همسه من الظلام ٢ شروق خالد

همسه من الظلام شروق خالد ٢

أشرتُ إلى الحمام مجدداً: “قدامك ثلث ساعة بالضبط. علي برة جهّز القهوة، والعربية مستنية تحت.”

أومأت برأسها بسرعة وصوتها ينخفض بتوتر لذيذ: “حاضر يا فندم… قصدي، حاضر يا حمزة بيه.”

استدارت ودخلت، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

وقفتُ لدقيقة أراقب الباب المغلق، وشعرت بشيء غريب يتغير في صدري. المكان الذي كان دائماً بارداً ويصلح فقط كملجأ بعد معارك الدواير المظلمة والشبهات، أصبح يفوح منه عبق مختلف… رائحة هادئة تشبه المطر والأمان.

بعد عشرين دقيقة، فتحت باب الغرفة وخرجت.

كانت ترتدي البدلة الرسمية الداكنة التي أحضرها علي، رفعت شعرها البني بطريقة بسيطة لكنها أنيقة، وبدت كأنها تنتمي لهذا العالم أكثر من أي شخص آخر. لم تعد تلك الفتاة المرتبكة التي تخشى ظلّها، بل بدت حازمة ومستعدة.

“أنا جاهزة يا حمزة بيه،” قالتها وهي تحمل حقيبة الملفات بثقة.

ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، وأشرتُ لها بالتقدم: “يبقى يلا بينا… ننهي المهزلة دي.”

نزلنا السلم الداخلي للقصر. كان علي ينتظر عند الباب السائلي، وجهه جاداً وجسده مشدوداً. أقترب مني وهمس في أذني بصوت خافت: “إبراهيم بقى في إيدينا يا باشا… ومسكوناه في الطريق الصحراوي وهو محمل شنط الفلوس. والورق الأصلي للمرفأ أهو.”
سلمني علي المجلد الأصلي المختوم رسمياً دون أي تلاعب.

أخذتُ الملف ونظرتُ إلى خديجة التي كانت تقف بجانب السيارة المصفحة.

“علي… إبراهيم يفضل مقفول عليه لحد ما أرجع من المجلس. مش عايز خدش فيه… بس خليه يفكر كويس في اللي عمله.”

“أمرك يا حمزة بيه.”

فتحتُ باب السيارة لخديجة بنفسي، في لفتة لم أردها لأي شخص من قبل. تلعثمت قاطعة نظراتها، لكنها جلست بالداخل، ثم ركبتُ بجوارها وأمرت السائق بالتحرك فوراً نحو مقر المحافظة.

كانت الشوارع لا تزال مبتلة بأمطار الفجر، وأضواء القاهرة الهادئة تنعكس على زجاج السيارة.

“خديجة،” قلتُ وأنا أفتح المجلد الأصلي وأضعه بيننا. “في الاجتماع، أنتِ اللي هتسلمي الأوراق بنفسك للجنة. ولما يسألوا عن إبراهيم، هتقولي بثبات إن الشركة غيرت هيكلها الإداري، وأنتِ النائب المسؤول عن ملف تطوير المرفأ.”

نظرت إليّ بذهول صادق: “النائب؟! بس أنا…”

وضعتُ يدي فوق يدها المرتجفة على المجلد، فشعرت بكهرباء دافئة تسري بيننا. توقفت عن الكلام ونظرت إلى يدي التي تغطي يدها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *