك؟»
حسيت بوجع في صدري، لكن المرة دي ما تراجعتش.
كتبت:
«أنا بحط حدود عشان ابني، مش عشان جوزي. والحدود دي هتفضل موجودة حتى لو كنت لوحدي.»
ما ردتش بعدها.
عمر كان قاعد جنبي، ولما شافني حطيت الموبايل بعيد، قال:
«أنا فخور بيكي.»
بصيت له بابتسامة حزينة.
«كان نفسي أكون فخورة بأهلي.»
ما ردش، لكنه حضني، وفضل ساكت لحد ما قدرت أهدى.
في نفس الليلة، رنا كانت قاعدة في أوضتها، بتراجع حساباتها على السوشيال ميديا. المنشور لسه موجود، رغم إنها حاولت تخفيه عن بعض الناس، لكن لقطات الشاشة كانت انتشرت بالفعل.
مدير أعمالها اتصل بيها، وكان صوته عصبي.
«إنتِ عملتي إيه؟»
ردت بانفعال:
«هو إنت كمان هتزعقلي؟»
«أنا مش بزعقلك، أنا بحاول أفهم إزاي تنزلي منشور بالشكل ده وإنتِ عندك حملة إعلانية بكرة! الشركة اللي متعاقدة معاكي بعتتلي تسأل عن الموضوع، وبتقول إنها هتراجع التعاون لو ما اتصلحش الوضع.»
رنا قامت من مكانها.
«إزاي يعني؟ دي صورة عائلية!»
«مش صورة عائلية لما تكون مصحوبة بسخرية وإهانة. أنا قلتلك قبل كده إن أي محتوى ممكن يضر بسمعتك لازم تفكري فيه مرتين.»
صرخت:
«أنا مش هسمح لحد يتحكم فيا!»
رد ببرود:
«أنا مش بتحكم فيكي. أنا بقولك إن تصرفاتك ليها نتائج. امسحي المنشور، واعتذري بوضوح، وبلاش تكتبي أي حاجة تانية قبل ما نتكلم.»
قفل الخط.
رنا فضلت واقفة في نص الأوضة، لأول مرة تحس إن عدد المتابعين اللي كانت بتتباهى بيه مش هيحميها من نتيجة تصرفاتها.
لكن بدل ما تعترف بغلطها، بدأت تفكر في طريقة تلقي بيها اللوم على مريم.
فتحت محادثة مع واحدة من صديقاتها، وكتبت:
«مريم أكيد بتحاول توقعنا عند عمر. هي طول عمرها بتغير مني، ودلوقتي لقت الفرصة.»
صاحبتها ردت:
«إنتِ متأكدة إن الموضوع ليه علاقة بعمر؟ إنتِ اللي نزلتي صورة الطفل.»
رنا ما ردتش.
كانت محتاجة تصدق إن مريم هي السبب، لأن الاعتراف بالحقيقة كان معناه إنها لأول مرة هتضطر تواجه نفسها من غير جمهور يصفق لها.
وفي صباح اليوم التالي، بدأت الأزمة تظهر على السطح بشكل رسمي.
وصل خطاب من الإدارة القانونية للمجموعة الاستثمارية إلى شركة المنشاوي، يطلب تقديم مستندات محددة خلال المدة التعاقدية، مع التأكيد على أن المراجعة لا تعني ثبوت أي مخالفة، وأن أي قرار بشأن التسهيلات سيعتمد على نتائج الفحص.
جلال قرأ الخطاب وهو واقف في مكتبه، وبعدها اتصل بحسام.
«إيه معنى الكلام ده؟ هما بيحققوا معانا؟»
حسام رد بحذر:
«دي مراجعة تعاقدية يا فندم، ومش معناها إن فيه اتهام. لكن لازم نقدم المستندات كاملة، خصوصًا المستندات الخاصة بالتحويلات الداخلية.»
«والأرض؟»
«الصفقة لسه قائمة، لكن أي تمويل جديد هيكون مرتبط بنتيجة المراجعة.»
جلال قعد على كرسيه ببطء.
«يعني أنا ممكن أخسر المشروع؟»
«مش بالضرورة. لو قدرنا نوضح كل العمليات ونثبت الالتزام بالشروط، ممكن الأمور تستمر بشكل طبيعي. لكن لازم نكون واضحين مع الإدارة القانونية.»
جلال حط إيده على جبينه، ولأول مرة بدأ يحس إن غروره ممكن يكلفه أكتر من مجرد خسارة صفقة.
لكن اللي كان أصعب عليه من الأزمة المالية نفسها، إنه ما كانش قادر يوصل للرجل اللي بيده القرار.
اتصل بمكتب رئيس المجموعة مرة تانية، وطلب مقابلة عاجلة. السكرتير رد بنفس الجملة:
«نعتذر يا فندم، أي طلبات لازم تتقدم من خلال القنوات الرسمية، ورئيس المجموعة مش بيجري مقابلات استثنائية في الملفات الخاضعة للمراجعة.»
جلال صرخ:
«أنا مش أي حد! أنا جلال المنشاوي!»
السكرتير رد بأدب ثابت:
«إحنا مقدرين مكانة حضرتك، لكن الإجراءات واحدة على الجميع.»
قفل جلال الخط، ورمى الموبايل على المكتب.
كان طول عمره بيعتقد إن اسمه كفاية يفتح أي باب، لكنه بدأ يكتشف إن فيه أبواب ما بتتفتحش بالصوت العالي، ولا بالفلوس، ولا بالتهديد.
في اللحظة دي، دخل فؤاد السيوفي مكتبه من غير موعد، ووشه مرسوم عليه القلق.
«جلال، لازم نتكلم.»
جلال رفع عينه.
«خير؟»
فؤاد قعد قدامه، وحط ملفًا صغيرًا على المكتب.
«فيه حاجة لازم تعرفها. وصلني كلام إنهم بيدوروا على تحويلات حصلت بين الشركة الرئيسية وشركة تابعة ليك.»
جلال اتجمد.
«مين قالك الكلام ده؟»
«مصدر داخل السوق.»
«فؤاد، إنت كنت عارف إن التحويلات دي ممكن تعمل مشكلة؟»
فؤاد رفع إيده باستنكار.
«أنا؟ أنا مالي؟ إنت صاحب القرار، وإنت اللي بتدير شركاتك.»
جلال بصله بذهول.
«إنت شريك معايا في المشروع، وكنت عارف كل التفاصيل.»
فؤاد رد ببرود:
«أنا شريك في مشروع محدد، مش مسؤول عن كل قراراتك الإدارية.»
جلال حس إن فيه حاجة مش مظبوطة. فؤاد كان أول واحد شجعه على تحويل السيولة، وكان بيأكد له إن الموضوع مؤقت ومش هيأثر على الاتفاقية.
لكن دلوقتي، بيتكلم كأنه عمره ما سمع عن التحويلات دي.
جلال قرب منه، وقال بصوت منخفض:
«إنت بتجهز نفسك تخلع من المركب يا فؤاد؟»
فؤاد ابتسم ابتسامة باردة.
«أنا بحمي نفسي. ونصيحتي ليك تعمل زيي.»
قام وخرج، وساب جلال وسط شكوكه.
بعد خروجه بدقايق، دخلت السكرتيرة وقالت إن فيه اتصال من مكتب المحاماة الخارجي المسؤول عن مراجعة الصفقة.
جلال رد، وسمع صوت محامية اسمها داليا منصور، كانت معروفة بدقتها الشديدة في قضايا الشركات.
«أستاذ جلال، إحنا محتاجين نتأكد من مستندات التحويلات، وفيه تعارض بين تقرير الإدارة المالية وبعض الإقرارات اللي اتقدمت قبل كده.»
جلال حاول يسيطر على نبرته.
«كل حاجة هتتوضح. دي مجرد إجراءات.»
