عدت السنين، وسارة كبرت شوية. بقى عندها 9 سنين، وضحكتها اللي كانت اختفت تماماً رجعت تنور وشها من تاني. بدأت تروح المدرسة، وتلعب رسم وموسيقى، وبقت تناديني "بابا محمد". كل خطوة كانت بتاخدها لقدام كانت بالنسبة لي انتصار على الماضي الأسود اللي عاشته. بس الماضي ده مكانش عايز يسيبنا في حالنا بسهولة. في يوم، جالي جواب رسمي على البيت من المحكمة. محامي أحمد وشيماء كان بيبذل كل جهده عشان يعمل نقض في الحكم، وطلب إعادة سماع شهادة سارة أمام القاضي في جلسة مغلقة، بحجة إن شهادتها وهي عندها 5 سنين كانت "ملقنة" مني بصفني مخرج وثائقي وبفبرك التهم. الدنيا اسودت في وشي. سارة نسيت تقريباً كل التفاصيل البشعة دي، وإني أرجعها تقف قدام محكمة أو تتكلم عن الأيام دي تاني كان كابوس مرعب بالنسبة لي. قعدت مع دكتورة نادين، وقلتلها وأنا بتنفض من القلق: «أنا مستعد أضحي بأي حاجة، بس سارة مش هتدخل خشبة محكمة ومش هتفتكر الخرا ده تاني». نادين طبطبت على إيدي وقالتلي: «القانون أتلغى فيه البند ده بالنسبة للأطفال في القضايا دي يا محمد. الملف الطبي الجنائي والتصوير اللي عملناه ساعتها مع نجدة الطفل، بالإضافة للتفريغ الرقمي للدارك ويب، أدلة مادية قاطعة مش محتاجة كلمة واحدة من طفلة». في يوم الجلسة، سبت سارة مع أختي الصغار في البيت وذهبت المحكمة بنفسي. أحمد كان قاعد في قفص الاتهام، وشه باهت، شعر راسه شاب، ورايح منه كل العز والتكبر اللي كان عايش فيه. شيماء كانت قاعدة جنبه زي الخيال، هدوم السجن الدبلانة ملمومة عليها ودموعها مش بتوقف. أول ما أحمد شافني، بصلي بنظرة غل وكره عمر الموت ما يمحاها. المحامي بتاعه قام ووقف يتكلم بتبجح، ويحاول يطعن في التقارير الطبية ويقول إن البلاغ كان كيدي بسبب خلافات عائلية على ورث. القاضي سكت تماماً، وساب المحامي يرغي لحد ما خلص كلامه. وبعدين بصلهم من فوق نظارته وقرأ منطوق الحكم:«بعد الاطلاع على الأوراق، والتأكد من الأدلة الرقمية والتقارير الطبية الجنائية الثابتة القطعية، قررت المحكمة رفض الطعن مقدمًا، وتأييد الحكم الصادر بالسجن المؤبد للمتهم الأول، والسجن المشدد 15 سنة للمتهمة الثانية».دقات المطرقة رنت في القاعة زي الصاعقة. شيماء إنهارت على الأرض بتصرخ، وأحمد اتسمر في مكانه ومش قادر ينطق كلمة. خرجت من المحكمة وأنا حاسس إن جبل أخير انزاح من على صدري. رجعت البيت على آخر النهار. سارة كانت قاعدة في الصالة بPage كراسة الرسم بتلون شجرة كبيرة وورد ملون. أول ما شافتني، سابت الألوان وجريت عليا حضنتني جامد: «تأخرت ليه يا بابا؟»نزلت على ركبي، وحضنتها بكل قوتي وقلت لها: «كنت بخلص حاجة مهمة أوي يا عصافيرتي.. حاجة انتهت للأبد ومافيش حاجة في الدنيا تقدر تشغلنا عن بعض تاني».بصتلي بعيونها البريئة وابتسمت، وسألتني: «هنعمل إيه النهاردة؟ »مسكت إيدها الصغيرة وقلتلها: «هنروح نشتري أكبر تورته، ونحتفل إننا مع بعض.. وإنك شجاعة وأقوى من أي حاجة وحشة في العالم».#حكايات_شروق_خالدمرت الأيام والسنين، وسارة بقت في أولى إعدادي. كبرت وبقت بنوتة طعمة وذكية، وعينيها شايلة هدوء وراحة بعد سنوات طويلة من العلاج النفسي والدعم. كنت فاكر إن الصفحة دي اتقفلت للأبد، لحد ما في يوم الجمعة، والباب بيرن على الضهر. فتحت الباب، لقيت أمي واقفة.. أمي اللي قاطعتني من يوم القضية، وكانت شايفاني "الابن العاق اللي فضح أخوه ودخل بيته السجن عشان شوية حكايات".كانت واقفة بعكازها، وشها كبر ميت سنة، وعينيها مكسورة. «عايز إيه يا أمي؟» قلتها وأنا ساند على الباب، وصوتي ناشف بس مش قاسي. دخلت ببطء وبصت حولين الشقة، لحد ما عينها جت على سارة وهي قاعدة بتذاكر على السفرة. سارة أول ما شافتها قامت وقفت بخوف واستخبّت ورايا. أمي اتنهدت بو. جع وطلعت كيس بلاستيك أسود من شنطتها وحطته على الترابيزة: «أحمد بعتلك الجواب ده من السجن.. وده دفتر توفير باسم سارة، فيه كل اللي حيلتي.. أنا أدركت متأخر أوي يا محمد إنكم كنتم صح، وإن أنا اللي غميت عيني عشان خايفة من الفضيحة». بصيت للجواب، ورجعت بصيت لأمي: «الندم متأخر يا أمي.. الجروح اللي في جسم سارة اتداوت، بس اللي في قلبها أخد سنين عشان يلم. أحمد بياخد جزاءه في الدنيا، وربنا يتولاه في الآخرة».سارة قربت مني بالراحة، ومسكت في إيدي جامد، وبصت لتيتا وقالت بصوت هادي بس ثابت: «أنا مش زعلانة منك يا تيتا. . بس أنا مبسوطة هنا مع بابا محمد، وما أتمناش أرجع للماضي تاني».أمي بكت بفرقة، ولأول مرة تحضن سارة وتعتذر لها بدموع حقيقية، وسابت الشقة ومشت وهي عارفة إن اللي اتكسر صعب يرجع زي زمان، بس الأهم إن العدل أخد مجراه. مسكت الجواب بتاع أحمد، ومن غير ما أفتحه ولا أقرأ منه حرف، أخدته ورهميته في سلة الزبالة. بصيت لسارة وابتسمت: «يلا يا عصافيرتي، انزلي جهزي شنطتك عشان نلحق النادي».وهناك، تحت الشمس، وأنا شايف سارة بتجري وتضحك مع أصحابها، عرفت إن نضالي لسنوات مكانش بلاش، وإن أكبر انتقام من الظلم هو إن الضحية تعيش حرة، ونظيفة، ومبسوطة. صمت الو. جع حكايات شروق خالد