داليا ردت:
«أتمنى، لكن لازم حضرتك تعرف إننا مش هنقدر نعتمد على أي تفسير شفهي. كل حاجة لازم تكون مدعومة بمستندات أصلية.»
قفل الخط، وحس إن الدائرة بتضيق حواليه.
ولأول مرة، فكر إنه ممكن يحتاج يطلب مساعدة مريم.
الفكرة وحدها كانت مهينة بالنسبة له.
هو اللي قال لها إنها مش هتقدر تعيش من غيره، وهو اللي هددها بالحرمان، وهو اللي رفض حفيده قدام العيلة. إزاي يروح دلوقتي ويطلب منها تتوسط عند جوزها؟
لكن قبل ما ياخد أي قرار، موبايله رن، وكانت رنا على الخط.
«بابا، لازم تيجي البيت بسرعة.»
«في إيه؟»
«مريم نزلت بيان على حسابها!»
جلال قام من مكانه.
«بيان إيه؟!»
«مش هي اللي نزلته، محاميها بعت إخطار لرنا بخصوص الصورة، وبيقول إنهم محتفظين بحقهم القانوني. وفيه ناس بدأت تتكلم عن الموضوع.»
جلال قفل عينيه بعصبية.
«قولتلها تعمل إيه؟»
«أنا ما كلمتهاش! هي اللي بتصعد الموضوع.»
للحظة، كان عايز يصدق كلام رنا، لكن صوت كريم من اليوم اللي فات رجع في ودنه: «كل ما حد يقولك إنك غلطان، بتعتبره عدو.»
فتح حساب رنا، وشاف المنشور بعينيه، وشاف التعليقات، وشاف صورة حمزة وهو بيعيط، وشاف الكلمات اللي كتبَتها بنبرة ساخرة.
ولأول مرة، ما قدرش يقنع نفسه إن اللي حصل مجرد هزار.
كان طفلًا صغيرًا، ما يعرفش حتى يرفع راسه، ومع ذلك، اتحول في إيد بنته لمادة للضحك.
لكن بدل ما يواجه الحقيقة، قفل الموبايل وقرر يروح لمريم.
مش عشان يعتذر.
لكن عشان يطلب منها توقف اللي بيحصل.
وصل لعمارته بعد الظهر، وطلع بالمصعد لحد الدور اللي فيه شقتها. وقف قدام الباب، ورفع إيده عشان يخبط، لكنه اتردد لحظة.
كان آخر مرة شاف فيها مريم وهي خارجة من الفيلا، كانت شايلة ابنها ورافعه راسها، وما بصتش وراها.
المنظر ده فضل يطارده طول الليل.
خبط أخيرًا.
فتحت له مريم، وكانت لابسة لبس بيت بسيط، وشعرها ملموم، وحمزة نايم في حضنها.
بصت له بهدوء، وقالت:
«أهلًا يا بابا.»
اتوتر من هدوئها أكتر من لو كانت صرخت في وشه.
قال بسرعة:
«عايز أتكلم معاكي.»
«اتفضل.»
دخل، وقعد في الصالون، لكنه ما عرفش يبدأ منين.
بص لحمزة، وبعدها صرف نظره بسرعة.
مريم لاحظت، لكنها ما قالتش حاجة.
أخيرًا، جلال اتكلم:
«أنا عارف إن اللي حصل يوم العيد كان ممكن يتفهم غلط.»
مريم فضلت ساكتة.
كمل وهو بيحاول يختار كلماته:
«الناس كانت كتير، والكلام اتقال في لحظة غضب، ورنا يمكن زودتها شوية.»
رفعت مريم عينيها له.
«زودتها شوية؟»
جلال اتنحنح.
«أنا مش بقول إن كل حاجة كانت صح، لكن ما ينفعش نكبر الموضوع ونخليه أزمة بيننا.»
مريم بصت له فترة طويلة، وبعدها قالت:
«إنت جيت هنا عشان تعتذر لحمزة، ولا عشان خايف من اللي ممكن يحصل لشركاتك؟»
وشه اتغير.
«إيه علاقة الشركات بالموضوع؟»
«أنا بسألك سؤال واضح يا بابا. إنت جيت عشان ابني اتوجع، ولا عشان اكتشفت إن جوزي هو الشخص اللي شركاتك بتحاول توصله من سنين؟»
جلال اتصدم من صراحتها، وحاول يخفي ارتباكه.
«أنا ما جيتش أتكلم في البيزنس.»
«كويس. يبقى خلينا نتكلم عن حمزة.»
مريم عدلت الغطا على ابنها، وقالت:
«أنا مش محتاجة منك فلوس، ولا محتاجة منك شقة، ولا عربية، ولا أي حاجة. أنا كنت محتاجة منك تبص لابني وتفرح بيه. كنت محتاجة تحضنه وتقول لي مبروك يا بنتي. كنت محتاجة أمي تسألني إذا كنت تعبانة بعد الولادة، بدل ما تتهمني في شرفي. وكنت محتاجة أختي تحترم طفل لسه مولود، بدل ما تستخدم صورته عشان تزود متابعينها.»
جلال فتح بقه عشان يرد، لكنها كملت:
«إنت فاكر إنك جرحتني بكلامك بس. لكن الحقيقة إنك حاولت تحسسني إن ابني أقل من أي طفل تاني، لمجرد إنك مش موافق على اختياراتي. وده مش هيحصل.»
جلال بص للأرض للحظة، ثم قال:
«أنا أبوكي يا مريم.»
ردت بهدوء:
«وعشان كده كنت مستنية منك أكتر من أي حد.»
الكلام نزل عليه تقيل، لكنه ما عرفش يرد.
في اللحظة دي، حمزة اتحرك في حضنها وبدأ يعيط. مريم هزته برفق، وفضلت تهدهده لحد ما هدي.
جلال كان بيتابع المشهد، وشاف إزاي بنتُه بتبص للطفل بحنان، وإزاي بتضمه كأنها بتحاول تمنع العالم كله من الوصول له.
للحظة قصيرة، حس بحاجة غريبة في قلبه، حاجة شبه الندم، لكنه سرعان ما رجع لطبعه القديم.
قال بنبرة جافة:
«أنا مش هقدر أعتذر عن كل حاجة اتقالت في لحظة غضب، لكن ممكن نبدأ صفحة جديدة.»
مريم رفعت عينيها له.
«الصفحة الجديدة بتبدأ لما تعترف بالغلط، مش لما تطلب من اللي اتوجع ينساه.»
جلال قام من مكانه بعصبية.
«إنتِ بقيتي بتتكلمي معايا بالطريقة دي بسبب عمر!»
مريم هزت راسها.
«لأ يا بابا. أنا بقيت بتكلم بالطريقة دي عشان بقيت أم. عشان عرفت إن السكوت مش دايمًا احترام، وإن التنازل مش دايمًا حب، وإن فيه حاجات لو سكتنا عنها بنسمح لها تتكرر.»
جلال بص لها بحدة.
«واضح إن جوزك غيرك.»
«عمر علمني إن رأيي له قيمة، لكن القرار ده قراري أنا. ولو عمر مش موجود، كنت هقولك نفس الكلام.»
سكت جلال لحظة، وبعدها قال:
«أنا مش جاي أتشاجر معاكي. أنا عندي مشكلة في الشركة، ومش عايز الخلاف العائلي يأثر على الشغل.»
مريم حسّت إن الحقيقة ظهرت أخيرًا.
«يبقى روح كلم عمر من خلال القنوات الرسمية، زي أي رجل أعمال تاني. أنا مش هتوسط لك، ومش هطلب منه يوقف مراجعة، ومش هسمح إن اسمي يتستخدم عشان حد يتهرب من مسؤولية.»
جلال وشه احمر.
«إنتِ بتتخلي عن أبوكي؟»
ردت، وصوتها اتكسر لأول مرة:
«أنا ما اتخليتش عنك يا بابا. إنت اللي كل مرة بتخليني أختار بين كرامتي ورضاك، وكنت طول عمري باختار رضاك. المرة دي، عندي طفل لازم أحميه، ومش هخليه يتعلم إن الحب معناه إنه يقبل الإهانة عشان يفضل جزء من العيلة.»
جلال وقف قدامها، وعينيه مليانة غضب وارتباك.
كان عايز يقول لها إنها ناكرة للجميل، وإنها هتندم، وإنها مش هتقدر تعيش بعيد عن عيلتها.
لكن الكلمات ما خرجتش.
لأنه لأول مرة، كان شايف قدامه بنت مختلفة عن البنت اللي كان متعود عليها.
بنت ما بقتش بتستنى إذنه عشان تختار حياتها.
لف ناحية الباب، وقبل ما يخرج، سمع صوتها وراه:
«يا بابا.»
وقف، لكنه ما بصش لها.
قالت بهدوء:
«أنا لسه بنتك، ومش بتمنى لك الشر. لو عندك مشكلة في شغلك، أتمنى تحلها بالقانون وبالصدق. ولو في يوم حبيت تشوف حمزة، الباب ممكن يتفتح لما تكون مستعد تحترمه وتحترمني. لكن مش هسمح لأي حد يدخل حياتنا عشان يستخدمنا أو يضغط علينا.»
جلال خرج من غير ما يرد.
ولما الباب اتقفل، مريم سندت ضهرها عليه، وغمضت عينيها، وبدأت تعيط في صمت.
عمر خرج من المكتب، وكان سمع جزءًا من الكلام، لكنه ما تدخلش.
قرب منها، وشال حمزة من حضنها برفق، وبعدها حضنها هي.
«إنتِ عملتي الصح.»
مريم هزت راسها وسط دموعها.
«ليه الصح بيوجع كده؟»
عمر مسح على شعرها.
«عشان أحيانًا بنضطر نسيب الأمل اللي عشنا عليه سنين، قبل ما نقدر نعيش الحقيقة.»
فضلت في حضنه شوية، لحد ما هديت، وبعدها رجعت تبص لابنها.
«أنا مش عايزاه يكبر وهو شايل كره لحد.»
عمر ابتسم.
«مش لازم نكرهم عشان نحط حدود. ومش لازم ننسى اللي حصل عشان نسامح. إحنا نقدر نعيش حياتنا من غير ما نسمح للأذى يرجع تاني.»
في اليوم التالي، بدأت الأمور تاخد منحنى أخطر.
الإدارة القانونية اكتشفت إن فيه مستندات ناقصة في ملف المشروع، وإن جزءًا من المبالغ اللي اتسحبت تحت بند التوسع العقاري اتحول لشركة تابعة مرتبطة بمشروع آخر، من غير توثيق كامل للموافقة المطلوبة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن التوقيع الموجود على أحد المستندات مش مطابق للتوقيع الأصلي للمسؤول المالي.
المراجعة الداخلية طلبت التحقيق في الواقعة، وتم تعليق أي تمويل إضافي مرتبط بالملف لحين استكمال الفحص، من غير ما يصدر قرار نهائي بشأن مسؤولية أي شخص.
عمر كان بيتابع التقارير من خلال لجنة مستقلة، وكان حريص إن اسمه ما يظهرش في أي قرار له علاقة بالخلاف العائلي.
في الاجتماع، قال لأعضاء اللجنة:
«أنا مش هقبل إن أي قرار يتاخد بسبب علاقة شخصية. شركة المنشاوي ليها حقوق والتزامات زي أي شركة، والموظفين اللي فيها لازم يتعاملوا بعدل. عايز مراجعة كاملة، وأي دليل يطلع يتسجل، وأي اتهام من غير دليل يتشال من التقرير.»
رئيس اللجنة هز راسه.
«ده الإجراء المتبع بالفعل. وإحنا هنرفع النتائج لمجلس الإدارة بعد مراجعة كل المستندات.»
لكن بعد انتهاء الاجتماع، وصل لعمر اتصال من رقم مجهول.
رد، فجاله صوت رجل متوتر:
«أستاذ عمر، لازم حضرتك تعرف إن فيه حد بيحاول يغيّر مسار التحقيق.»
عمر اعتدل في كرسيه.
«مين معايا؟»
«مش هقدر أقول اسمي دلوقتي، لكن أنا موظف في شركة المنشاوي. فيه تعليمات اتبعتت لبعض الموظفين إنهم يعدلوا تواريخ مستندات قديمة قبل ما تتسلم للمراجعة.»
عمر سكت لحظة، ثم قال:
«إنت معاك دليل على الكلام ده؟»
«معايا رسائل داخلية، ونسخ من الملفات قبل التعديل وبعده.»
«ما تبعتش أي مستندات على أرقام مجهولة. تواصل مع محامي مستقل أو جهة رقابية مختصة، واحتفظ بالأصول زي ما هي. متغيرش حاجة، ومتواجهش أي حد لوحدك.»
الرجل اتردد.
«أنا خايف أخسر شغلي.»
عمر رد بحزم هادي:
«أنا فاهم خوفك، لكن ما ينفعش أضمن لك نتيجة قبل ما نعرف الحقيقة. اللي أقدر أقوله لك إنك لازم تحافظ على الأدلة وتتبع الطريق القانوني، ومحدش من حقه يطلب منك تزوير مستند.»
قفل المكالمة، وطلب من الإدارة القانونية توثيق البلاغ والتحقق من المعلومات بشكل مستقل.
وبعدها اتصل بمريم.
«حبيبتي، محتاج أقولك حاجة، بس عايزك تسمعيني للآخر.»
حست بالقلق من نبرته.
«فيه إيه؟»
«فيه احتمال إن الأزمة أكبر من مجرد تحويل مالي غير موثق. وصلنا بلاغ عن محاولة تعديل مستندات قبل المراجعة.»
مريم سكتت، وبعدها سألت:
«تقصد إن بابا بيحاول يخبي حاجة؟»
«مش عارفين مين المسؤول، ومش هنتهم حد قبل التحقيق. لكن فيه حاجة لازم تكوني مستعدة لها: لو ظهر دليل على مخالفة، الموضوع ممكن يتحول لإجراءات قانونية أوسع.»
حست إن قلبها بيتعصر.
«أنا مش عايزة أبويا يدخل السجن.»
عمر رد بهدوء:
«ولا أنا عايز أذى لأي حد. لكن لو حصلت مخالفة فعلًا، الحل مش إننا نخبيها. الحل إن الحقيقة تظهر، واللي غلط يصلح غلطه ويتحمل مسؤوليته بالقانون.»
مريم قعدت على الكنبة، وبصت لحمزة اللي كان نايم في سريره.
«أنا خايفة يا عمر. مش على نفسي، لكن على كل اللي ممكن يحصل بعد كده.»
«أنا جنبك. ومهما حصل، مش هتواجهي ده لوحدك.»
في نفس الوقت، كان جلال بيحاول يسيطر على الوضع من ناحيته.
طلب اجتماعًا عاجلًا مع كبار المديرين، وقال لهم إن الشركة هتتعاون بالكامل مع المراجعة، وإنه مش هيقبل أي تلاعب بالمستندات.
لكن بعد الاجتماع، استدعى مدير الإدارة المالية لمكتبه، وسأله عن شريف، الموظف اللي رفع الملاحظات.
«هو مين اللي طلب منه يراجع التحويلات؟»
المدير رد:
«المراجعة الداخلية، بناءً على نظام الرقابة المعتاد.»
«وإزاي المستندات وصلت للمجموعة الاستثمارية؟»
«عن طريق القنوات الرسمية، يا فندم.»
جلال ضيق عينيه.
«أنا عايز أعرف كل اللي شريف عمله في آخر شهر.»
المدير اتوتر.
«حضرتك تقصد أراجع سجلاته؟»
«بالضبط.»
المدير خرج، لكنه ما كانش عارف إن شريف كان محتفظًا بنسخ أصلية من المستندات، وإنه بالفعل استشار محاميًا مستقلًا قبل ما يقدم البلاغ.
في مساء اليوم نفسه، فؤاد السيوفي اتصل بجلال مرة تانية، لكن المرة دي كان صوته أقل ثقة.
«جلال، فيه أخبار مش كويسة بتلف في السوق.»
جلال رد بحدة:
«إنت عايز مني إيه يا فؤاد؟»
«أنا بحاول أساعدك.»
«المساعدة مش إنك تختفي أول ما تظهر مشكلة.»
فؤاد سكت، ثم قال:
«أنا مش طرف في التحويلات دي.»
جلال قرب الموبايل من ودنه.
«مين قال إنك طرف؟»
فؤاد اتلخبط للحظة، لكنه تدارك نفسه.
«أنا بس بوضح موقفي.»
جلال بدأ يشك أكتر.
«طيب، تعالى بكرة المكتب ومعاك كل مستندات مساهمتك في المشروع، عشان نراجع الحسابات مع المحامي.»
فؤاد حاول يتهرب.
«بكرة صعب، عندي سفر.»
«أجل سفرك.»
«جلال، إنت بتشك فيا؟»
رد جلال ببطء:
«أنا بدأت أشك في كل حاجة.»
وقفل الخط.
في الليلة دي، جلال ما نامش كويس. لأول مرة من سنين، كان كل ما يغمض عينيه يشوف وجوه الناس اللي ظلمهم، مش لأنه ندمان بالضرورة، لكن لأنه بدأ يخاف من الحساب.
افتكر مريم وهي صغيرة، لما كانت تجري عليه أول ما يرجع من الشغل، وتستناه يرفعها ويحطها على كتفه. افتكر أول مرة طلبت منه يوافق على عمر، وإزاي رد عليها إنه مش مناسب لمستواهم. افتكر لما سابت البيت، وإزاي قال لنادية إنها هترجع بعد أسبوعين.
لكنها ما رجعتش.
وبعدها جاله خبر ولادة حمزة، وكان يقدر يروح يشوف حفيده، لكنه أصر إنه مش هيقبل طفلًا أبوه مش على مزاجه.
دلوقتي، اكتشف إن الطفل اللي رفضه ممكن يكون الشخص الوحيد اللي كان يقدر يفتح له بابًا لعلاقة جديدة مع بنته، لكنه هو بنفسه قفل الباب بإيده.
ومع ذلك، كبرياؤه كان لسه أقوى من ندمه.
أما رنا، فكانت وصلت لمرحلة من الخوف خلتها تمسح المنشور أخيرًا، لكن بعد ما كان اتصور واتنشر في صفحات كتير.
بعتت لمريم رسالة:
«أنا مسحت الصورة. أتمنى تكوني مبسوطة.»
مريم قرت الرسالة، وحست إن أختها لسه مش فاهمة حجم اللي عملته.
ردت:
«أنا مش عايزة أكون مبسوطة على حسابك، ولا عايزة أخسرك. لكن مسح الصورة مش بيمسح اللي حصل. لما تكوني مستعدة تعترفي إنك غلطتي في حق حمزة، من غير ما تلومي حد تاني، ممكن نتكلم.»
رنا قرت الرسالة، ورمت الموبايل على السرير.
كانت عايزة مريم تتنازل بسرعة، وتقول لها إن كل حاجة انتهت، لأنها ما كانتش مستعدة تواجه حقيقة إنها جرحت طفلًا بريئًا، وإنها استغلت أختها عشان تكسب شهرة.
لكن في أعماقها، كانت عارفة إن مريم المرة دي مش هتتراجع.